الرئيسية / مقالات / السلطة في مكانها والثورة في زمانها

السلطة في مكانها والثورة في زمانها

“إنها حرية الروح التي متى انطلقت لا شيء يقوى عليها. أعمق الحريات وأشدها والخميرة التي تصنع التاريخ”.

انطوان الدويهي

استقلّت الكويت العام 1961، دولة أولى في الخليج. ذهب سفير عربي يقدم اوراق اعتماده الى اميرها الشيخ عبدالله السالم. وفي محادثة وديّة، قال السفير للأمير: “ليس قليلاً انك اخترت ان تكون الدولة الجديدة برلمانية دستورية”. فقال الشيخ الجليل: “ليس أنا من اختار، يا صديقي. الكويتيون هم الذين اختاروا. وهذا بلدهم ودولتهم”.

الاسبوع الماضي قامت أزمة سياسية بسبب خلاف بين وزير الدفاع الشيخ ناصر صباح الأحمد، ووزير الدفاع السابق والداخلية حالياً الشيخ محمد الجراح، حول ضياع نحو 800 مليون دولار في عهد الجراح. وقام في البلد جدل شديد ملأ الصحف ووسائل التواصل. وعمَّت الجلبة. ورأى الأمير أن دوره كأب للجميع أعظم بكثير من دوره كأب لوزير الدفاع، فكان ان اعفاه من منصبه، وأعفى الوزير الجراح، وكلف وزير الخارجية تشكيل حكومة جديدة.

إقالة الابن سابقة غير مألوفة في بلاد العرب، كان السفير الذي أشرت إليه قد قال لعبدالله السالم: “لماذا اطلقتم على بلدكم اسم “دولة الكويت”، إن هذا يوحي كأنكم لا تصدقون انكم أصبحتم دولة مثل سواكم”. قال الشيخ الجليل: “هناك جمهوريات وممالك. نحن أردنا أن يتذكر الكويتي أنه صار له دولة هي اهم ما يملك. هي تخدمه وهو يحرسها”.

تزامنت الأزمة الحكومية في الكويت مع أزمتنا الوجودية. تصرفت الكويت كدولة وسارعت الى حماية الدستور وتفادي الغرق في الجدل والمماحكات وفجور التعداد بحيث لا يساوي أهل البلد أكثر من “شلعوطين ونصف”.

تنظم الدولة حياة مواطنيها على نحو شبه كامل وشبه مقدس: الطبيب يضع “البرنص” لكي تعرف الناس ان هذا الطبيب. والشرطي له بذلته لأن مهمته تختلف عن مهمة الجندي. والمحامي يرتدي الرداء، والكاهن الثوب. وإلاَّ، تخيّل مجتمعاً يرافع فيه المحامي وهو بثوب شبيه بثوب المتهم. ومن أجل حماية الشعوب والأمم، وضعت القوانين والبروتوكولات، ووضع شيء آخر له هالة أرفع، سمي الدستور. والدستور هو ما قال عبدالله السالم، اراده الكويتيون. إنه المرجعية التي يعود إليها الجميع، بمن فيهم الأمير، الذي يسمى في الكويت “شيخ العود”، الرجل الذي يعاد إليه.

يحيط الأمير نفسه بمجموعة من المستشارين، أو الحكماء من الوزراء السابقين الذين أمضوا زمناً في الخدمة العامة. بعضهم يلخص له الكتب التي يرون أنه يستحسن ان يطلع عليها. أو يضعون أمامه مطالعة في قضية ما. ويكون هؤلاء جميعاً من المتفق علي سمعتهم ومستواهم الفكري، وخصوصاً على شجاعتهم الأدبية في التعبير عن رؤيتهم.

هل هناك من هو أعلى من الدستور؟ مفسِّره، يوصي الدستور الفرنسي. أو الذي يقسم على حفظه، بمعنى حمايته والحفاظ عليه وعدم تعريضه للتعدي. أن الدستور المكتوب هو روح الناس الذين ارتضوه. تلك كانت قاعدة فؤاد شهاب المقدسة: الكتاب والأهالي.

