السنيورة، النفط والاصلاح

مروان اسكندر
22 كانون الأول 2017

قرأت بتمعن نص مداخلة الرئيس السنيورة في جلسة اللجان المشتركة التي انعقدت في مجلس النواب بتاريخ 12 كانون الاول 2017، واسارع الى القول إني أوافقه آراءه التي أبداها بوضوح في ما يتعلق بعقود البحث والتنقيب عن النفط، سواء في المياه الاقليمية أو مستقبلاً على الاراضي اللبنانية.

لقد أبدى الرئيس السنيورة معارضة وتحفظاً حيال انشاء الصندوق السيادي قبل ان تتوافر مصادر دخل يمكن تخصيصها لاطفاء بعض الدين وتمويل ربما مشاريع انمائية واقتصادية. فهو يقول عن حق إن الدين العام سيناهز الـ80 مليار دولار بنهاية عام 2017 أي ما يساوي نسبة 150 في المئة من مجمل الدخل القومي، وهذه نسبة بالغة الارتفاع. وهنالك نسبة دين عام أعلى بكثير قياسًا بالدخل القومي لدى اليابان، لكن اليابان تحوز رابع أو خامس أكبر اقتصاد عالمي ودورها في مجالات التكنولوجيا المتقدمة طليعي. أضف أن اليابانيين ابتعدوا دومًا عن اشراك رأس المال الاجنبي في تملك نسب ملحوظة من شركاتهم الطليعية، ولعل مشاركة “رينو” بمبادرة من كارلوس غصن في شركة “نيسان”، ومن بعد ومنذ وقت قريب في شركة “ميتسوبيشي” تعتبر من الشذوذ عن القاعدة في اليابان، علمًا بان مبادرات كارلوس غصن ربما انقذت شركة “نيسان” وقد تسهم في انقاذ انتاج سيارات “الميتسوبتشي”.

الصندوق السيادي، إن تركز النقاش عليه الآن، سيؤدي الى تباين المواقف في شأن دوره والجهة أو الجهات المشرفة عليه، وستكون هنالك خلافات على هيكلية الصندوق وتوزع المسؤوليات فيه. ومعلوم ان ثمة ميلاً الى توزع مسؤوليات كبيرة بمعاشات ملحوظة للمنتسبين الى الاحزاب والتيارات الخ، ولبنان اليوم الذي يترنح في سعيه الى الاستقرار غير مؤهل لانجاز صندوق سيادي لا يمكن تمويله الا بزيادة الاقتراض.

يطرح بعض الأفرقاء موضوع الشركة الوطنية بإلحاح، والرئيس السنيورة يبين ان نروج لم تسع الى انشاء شركة وطنية حتى بعد توافر خبرة لها في مجال الانتاج وموارد مالية لتمويل انشاء شركة كهذه. أما قبرص التي شاء الرئيس السنيورة الاشارة الى خبرتها، وهو على حق في البحث في هذا الموضوع لان مياهنا الاقليمية تلامس المياه الاقليمية القبرصية، وقبرص باشرت انتاج الغاز عام 2017 من حقل أفروديت الذي اكتشفته شركة “نوبل انرجي” التي هي شركة أميركية – اسرائيلية، وكانت شركة “توتال” الفرنسية انجزت آباراً لتحقيق اكتشافات اضافية في المياه القبرصية وكانت النتيجة سلبية.

الوقت طويل قبل الحاجة الى انشاء شركة وطنية وتأسيس صندوق سيادي، وأعمال الحفر والتنقيب لن تبدأ قبل 2019 وفي احسن الاحوال قد تتبدى نتائج مشجعة في غضون ثلاث سنوات، ومن بعد ستنقضي بضع سنوات قبل ان يتوافر انتاج النفط او الغاز.

يبقى موضوع انشاء مديرية عامة للاصول البترولية لدى وزارة المالية وهذا التوجه رهن بانشاء صندوق سيادي وتوافر أموال من عمليات الانتاج، كما علينا تقويم عمل واستمرارية هيئة شؤون النفط التي تأسست منذ 2013 وانجزت الاعمال التحضيرية التي سمحت أخيرًا، وبعد تأخير ملحوظ للهيئات السياسية، باقرار شروط اتفاقات التنقيب والانتاج.

