السلطان العابث

سمير عطاالله

     12 تموز 2017 | 00:00

تغيرت تركيا بين اوائل القرن الماضي وأوآخره تغيراً هيكلياً، لم يُعرف في مثل سرعته واعماقه في تهاوي الامبراطوريات الأخرى. من سلطنة عاشت نحو خمسة قرون، إلى جمهورية قلَّمها مصطفى كمال، ومن امبراطورية اسلامية إلى دولة علمانية تكتب بالحرف اللاتيني، ومن امجاد اسطنبول على البوسفور الرابط قارتين، إلى عاصمة صغيرة في الاناضول تدعى انقرة.

مع مصطفى كمال، الغازي، أصبح كل شيء كمالياً. خُلِعَت الطرابيش ودرجت القبعات، “البو” الانكليزية، وصار الحكم للعسكر. وبعد وفاة أتاتورك درجت الانقلابات، وأنصاف الانقلابات. مرة تحكم القوات المسلحة مباشرة، ومرة من خلف مدني له هيبة الزعامة. وكان اول شيء فعله النظام الاتاتوركي أنه أدار ظهره للعرب الذين قاموا على السلطنة من خلال الثورة التي رعاها البريطانيون. الانكليز في ذلك الوقت.

استمر ذلك زمناً طويلاً إلى أن اصبح من المستحيل تجاهل الفيضان النفطي في أرض الولايات السابقة. وهكذا، بدأت تركيا طريق العودة، ولكن ببطء، وفي شيء من الارتباك الذي يشعر به السيد القديم أمام السيد الجديد.

في هذه الأثناء حاول الاسلاميون مرات عدة، اقتحام الجمهورية الكمالية. وعندما حقق المهندس نجم الدين اربكان انتصاراً عابراً، كتبتُ أن اربكان “سوف يربك الديار الاتاتوركية”. فقال لي مثقف عربي كبير: “ألم تبكّر كثيراً؟” قلت له: “لقد تأخرت طويلاً في الاعراب عما استشعره. في المرة المقبلة، لن يكون النصر عابراً”.

لم يكن من الصعب رؤية ما هو آتٍ، لكن كان من الصعب الإقرار به. عندما وصل “اخوان” تركيا، يتزعمهم هذه المرة “مؤذن اسطنبول” رجب طيب اردوغان، بدأ فوراً بتفكيك إرث أتاتورك، متحدياً السلطة التاريخية للجيش. تململ العسكريون من الخصم الجديد، لكن الاسلاميين استداروا من حولهم بمهارة وشجاعة. وكانت المفاجأة الكبرى في نجاح التجربة: السلطان الجديد كان حديثاً. حديث في الاقتصاد، منفتح على السياحة وما يليها، متطلع الى وحدة كاملة مع أوروبا و “الغرب” المسيحي، الذي فقد القسطنطينية، وكاد يفقد فيينا أمام “الفاتحين” من أسلافه.

دخلت تركيا مجموعة الدول السائرة نحو التقدم. شفيت ليرتها من عللها المزمنة. بدأت شركة الطيران التركية تقليد “الامارات”، ودبي التي مر بها العام الماضي أكبر عدد من المسافرين في العالم. 185 رحلة اسبوعية مباشرة الى الولايات المتحدة تنطلق من امارة سكانها خُمس سكان لبنان. ومن أجل تقديم طلب الانتساب الى أوروبا، اتخذ اردوغان خطوات عدة “غريبة”: الغى احكام الاعدام، حسَّن أوضاع السجون، الغى المعاملة السلطانية للصحافة، وما اشبه، من شروط.

وفي الوقت نفسه، رفع مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية مع العالم العربي. وكان ذلك إلى درجة مذهلة أيضاً. لم يكتف الرئيس بشار الأسد بخرق المحظور في قضية الاسكندرون، بل اعلن، على نحولا يصدق، أنه يوكل الى تركيا التفاوض مع اسرائيل باسم سوريا!

إلى فترة بدا وكأن تركيا هي واسطة العقد في المنطقة. ولكن فجأة، استفاقت في “مؤذن اسطنبول” أحلام السلطنة، وبدأ يمد أذرعه في الداخل والخارج. القى خارجاً بشريكه عبدالله غول، خسر العلاقة الهادئة مع العرب ورمز الائتلاف الداخلي. ثم القى خارجاً وزير خارجيته ومُنظِّره داود أوغلو، ثم استدار نحو معارضيه وملأ بهم السجون، ففقد الكثير من شروط الانتساب الى أوروبا.

