الرئيسية / home slide / «السماء ليست معنا» رواية اللبناني أحمد محسن: رثاء بيروت بوصفها دمعة على خد المتوسط

«السماء ليست معنا» رواية اللبناني أحمد محسن: رثاء بيروت بوصفها دمعة على خد المتوسط



سارة سليم
القدس العربي
27022022

بلغة ساخرة، تحمل وجعها، كوصل استلام، يتحدث الروائي اللبناني أحمد محسن في روايته «السماء ليست معنا» عن مدينة بيروت، هذه المدينة التي تماهت فيها الأوجاع وتكاتفت فيها الأحزان ليصبح كل شيء فيها عبارة عن شظايا، شظايا أمكنة، وشظايا بشر، مدينة تعيش في أعلى درجة الغنى لكنها تطل على الفقر من كل جانب، فنظام الطبقية فيها مازال يضرب بقوة، ليؤسس لوجوده.
هكذا هي بيروت التي يرى أحمد محسن أن البحر فيها «ابتعد بعد ما هدمت المدينة مطلع التسعينات. بعد الحرب الأَهلية لا خلالها. لدينا الآن المباني التي كتب عن سماجتها ما يكفي لِجعلِهَا تَنهار من تلقاء نفسها. العمارة تتحدث، لكن المباني عديمة الحياء».
في رواية «السماء ليست معنا» تتشابه الحروب وتتقارب، حتى تصبح ذات صلة ببعض، وكأنها حلقة وصل بين ألم ينتهي في جهة حتى يبدأ في أخرى، فيما يبدو أن أقدار بعض البشر تتشابه في الحروب وفي الوجع كذلك، وكأن السماء أينما ولوا لن تشهد إلا على دخان الحرائق ورائحة الدم. تقول الرواية: «يبدو أن السماء الأصلية غادرت». لربما انتدبت لنفسها مكانا قصيا لا تكون شاهدة فيه على صراعات تفنن البشر في صنعها، إذ لا شيء يثبت أن السماء ما زالت إلى جانبهم، وكأنها قادمة من رحم الحروب، لتوثق بمشاهد سريالية حال الإنسان الفار من قدره، لقدر يحمل الفظاعة ذاتها والألم نفسه. لكن الرواية تعود في مقاطع أخرى، لتتناول حكايات أخرى وكأنها منامات مقتطعة أو مشاهد ضبابية تعيد إحياء الذاكرة وما يمكنه أن تمنحه تلك الذاكرة للغرباء: «ما يفعله الغرباء في الصقيع هو أنهم يتذكرون. الذاكرة مثل الحطب. يتوجب إشعالها أحياناً حتى وإن كانت حطبا سيئا.»
تحيلني حكاية بيروت وحربها الأهلية التي انتقلت وناصر إلى سوريا وثورتها، وكل الظروف التي اعترضته: الظلم، الطائفية وفظاعاتها، إلى قول لعبد الدائم السلامي، يرى فيه أن: «الإنسان يعيش في جسده مؤقتًا بينما يظلّ يعيش في حكايته أبداً». إن حكاية ناصر التي لم ينتصر فيها على الظلم، ظلت مفتوحة على التأويلات، فمادامت الحروب وكل ما يقود الإنسان إلى العنف لم ينته، ستظل البشرية تواجه المصير نفسه، وبأكثر الخسائر. كما تتناول الرواية أيضا فكرة غياب العدالة التي تسيطر على الوضع ففي حوار لأحمد محسن مع الكاتبة والمثقفة اللبنانية هدى مرمر يقول: «لا أؤمن بالعدالة، بل أعتقد أن السُلطة تعطّل فكرة العدالة من أساسها، خاصةً وأنّ السُلطة ليست كيانا يمكن أن يُشار إليه بالإصبع. إنّها مثل العنف، تتناسل وتحدث بوتيرةٍ سريعة مثل الغبار.»
وبالضرورة فكرة عدم وجود عدالة تؤدي إلى الخوف الذي يعطل بوصلة الحواس ويجعل المرء في حالة تأهب قصوى انتظارا لما سيأتي، يقول بالرواية: «يجلس مارون على كرسيه وأمامه البحر، كزعيم في مافيا محلية، ويقرأ مثل صياد يهتم برزقه، يقرأ مارون في مجلته عن التغير المناخي، يشعر بالأسف. فر من بيروت عندما خاف منها، لكن إلى أين يهرب المرء عندما يخاف من العالم.»