الموضوع الاهم الذي تناوله الرئيس السنيورة باختصار هو موضوع الاصلاح الاداري والمالي بهدف ضبط العجز لان استمرار المنهجية القائمة منذ سنوات لا بد ان يؤدي الى تعجيز البلد عن القيام بالتزاماته في السنوات المقبلة وخصوصاً بعد 2019.

هنالك اشارة الى موضوع مؤتمر اعانة لبنان الذي دعا اليه الرئيس الفرنسي في نيسان المقبل، وقد أشرنا مرارًا، ونعلم ان الرئيس السنيورة يشاطرنا الرأي، الى ان استمرار العجز المالي والاداري للكهرباء سيحول دون تحمّس الدول والمؤسسات الدولية لمساعدة لبنان.

الحقيقة التي سمعها رئيس الجمهورية من فريق البنك الدولي ان اختصار عجز الكهرباء هو المؤشر الحقيقي والاساسي لبدء عملية اصلاح الادارة، وتأهيل لبنان للاستفادة من مساعدات اضافية. ومعلوم ان مساعدات مؤتمر باريس – 3 لم تتوافر كاملة لان الاصلاحات المقترحة لم تتحقق ومن هذه كانت خطوة تأسيس هيئة ناظمة لشؤون الكهرباء في لبنان.

للرئيس الحريري ان يصرّ على انه يريد الكهرباء 24/24 ونحن المواطنين العاديين نطلب منه ان يأخذ في الاعتبار كلفة هذا الأمر بعد ان يتفحص الاحصاءات التالية:

– 92 في المئة من المنازل في لبنان تحوز الكهرباء من مصلحة كهرباء لبنان أو من المولدات الخاصة.

– 1500 مليون دولار يدفعها سنويًا المشتركون للمولدات الخاصة، في حين أن تحصيلات مصلحة كهرباء لبنان لا تزيد عن 650 مليون دولار سنويًا. بكلام آخر، ما يتحصل من المشتركين بالكاد يكفي نفقات الاجور والصيانة، أما تكاليف اللقيم واستئجار البواخر، فنحن نستدين لتغطيتها.

– انتاج الكهرباء، سواء بواسطة البواخر، او توسيعات لمنشآت قائمة، يؤدي الى خسارة 37 في المئة من الكميات المنتجة كخسائر على شبكات التوزيع (17%) وسرقات للتيار، وتالياً فإن استئجار البواخر أكانت البواخر المتعاقد عليها أم المقترح استئجارها، يكلف 19.73 سنت للكيلووات/ ساعة تضاف اليها كلفة نقل وتوزيع 3.3 سنت للكيلووات/ ساعة، فتكون الكلفة الاجمالية 23 سنت للكيلووات/ ساعة، وحيث ان الخسارة الكلية كما بيننا توازي 37%، تصبح الكلفة الفعلية – مقابل التحصيل – 31 سنت للكيلووات ساعة. مقابل هذه الكلفة المرتفعة يجب الاشارة الى ان انتهاء عقد البواخر لا يترك للبنان اية موجودات انتاجية، كما لو كنا انجزنا محطة نهر البارد المتعاقد عليها منذ عام 2013.

في المقابل، تفوتر شركة كهرباء زحلة – التي توفر الكهرباء 24/24 ساعة بالتعاون مع مصلحة كهرباء لبنان – الكيلووات/ ساعة بـ16 سنت، أي تقريبًا نصف الكلفة التي يتحملها لبنان من البواخر، وليس من خسارة على الشبكات لان الانتاج موصول بالشبكة مباشرة بواسطة مولدات نقالة. وهذه الوسيلة يمكن اعتمادها في لبنان في جبيل وطرابلس وبيروت لسنة يمكن خلالها العمل على تأمين الغاز لمعامل البارد والزهراني وزيادة الطاقة المستدامة من حقول الالواح الزجاجية الشمسية والمراوح الهوائية. هذه المنهجية متبعة اليوم في الهند والصين تفاديًا للتلوث وتحقيقًا للاقتصاد في الكلفة، ونحن في لبنان بانتظار القرارات الحكيمة التي لا تثقل على موازنتنا ولا تزيد أعباء الاستدانة التي بلغت مستوى بالغ الارتفاع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*