الرئيسية / home slide / السلطان عبدالحميد الثاني: بين الكتابة الصحافية وغياب منهجية البحث العلمي

السلطان عبدالحميد الثاني: بين الكتابة الصحافية وغياب منهجية البحث العلمي

منذ 11 ساعة



عمرو الملاح
القدس العربي
22022022

لعل السمة الأبرز في مجتمعاتنا المعاصرة، أن المؤرخ، ولاسيما الأكاديمي، لم يعد هو الذي يستأثر بمهمة تحديد
مضمون التأريخ ورسم حدوده. وبينما نجد أن المؤرخ مقيـد بضوابط التوثيق وقواعده، التي تملي عليه إسناد كل ما يعرض له في بحثه من معطيات إلى مصادرها، والالتزام بالمنهجية والطرق العلمية في مقاربة موضوعاته، نرى أن المثقف الذي يمارس الكتابة، مثلاً، متحرر إلى حد بعيد من عبء الالتزام بقواعد المنهج العلمي في تناول التاريخ، وبإمكانه استخدام لغة مبسطة غير اصطلاحية بهدف تثقيف أوسع شريحة ممكنة من عامة القراء.
ويعد كتاب «الذات المقدسة السلطان عبدالحميد الثاني: محاولة معاصرة لتوضيح الرؤية» لمؤلفه المحامي علاء السيد الصادر عن مركز التاريخ العربي للنشر في القاهرة (2022) أحد الإصدارات الجديدة التي تتناول السلطان عبدالحميد، وهو الشخصية الجدلية التي لطالما كانت مقاربتها في الأدبيات العربية أسيرة نظرتين متضادتين، ترى إحداهما أنه السلطان العثماني الأسوأ فتصفه بـ»السلطان الأحمر» وتناصر الأخرى من تعتبره «السلطان المظلوم».
ومما يلفت النظر أن المؤلف ليس متخصصاً في التاريخ، وإنما هو مثقف سوري معروف، ولديه اهتمامات واسعة تتجاوز نطاق مهنة المحاماة التي يزاولها في مدينة حلب لتشمل التدوين، وكتابة المقالة، والأرشفة، وفنون الطبخ، والترميم الأثري في جملة مجالات أخرى.
السردية الوطنية ما بعد العثمانوية وإرث السلطان المعمار
حاول عبدالحميد الثاني (1876-1909) إقامة نظام حكم مركزي ذي صبغة أوتوقراطية، على صعيد التنظيمات «السياسية الدستورية» وهي المسألة التي شكلت مصدر صدام بينه وبين معارضيه. وعلى النقيض من الصورة التنميطيّة المرسومة عنه بوصفه مناهضاً لنهج التنظيمات، يرى المؤرخ البريطاني مالكولم ياب أن تجميع الخطوط السياسية الرئيسية يثبت أن حقبته كانت امتداداً لمرحلة التنظيمات. ويتجلى الجانب الأبرز للتنظيمات الحميدية في التحديث العمراني، الذي قامت فلسفته على الربط بين الإعمار والأمن، وتحسين شبكة المواصلات والاتصالات، وتأمين مصادر جديدة للدخل القومي، وما واكب ذلك من ارتفاع كبير في معدلات النمو السكاني، وتوسع في المؤسسات الصحية والتعليمية، وتنام للطبقة الوسطى المدينية، على نحو يمكننا معه استعارة وصف المؤرخ السوري جمال باروت لعبدالحميد بـ»السلطان المعمار». غير أن هذا الجانب الحداثي هو الذي جرى التعتيم عليه بصورة منهجية لصالح تظهير الجانب الاستبدادي في نهجه في الحكم في السردية المرتبطة بعملية بناء الهوية الوطنية ما بعد العثمانوية، التي لا يمكن أن تعد بمثابة «تاريخ» بالمعنى الدقيق للكلمة، ودأبت على انتهاجها بعض الدول العربية الحديثة المنفصلة عن السلطنة، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، في مسعى للقطع مع الإرث العثماني برمته.
والواقع إن هذا الكتاب – الذي أخفق مؤلفه في ترجمة ادعائه بأنه لا يهدف إلى الإساءة أو المديح، وهاتان مفردتان تنطويان على حمولة دلالية تماثل في صورتها الأحكام الأخلاقية، فعمد إلى ترجيح كفة إظهار صورة قاتمة عن هذا السلطان كما يتضح من ثنايا فصول كتابه السبعة، التي جاءت على هيئة مقالات مجمعة، مما لا يتفق مع وظيفة المؤرخ التي تفترض فصل «ذاتوية» الباحث عن موضوعه، فلا تجيز له استثمار الحكم الأخلاقي على قضايا التاريخ ـ إنما يندرج ضمن سياق هذه السردية الوطنية، بل يقع أيضاً في صلب الجدال الدائر طوال عقود من الزمان بين فريقين متقابلين، أحدهما منافح عن هذا السلطان وآخر ناقم عليه.

