السنة التي ربح فيها الأسد الحرب واحتضنه العرب

مونالزا فريحة
29122018
النهار

أقفل عام 2018 على مشهد متشابك في سوريا مع استعداد القوة الاميركية لمغادرة البلاد وتأهب كل من النظام السوري وتركيا لملء الفراغ الأميركي، فيما جددت اسرائيل عملياتها لتقويض النفوذ الايراني في عمق البلاد، أمام أنظار الروس الذين تراجع زخمهم، أقله علناً، في الربع الاخير من السنة، وخصوصاً منذ الاتفاق الذي توصلوا اليه مع تركيا لإقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب، وزادت العودة العربية عموماً والخليجية خصوصاً الى دمشق المشهد تشابكا، منذرة بمرحلة جديدة وتحديات جديدة في بلاد تشارف حربها دخول سنتها الثامنة.

ميدانياً واصل النظام السوري عام 2018 ما بدأه في السنة السابقة عندما استعادت الحكومة السورية بمساعدة روسيا وايران و”حزب الله” أجزاء كبيرة من وسط سوريا وشرقها من “داعش”. ومدد سيطرته جنوباً حتى بات يسيطر على ما يقارب ثلثي البلاد، بما في ذلك المناطق الأعلى كثافة سكانية والمدن الرئيسية والساحل والحدود مع لبنان والاردن، وأيضا الصحراء الواقعة وسط البلاد وحقول الغاز الرئيسية.

وبات ثمة اقتناع بأن الأسد ربح الحرب الأهلية، وخصوصاً أن هذه المناطق باتت تحت سيطرة قوات النظام أو ميليشيات موالية له. وبالأرقام، يقول المرصد السوري لحقوق الإنسان إن قوات النظام والمسلحين الموالين لها باتوا يسيطرون على 111443٫8 كيلومتراً مربعاً، أي ما نسبته نسبة 60.2% من مساحة سوريا.

ومع ذلك، ثمة مناطق أساسية وغنية لا تزال خارجة عن سلطة دمشق. وتسيطر على شمال غرب البلاد جماعات معارضة غير مدعومة مباشرة من دول أجنبية، وهي تضم خصوصاً محافظة إدلب، وأجزاء صغيرة متاخمة من محافظات اللاذقية وحماه وحلب. وتعدّ هذه المنطقة نحو ثلاثة ملايين شخص، بينهم نحو نصف مليون وصلوا الى هناك بموجب اتفاقات المصالحة التي عقدت مع النظام في مناطق مختلفة من سوريا.

وتهيمن على هذه المنطقة خصوصاً “هيئة تحرير الشام”، وهي تحالف بقيادة “جبهة النصرة”. وجمعت تركيا في المنطقة أيضاً جماعات معارضة كبيرة أخرى ضمن تحالف منافس هو “الجبهة الوطنية للتحرير”.

وتنتشر جماعات معارضة سورية تدعمها تركيا في منطقة على شكل قوس، في محاذاة الحدود من عفرين في الغرب، حيث تلتقي بالمنطقة الخاضعة للمعارضة في إدلب، إلى نهر الفرات في الشرق.

ومنذ 2016، يقيم الجيش الأميركي قاعدة في التنف في 2016، في عمق الصحراء قرب الحدود مع الأردن والعراق، مع جماعة مغاوير الثورة المعارضة. وبعد القرار الأخير الانسحاب العسكري من سوريا، لم يتضح بعد من سيملأ الفراغ الأميركي، وخصوصاً في هذه المنطقة الواقعة قرب الطريق الإستراتيجي السريع بين دمشق وبغداد.

ولا تزال وحدات حماية الشعب الكردية تسيطر بالكامل تقريبا على ربع سوريا، الواقع شرق نهر الفرات، بما في ذلك الرقة، العاصمة السابقة لـ”داعش”، وبعض من أكبر حقول النفط في البلاد.

وتعدّ هذه المنطقة محور خلاف كبير بين واشنطن وأنقرة التي تعتبر الوحدات الكردية و”قوات سوريا الديموقراطية” امتدادا لـ”حزب العمال الكردستاني” الكردي المصنّف إرهابيا لدى أنقرة.

ودخل الجيش السوري منطقة منبج الواقعة تحت سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) في محافظة حلب، بعد طلب مساعدة من الأكراد في مواجهة التهديدات التركية.

ولا يزال “داعش” يسيطر على شريط صغير يمتد على الضفة الشمالية للفرات قرب الحدود مع العراق، وعلى رقعة صحراوية بوسط سوريا، إلا أنه أظهر قدرة على شن هجمات مفاجئة بأسلوب العصابات.

سباق على النفوذ

لا تبدو هذه الصورة الميدانية دائمة. فإعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب سحب قواته من سوريا سيدفع روسيا وايران لاستعراض قوتهما في البلاد، بما فيها التنافس مع تركيا على السيطرة على التركة الاميركية.

ويقول الباحث غير المقيم في معهد “كارنيغي الشرق الاوسط” جوزف باحوط إن الفراغ الذي ستتركه مغادرة القوات الاميركية سيفتح المجال لسباق دموي على النفوذ، وستجد تركيا فرصة ذهبية للانقضاض على خصومها الاكراد بعد رحيل حُماتهم الاميركيين، محذراً من أن هذه الجبهة الجديدة في الحرب ستبعد القوات من الحرب على “داعش”، وهو ما يترك للتنظيم فسحة للتحرك ويزيد العنف في المنطقة.