حتى رؤيته للقوة أو النظر الآن إلى القوي تختلف تماماً عن أصل التسمية، فالقوي من وجهة نظر الرواية ما عاد نفسه أو اتخذت القوة مناحي أخرى بائسة، يقول الراوي: «الأقوياء ليسوا هم الأقوياء، إنّما الذين يمكنهم التصرّف كأقوياء. أولئك الذين ما إن يحملوا هواتفهم حتى يحضر جمع غفير من المهمّشين لنصرتهم في أيّ إشكال مهما كان صغيرا أو كبيرا. خزّان ماء، مكان ركن السيارة، فتاة مرّت في الشارع والشارع محفل الذكوريّة، أيّ شيء قد يستدعي استعراضا لإعلان القوّة. الأقوياء هم الذين ينتسبون إلى العشائر، وإلى الأحزاب، وإلى العسكر وإلى النافذين في الدولة. تتفاوت موازين القوى، لكنّ ثمّة منظومة من العلاقات، لا أحد يمكنه تحديدها، والجميع يشعر بوجودها».
في رواية «السماء ليست معنا» للهامش صوت أقوى من أي صوت آخر، إنه صوت الحقيقة التي تنطلق من هناك، لتصدح في باقي الأرجاء، حيث تعيش طبقات أخرى من المجتمع لا تدرك ما معنى أن تعيش في هامش الهامش. فالحقيقة « دائما خشنة» كما جاء في الرواية.
وتقول أيضا: «الحياة تقاس بالأحداث. وهذا يختلف من شخص لآخر». قد تبدو الجملة بسيطة، لكنها تدعو للتأمل طويلا، وخاصة مع ما يشهده العالم الآن من حروب، فوحدها الأحداث القاسية والمآسي ما يجعلنا نكبر بالعمر، وندخل الحياة من بابها الواسع، لكن بالوقت نفسه تدعونا للتساؤل لماذا السماء ليست مع أبطال هذا العمل؟ وما مدى قرب هذا العمل من الواقع المعيش خارج العالم خارج أسوار الرواية وسمائها؟
بألم كتب أحمد محسن عن الضاحية الجنوبية و: «تلك القرى المتروكة لا يملك الناس غالبا إلا الوهم. لذلك، يدافعون عنه بشراسة»، إذ تصادفك في الرواية فقرة يتناول فيها الأوضاع التي تؤدي ببعض لأن يفكروا في الانتحار لأنهم لم يتمكنوا من دفع أقساط أبنائهم في المدارس، ذكرتني تلك الواقعة بحدث مماثل بلبنان تم التطرق إليه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، إذ انتحر أب لأنه لم يستطع دفع أقساط ابنته.
كما أنه تحدث عن الأوضاع التي تؤدي ببعض إلى امتهان ما يتنافى والأخلاق فقط لتوفير لقمة العيش، وكيف يمكن أن تصبح مقاتلا لأجل ألا تموت جوعا. وهو برأيه انتحار أيضاً. وتحدث عن هيمنة الأحزاب الطائفية وتأثيرها في الأجواء على حد تعبير الراوي.
في الرواية عبارة قاسية وعميقة في الوقت ذاته، يقول فيها: «وظيفة المعسكر، لديه وظيفة أساسية: كي الوجوه. تحويلها إلى وجه واحد. تتقلص فيه نسبة الاختلافات في الأعمار كأن المقاتلين يجب أن يمضوا عمرا واحدا».
تتماهى الفلسفة في «السماء ليست معنا» والخيال الروائي، لتشكل ثنائيّة تمكن أحمد محسن من أن يوظفها ببراعة، إذ يقول الراوي: «درس الفلسفة ليفهم العالم ولم يدرس علم النفس لأنه أراد أن يحب أمه، لا أن يفهمها. درس الفلسفة لأنه أراد أن يعرف والده، قبل أن يحبه.»
والرواية مكتوبة بحس الصحفي الذي يلتقط تفاصيل التفاصيل كي يصنع منها حكاية لا يمكن أن تغادرك: «عند الخامسة عصرا ذات يوم خريفي، كان كبار السن يدخلون الجامع من الباب الرئيسي، دافعين أعمارهم أمامهم.  وبإبداع الكاتب الذي يعرف كيف يكثف الفكرة في صناعة الرواية، يكتب: «غادرت الجارة في السادسة وبقي القلق على الطاولة».
إنها رواية مكتوبة أيضا بحس الإنسان الذي أراد القول إن «السماء ليست ولن تكون معنا»، ما دمنا كبشر نحاول أن نقضي على بني جنسنا لأجل أوهام اختلقناها من عدم.
وهكذا فإن «السماء ليست معنا» هي مرثية بيروت التي عبر عنها أحمد محسن بجملة بليغة حد الوجع: «بيروت دمعة على خد المتوسط».
أحمد محسن:
«السماء ليست معنا»
هاشيت أنطوان، بيروت 2020
176 صفحة.

كلمات مفتاحية

سارة سليم