بدأ اردوغان يرسل الدبابات الى التنزه في العراق. ثم اكتشف أن ثمة مقاماً في سوريا لشاه تركي قديم، فأخذ يتنزه في الأراضي السورية. وعندما اشتدت المعارضة على النظام السوري، تقدم، هو وصديقه حمد بن جاسم، رئيس وزراء قطر، بعرض مغرٍ إلى باراك اوباما: اترك المسألة لنا… وقت قليل وينتهي الأمر. وبناء على هذا الوعد، راح أوباما يتحدث عن رحيل الأسد، وراحت وزيرة خارجيته تدعوالمعارضين السورييين إلى استخدام السلاح ضد النظام. وإذ احتشد المتظاهرون في “ميدان التحرير” في القاهرة، نزلت المسز كلينتون شخصياً، بالتايور الأحمر، تحرِّض على حسني مبارك: ارحل! “الاخوان” قادمون.

وفي القاهرة، التي بدأت هي أيضاً تخطو نحو حكم “الاخوان”، تصرف حمد بن جاسم في الجامعة العربية وكأنه ملك ملوك العرب، يطرد سوريا، ويعلق عضويتها، ويصرف بيده من يشاء. ليس من فراغ، اعلن الزميل العزيز راجح خوري تسمية الشيخ حمد ماريشالاً، مع أنها مرتبة عسكرية الغيت في العالم، إلا في بلاد العرب، لأن الماريشالية رتبة ميدانية: جوكوف، رومل، مونتغومري. وبسبب افتقاره الى الخدمة المدنية، ظل شارل ديغول جنرالاً.

بدأ خراب المرحلة الاردوغانية عندما خُيِّل إليه أن العودة الى السلطنة مسافة الطريق. وراح يبني قصراً للحكم لم يبن مثله بين المعاصرين سوى نيقولاي تشاوشيسكو. وعندما سقط “الاخوان” في مصر، قرر اردوغان وحمد بن جاسم معاقبة مصر وتأديبها. وعندما دعت الدوحة القوات التركية قبل أيام، فهذه المرة من أجل تأديب الخليج. لا يمكن رفض مشيئة السلطان، ولا اوامر الماريشال.

في طريقه الى العبث بالعالم العربي وآباره القديمة، نسي اردوغان امتدادها التركي: الاكراد والعلويون والتركمان والشركس والمسيحيون وألف إثنية أخرى. الاكراد الذين كان يدخل الى العراق وسوريا لتأديبهم، ويعيق دولتهم، اصبحوا الآن على مشارف تلك الدولة، شكراً اولاً لاحلام السلطنة. العلاقة مع أوروبا في اسوأ اوضاعها. العلاقة مع أميركا والاطلسي غائمة. العلاقة المستجدة مع روسيا غير مستقرة. الوضع الداخلي مضطرب. الوضع الاقتصادي متدهور. و”الاخوان” الذين قادهم في البداية إلى تجربة رائدة في الحكم، اصبحوا الآن هدف الحرب على الإرهاب. أو عنوانه، بدءاً من إرث حمد بن جاسم وأحلامه الامبراطورية في قطر، وصولاً إلى الازمنة الطاحنة التي لم يعرف الخليج مثلها، منذ أن استقلت الدوحة عن التاج البريطاني العام 1971.

ليست إهانة أن تكون حديث الاستقلال. نحن لم ينفعنا في شيء أننا نلنا الاستقلال قبل الكونغو بعقدين. ثم أن الطاقة المالية لقطر جعلتها أهم مستثمر خارجي في بريطانيا. المشكلة أن قطر ليس لديها من المواطنين من يمكنها من ادارة الامبراطورية السياسية من ليبيا إلى غزة، إلى “الجزيرة”، إلى افغانستان وباكستان. والدليل أنها في الأزمة الاولى، استدعت الجيش العثماني، الغائب عن التراب العربي منذ قرن كامل على وجه الضبط. ولم يتردد اردوغان لحظة في تلبية الطلب. ولم يتردد ثانية في اسقاط الطائرة الروسية، لكنه لا يزال يعتذر عن السلوك الامبراطوري حتى الآن.

على طول الخريطة، ثمة عبث اردوغاني أعاد تركيا الى التردي الاقتصادي والتورط السياسي والاخفاق العسكري. في السياسة، كما في المال، تلعب العراقة والخبرة دوراً اساسياً. وإذا تأمل الرجل الوضع ملياً، تبيّن له ان الآثار الأكثر خطورة للعبث، هي في ديار الصدر الأعظم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*