وينطوي الانسحاب الاميركي على أخطار جيوسياسية أيضاً. ويوضح باحوط أن “روسيا ستعتبره فرصة لتعزيز دورها كحكم في النزاع السوري. ومن شأن ذلك تقوية نظام الاسد”.

وبالضربات التي وجهتها الى مخازن اسلحة ايرانية في دمشق مساء الثلثاء، وجهت اسرائيل رسالة واضحة الى أن مغادرة الاميركيين لن تردعها عن مواصلة حملتها لتقويض النفوذ الايراني في البلاد، على رغم التحفظات الروسية.

وبالنسبة الى الزميل في مركز الأمن الاميركي نيكولاس هيراس، سيتذكر العالم 2018 أنها السنة التي فرض فيها الاسد إرادته على الحرب الأهلية، بينما خسر اللعبة الطويلة للحرب. فمع الدعم الناشط لروسيا، والى حد أقل إيران، غزت حكومة الاسد أكثر المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة في غرب سوريا، واقتربت من إلحاق الهزيمة التامة بخصومها من المعارضة المسلحة. إلا أنه يضيف أن “تركيا وسعت في المقابل مناطق سيطرتها، ومع أن أردوغان لم يعد يسعى إلى اطاحة الاسد، فهو يبدو مصمماً على الاحتفاظ بالسيطرة على معقله السوري إلى أجل غير محدد”.

وتشكّل سيطرة تركيا الكاملة على منطقة واسعة من سوريا تحدياً طويل الأمد لبشار الأسد لا يمكن حلّه بسهوله. وبناء على تحركات تركيا عام 2018، يرى هيراس أن النزاع المستقبلي في سوريا يتحرك سريعاً نحو حرب بين أردوغان والاسد.

إذا، تبدو سوريا على مشارف مرحلة جديدة محفوفة بتحديات قد تكون أكبر من زمن الحرب. ويترافق الانتصار العسكري المفترض للأسد في الحرب، أو على الاقل على الفصائل المسلحة، مع مساع لإعادة تفعيل العلاقات بين سوريا وبعض الدول العربية. وسجل الاختراق البارز الاول مع زيارة الرئيس السوداني المشير عمر حسن أحمد البشير كأول زعيم عربي يصل إلى دمشق منذ اندلاع الثورة. وشكلت اعادة الإمارات فتح سفارتها في دمشق بعد سبع سنوات من قطع علاقاتها مع النظام السوري، الاشارة الأقوى الى تحول عربي وخليجي خصوصاً حيال دمشق.

وكرت السبحة مع اعلان مملكة البحرين “استمرار” العمل في سفارتها بدمشق وكذلك في السفارة السورية بالمنامة، وأن الرحلات الجوية بين البلدين “قائمة دون انقطاع”.

مع هذا التحول لم يعد مستبعداً أن يكون الاسد بين الرؤساء العرب خلال القمة العربية المقررة في تونس في آذار المقبل.

وكانت سوريا طردت من جامعة الدول العربية عام 2011 بسبب الرد العنيف على المعارضين السلميين والذي لم يمنع من خروج التظاهرات عن السيطرة وتحولها لمواجهات عسكرية في كل أنحاء سوريا.

وعموماً، لا يمكن فصل هذا “التطبيع” عن تداعيات الانسحاب الاميركي من سوريا. وعلق وزير الدولة الاماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش بأن الدور العربي في سوريا أصبح أكثر ضرورة تجاه التغوّل الإقليمي الإيراني والتركي، لافتاً الى أن “الامارات تسعى عبر حضورها في دمشق إلى تفعيل هذا الدور وأن تكون الخيارات العربية حاضرة وتساهم إيجابا في إنهاء ملف الحرب وتعزيز فرص السلام والاستقرار للشعب السوري”.

لم تكتمل ملامح هذا الدور العربي بعد، ولا قدرته على الوقوف في وجه ايران خصوصاً. وغرد الكاتب السعودي خالد الدخيل بأن “القول إن التطبيع مع بشار سيقنعه بالتخلي عن إيران نوع من الوهم. إيران الأكثر حاجة الى البقاء وتدمير سوريا في سبيل ذلك. ولأن التدمير خيار بشار الوحيد تأكد بالتجربة أن روسيا وإيران ضالته في ذلك”.

…تدخل سوريا سنة جديدة بمشهد جديد متشابك ومفتوح على تقلبات جديدة. فمناطق كبيرة من البلاد مدمرة، والغرب لا يبدي حتى الان حماسة كبيرة في الانخراط باعادة الاعمار قبل حصول انتقال سياسي. والروس يريدون انهاء تورطهم العسكري في البلاد ويبحثون عن مخرج مع الحفاظ على القاعدتين العسكريتين وحلفائهم داخل القوات الأمنية ويتطلعون الى دور في الإعمار، اضافة الى تعزيز النفوذ الكبير الذي وفروه لنفسهم في المنطقة. وفي المقابل، يبدو الايرانيون أكثر ارباكاً بسبب العقوبات الاميركية على بلادهم، ومن الصعب تصور تخليهم عن سوريا. فعل ينجح العرب حقاً باستمالة النظام بعيداً من الجمهورية الاسلامية؟ وهل تنزل السعودية بثقلها في اعادة الاعمار فتسحب البساط السوري من تحت الايرانيين المنهكين اقتصادياً ؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*