السلطان بين الخلافة والعثمنة

لئن عوّل عبدالحميد في إطار تقديراته لمشارفة إمبراطوريته على الأفول، خاصة بعد انحسار رقعتها في البلقان، على استثمار مصادر الشرعية كافة، ومن بينها الدينية بوصفه يمثل «الخليفة الإسلامي» في صيغة تجمع بين السلطتين الزمنية والروحية عبر طرح ثنائية «السلطان- الخليفة» إلا أن «الخلافة» لم تكن في عهده «مؤسسة» قائمة في حد ذاتها بقدر ما كانت مصطلحاً استخدمه بالمعنى الأيديولوجي الدعائي، كما يشير المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني. فظل الإطار العام لسياسته، التي ترمي إلى محاولة تعزيز دولته من الداخل، بنيوياً بربط الأطراف مع المركز في مسعى لمواجهة دول الغرب واللعب على تناقضاتها، ينوس بين «الخلافة» و»العثمنة» وتمثل الأخيرة رابطة تربط شعوباً تختلف أصلاً وفصلاً، لكنها تتفق رعوية، وتعد بمثابة الأساس الذي ما فتئت تعتمد عليه دولته في تشريعات المواطنة والتابعية والجنسية، بالتزامن مع محاولته احتواء الحركات القومية الانفصالية متوسلاً بالترغيب والترهيب في آن معاً.
وبالعودة إلى الكتاب فإن عدم الإتيان بما ذكره مؤرخون متخصصون ممن يهتمون بتاريخ الأفكار بشأن هذه المفاهيم الشائكة والمسائل المعقدة، ووضعها على مائدة البحث والمناقشة يعد بمثابة نقص كبير يعتوره.

يذكر الكتاب، بلغة تقريرية جازمة، أن عام 1900 شهد قيام والي حلب رائف باشا بتدشين ساعة باب الفرج. ولربما لم يخطر في بال المؤلف أن مراحل تشييد برج الساعة، الذي كان يُمثل في نظر عبدالحميد رمزاً للحداثة، قد جرى توثيقها بقدر كبير من الاستفاضة في الصحف العربية بأقلام مراسليها في حلب.