أي أن الدستور ليس سلاحاً تستقوي به على الناس، بل تسترضيهم به. ذهب المحامي شارل حلو الى أبعد من ذلك في رفعة التفسير. كان يتحاشى ان يشعر رئيس وزرائه بأن رئيس الجمهورية يفرض عليه شيئاً، فيطلب سراً من أحد الوزراء أن يتقدم هو بالاقتراح. وكان رشيد كرامي يوافق، متظاهراً بأنه لم يعرف من هو صاحب الاقتراح الحقيقي. هكذا تفعل الأم والأب في حكمة الاسرة التاريخية، كي لا يصطدم الأب بالابن ويدب الزعل في البيت، ويسود النكد، ويعشب الحقد الدفين، وينقطع الحوار حتى في عيد العائلة، ويتخذ ارباب الحكم وجه السلطان “ياووز” – أي العبوس.

في ذكرى الاستقلال – أو عيده، إذا شئت – غابت بسمة العيد. الأهالي في مكان والسلطة في غير زمان. الناس تهزج والسلطة تكفهر وتتجهّم. ربما عن حق. فليس هناك ما يفرح ولا ما يسرّ ولا ما يطمئن ولا ما يعد بطمأنينة.

مضت أكثر من خمسة قرون على السنيور نيكولو ماكيافيلي. سقطت مدرسته في شوارع بغداد وتشيلي وايران وافراح لبنان. واسقطها صباح الأحمد بالضربة القاضية ناقضاً تعاليم “الأمير” في المراوغة والغموض وخبث النيات. مدرسةٌ، الفارق بينها وبين جماهير ساحة البرج وساحة التل خمسة قرون، خرجنا خلالها من اعدام مواطنه غاليليو لأنه قال أن الأرض غير مسطحة إلى زمن مضى فيه نصف قر ن على رحلة القمر. أصبحت مملة وبالية وبليدة، وأحياناً مؤذية ومدمرة، فلسفة السنيور نيكولو. الآن تدرّس المعاهد السياسية افكار تلامذته، والذين تجاوزوه، والذين اهملوا من تعاليمه تلك البدائيات السخيفة التي اعتمدها “وعاظ السلاطين” والطامعون بوراثتهم، واحتفظوا وطوروا أفكاره الكبرى التي تجاهلها الخبثاء والضعفاء.

ألا ترون “الدرونز” تصوّر على مدار الساعة، الشلاعيط والشلاعيطات الذين يملأون بهم صيدا وطرابلس وزحلة وبيروت على نحو لم يعرف في تاريخ لبنان؟ ولم نعدهم بعد بموعد قريب مع كتابهم ودستورهم، وفلسفة ذلك أن تكون أزمة المماطلة قبل التكليف، لا بعده. لن نسمح لسعدالحريري بهذا الترف.

لا يحق لأحد العبث بأعمار الشعوب والأمم. الوقت وقتها وهو أعز ما تملك. والدستور يفسر بما يوفر عليها من ضياع، لا بما يخالف روحه وأسباب وضعه. أهل السلطة يعضون على الاصابع في لعبة تشبه المنازلة القديمة بالسيف والترس، فيما الشعب في مكان آخر يبحث عن نظام جديد وتاريخ جديد وسياسيين ينتمون الى طوائف أخرى غير الفساد ونهب الفقراء واذلال الاكثرية الساحقة من الاهالي.

غابت الطبقة السياسية برمّتها عن احتفال اليرزة، وغابت خجلاً عن احتفالات “سهلنا والجبل”، والشطآن والتلال والأودية. فهي ليست مدعوة الى الأول لضيق الوقت والمكان والصدور، ولا لها مكان في الاحتفالات الأخرى على رغم اتساع الساحات والقلوب ودفء الغمر الوطني المذهل. هناك ساعة حقيقة والسياسة عداء لها وغربة عنها. وهناك روعة الاستقلال، والسياسة قائمة على عبودية دائمة. وهناك ولادة دولة طبيعية ليست في حاجة الى من يخطفها مرة أخرى.

اضف رد