البغاء بين السردية الشعبوية والتأريخ الحديث

يقدم المؤلف سردية يغلب عليها الطابع الشعبوي، تربط «الخلافة» بتنظيم «البغاء» في الحقبة الحميدية، مبدياً حيرته في الأسباب التي سمحت بموجبها السلطنة بالترخيص الرسمي لدور البغاء في جميع أرجائها، وهي التي تستند، وفق رأيه، في كل قوانينها إلى الشرع الإسلامي، وموافقة شيخ الإسلام وهو على المذهب الحنفي، ما يعكس افتقاره لفهم مدى عمق التحولات التي شهدتها الدولة العثمانية في مرحلة التنظيمات، ومن أهمها «علمنة» القوانين والمؤسسات على نحو مطرد، وانحسار دور المشيخة الإسلامية. ولئن أغفل الكتاب حقيقة مؤداها أن «البغاء» هو ظاهرة اجتماعية شائكة ومثيرة للجدل، وقديمة قدم البشرية، وكانت طوال التاريخ الإسلامي مهنة موجودة، على الرغم من تحريمها دينياً، فإنه استند في بناء سرديته، إلى إشارات لا توثيق لها، وحوارات تفتقر للتوثيق العلمي. وقد يعجب القارئ إذا علم أن المؤلف، وإن أقر بأنه لم يجد، وفق زعمه، مرجعاً يبحث في هذا الموضوع بشكل مفصل وموثق، راح يحاجج بأن عام 1884 شهد صدور ما اعتبره «قراراً سلطانياً» يُسمى (تعليمات نامه)، الذي لم يستطع الحصول على نصه، بترخيص مهنة القوادة، وتنظيم دور البغاء وحصرها في مكان محدد خاضع للرقابة في أرجاء السلطنة كافة، وبأنه وقع الاختيار على منطقة بك أوغلي في إسطنبول لتطبيقه أولاً. والواقع إن الكتاب لم يستطع تقديم سردية علمية تبين أن الموجة «الحداثية» في الدولة كانت قد بلغت ذروتها في هذا الطور من مرحلة التنظيمات، كما يشير المؤرخ التركي إلبير أورطايلي، وأنها كانت تسعى على نحو متعاظم إلى الولوج إلى المجال العام، ومن ذلك «تقنين البغاء» وفرض قيود على ممارسته ورقابة صحية على ممارسيه بهدف منع انتشار الأمراض المنقولة جنسياً.
وفي محاولة لتصويب سردية الكتاب سأحاول أن أكثف المخرجات البحثية الناتجة عن حفريات الأكاديمية التركية موغيه أوزبك في الأرشيف العثماني، التي تذكر أن الحقبة العثمانية المتأخرة شهدت توسعاً في إنشاء المؤسسات الصحية العصرية الحديثة، وأن الدولة في سياق سعيها لمكافحة الأمراض التناسلية، بادرت إلى إصدار لائحتي تعليمات رسميتين، عُرفتا كلاهما باسم (تعليمات نامه) وتتعلقان بإخضاع دور البغاء للرقابة الصحية، إحداهما عام 1884 والأخرى عام 1915، مبينة أن أولاهما الصادرة عن مجلس شورى الدولة عام 1884، وعُرفت رسمياً بـ»لائحة تعليمات الخدمات الصحية في بعض الأماكن الخاصة، ضمن حرم دائرة البلدية السادسة» كانت محصورة داخل الحدود الإدارية للدائرة البلدية السادسة التابعة للعاصمة إسطنبول، بك أوغلي، التي كانت آنذاك مركزاً يطغى عليه الطابع العالمي – الكوزموبوليتي، بينما اتسع نطاق ثانيهما الصادرة عام 1915 ليشمل كل أرجاء السلطنة بهدف السيطرة على انتشار الأمراض المنقولة جنسياً، إبان الحرب العالمية الأولى، وهي التي عُرفت بـ»لائحة تعليمات النظام المنشور بشأن منع انتشار عدوى الأمراض الزهرية».

افتتاح دور البغاء في حلب بين روايتي الطباخ والغزي

تناول مؤرخا حلب الطباخ والغزي في كتابيهما المهمين موضوع افتتاح دور البغاء في محلة بحسيتا في حلب في الحقبة العثمانية المتأخرة، لكن في أسلوب يغلب عليه الوعظ. وتتسم رواية الطباخ بالاقتضاب الشديد، وكان السياق الذي وردت فيه يتناول منجزات الوالي رائف باشا (1896-1900) ومآخذه عليه المتمثلة في «فتح بيوت مخصوصة للفحش» دون أن يحدد السنة التي جرى فيها ذلك، ولا أن يذكر إن كان ذلك بصورة شبه رسمية، بمعنى إغضاء الطرف بإيعاز منه، أم رسمية بموجب ترخيص رسمي بالفعل.

أما رواية الغزي، التي يتجاهلها الكتاب بالمطلق، فكانت أكثر إسهاباً وأوردها في سياق مناقض، استعرض فيه طائفة من الأمور التي جعلت الناس ينفرون من الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى، متناولاً ما سماه «إفساح الحكومة مجال البغاء» الذي تجلى في «تكثير فتح أبواب العهر وشدة العناية بتيسير وسائط الوصول إليه في أكثر البلاد العثمانية، حتى كان لحلب من هذه الوسائط النصيب الأوفر، فقد فتح فيها على صفة رسمية ما ينوف على مئتي بيت يجمعها اسم «المنزول» أي الماخور». وإن من شأن وضع رواية الغزي في إطار السياق التاريخي الأشمل، أن يتقاطع مع مخرجات أوزبك البحثية، التي تبين أن «تقنين البغاء» في أرجاء السلطنة كافة، قد جرى إبان الحرب العالمية الأولى.
إن اكتفاء المؤلف بالتركيز على رواية الطباخ المقتضبة، وبنائه استنتاجات عليها تتسم بطابع محض «تخميني» دون تقديم أدلة متينة يُعتد بها علمياً وأكاديمياً، وإعراضه عن الإتيان برواية الغزي المناقضة لها يؤكد عدم التزامه «الحياد» الذي يملي على المؤرخ إيراد الروايات المختلفة للواقعة التاريخية الواحدة ومناقشتها؛ فلا يقنع برواية حتى تكتمل لديه كل الروايات ولا يفصل فيها إلا بعد إخضاعها للمقاطعة والتدقيق والتمحيص.

والي حلب الذي حُرم من رعاية اليوبيل الفضي لجلوس السلطان

يذكر الكتاب، بلغة تقريرية جازمة، أن عام 1900 شهد قيام والي حلب رائف باشا بتدشين ساعة باب الفرج. ولربما لم يخطر في بال المؤلف أن مراحل تشييد برج الساعة، الذي كان يُمثل في نظر عبدالحميد رمزاً للحداثة، قد جرى توثيقها بقدر كبير من الاستفاضة في الصحف العربية بأقلام مراسليها في حلب.
ونوجز في ما يلي المراحل تلك بالرجوع إلى أعداد صحيفتي «لسان الحال» و»البشير» البيروتيتين: ففي 19 أيلول/سبتمبر 1898 جرى وضع حجر الأساس لإقامة البرج؛ وفي 22 سبتمبر 1899 كان الانتهاء من أعمال تشييده، وهذان التاريخان كلاهما يتوافقان مع ولاية رائف باشا، إلا أنه جرى تأجيل التدشين ليتزامن مع الاحتفال باليوبيل الفضي للجلوس السلطاني، لكن السلطان سارع إلى إقالة رائف باشا وتعيين أنيس باشا خلفاً له في تموز/يوليو 1900، حارماً إياه بذلك من رعاية اليوبيل الفضي لجلوسه، الذي جرى في 1 سبتمبر 1900 وشهد تدشين برج الساعة.

كتاب بلا وثائق رسمية

ما يستوقف القارئ حينما يتصفح قائمة المصادر والمراجع، خلوها من الوثائق الرسمية والمحفوظات التاريخية – الأرشيفات، وتكمن المفارقة في أن المؤلف يُوصف بأنه متخصص بالوثائق التاريخية، ولديه موقع على الشبكة يوفر المحتوى الوثائقي الرقمي للباحثين، لقاء مقابل مادي، فضلاً عن أن ترتيب الكتب في القائمة هو حسب العنوان، دون مراعاة التسلسل الأبجدي، بالإضافة إلى إدماج الكتب الأجنبية المحدودة أصلاً والعربية معاً، وهذه كلها أمور قد تكون مباحة في كتابة المقالة أو المدونة، لكنها غير جائزة وفق القواعد المرعية في كتابة البحث العلمي.

كاتب وباحث ومترجم سوري