الرئيسية / home slide / السعودية، إيران، إسرائيل، لبنان 2023: انزياحات التربة السياسية في المنطقة

السعودية، إيران، إسرائيل، لبنان 2023: انزياحات التربة السياسية في المنطقة

17-01-2023 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

جهاد الزين

متظاهرون من اليسار الإسرائيلي يحملون مظلات خلال تجمّع ضدّ حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ ف ب).

بين الرأيين، الرأي الأول القائل أنه لم يعد السؤال حول ما إذا كانت #الولايات المتحدة تفكّ ارتباطها ب#الشرق الأوسط، بل بات واضحًا على نحو متزايد أن الشرق الأوسط هو الذي يفكّ ارتباطه بالولايات المتحدة، والرأي الثاني أن السؤال لم يعد ما إذا كان الشرق الأوسط يريد الارتباط بالولايات المتحدة بل هو هل لا تزال الولايات المتحدة تريد الارتباط بالشرق الأوسط ..

بين هذين الرأيين المتناقِضَيْ الجوابين اللذين يتبادلهما المراقبون الأميركيون المعنيون بمتابعة مستقبل علاقة بلدهم بالشرق الأوسط، أظن أن الرأيين غير صحيحَيْن أو أنهما بالحد الأدنى متفاوتا الصحة والخطأ. وهما يتعلقان بالقدرة أكثر من الرغبة على الجهتين.

صحيح أن بروز مشاكل عميقة مؤخرا بين واشنطن ودولتين رئيسيتين في المنطقة هما المملكة العربية #السعودية بقيادة الأمير محمد بن سلمان وإسرائيل بقيادة حكومة بنيامين نتنياهو، وهما دولتا الارتباط التاريخي الأميركي بالمنطقة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية (النفط وإسرائيل )، قد أدّى إلى تكثيف الشكوك على جانبي المنطقة وواشنطن حول مستقبل العلاقات بصورة خاصة بعدما ظهر التصميم السعودية على بناء علاقات استراتيجية مع الصين وتجسّد في زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ الحافلة بالاستقبالات والتكريم والاتفاقات مع المملكة فيما سبقتها بقليل صدمة سعودية لواشنطن عبر موافقة الرياض على خفض إنتاج النفط مليوني برميل يوميا وهو القرار الذي اتخذته مجموعة “أوبك +”واعتُبِر دعما صريحا لموسكو.

لكن كل هذه التفاعلات هل تجعلنا نحسم ما إذا كان الشرق الأوسط يريد أن يصبح أكثر ابتعادا عن واشنطن إو ما إذا كانت الأخيرة هي التي تريد ذلك تنفيذاً لاستراتيجية عهد الرئيس باراك أوباما بالتحول نحو أولوية الشرق الأقصى والتركيز على التنافس مع الصعودالصيني؟

بمراجعة وجوه الحرب التكنولوجية والتجارية القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين هل يمكننا القول أن الجواب أو بداية الجواب على سؤال من يرغب بالابتعاد عن الآخر، أميركا أم المنطقة، لعله يكمن في الفصل بين الاعتبارات التكنولوجية والتجارية وبين الاعتبارات الجيوسياسية وخصوصا بالنسبة للولايات المتحدة. فإذا كانت متطلبات الجيو استراتيجيا مفصولة عن متطلبات التكنواستراتيجيا، هل يكون الخيار الأميركي النفطي الأمني بعيدا بصورة ما عن الخيار التكنو تجاري؟

هذا السؤال يحتاج ليس فقط إلى تدقيق بل إلى مراجعة دائمة بعدما أظهرت الحرب الروسية في أوكرانيا كحرب ذات تأثير عالمي، تداخل ارتباط الصراع على المواد الأولية (بمافيها الغذاء) مع الاعتبارات العسكرية والتكنولوجية، كما أظهر التوتر حول جزيرة تايوان عدم إمكانيةالفصل بين العسكري والتجاري – التكنولوجي حين يتعلق الأمر بالمنافس الصيني الطامح إلى التمدد الجيوسياسي وقد أصبح كذلك في مناطق عديدة بعيدة عن الصين.

لا تزال الولايات المتحدة وفقاً للتعبير الشهير لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت “الأمة التي لا غنىً عنها”(Indispensable Nation) قياسا بالأدوار العديدة التي تستمر في لعِبها في مجالات تثبيت الأمن في مناطق عديدة بل في معظم مناطق العالم. ومع أن صورة واشنطن كضامن أمن قد اهتزت بسبب إصرارها على توسيع نطاق الحلف الأطلسي في شرق وجنوب أوروبا مما أدّى عمليا إلى استنفار الروح العسكرية الروسية التي تخوض الحرب الخطرة في أوكرانيا غير أنها على الأقل في نظر حلفائها الأوروبيين عادت لتتصرف كقائدة عسكرية للمعسكر الغربي الذي يخوض الحرب تحت قيادتها.

عادت منطقتنا تعطي الانطباع عام 2022 عن انزياح ما في تربتها السياسية مع ظهور تلازم الخلاف الأميركي السعودي والخلاف الاميركي الإسرائيلي. هو انزياح بظهور التقارب السعودي الروسي والسعودي الصيني قد يصبح “تأسيسياً” ولكن لا يزال من المبكر تشبيه لقاء الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز بن سعود في نهاية الحرب العالمية الأولى بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للسعودية مؤخراً ولقائه الأمير محمد بن سلمان. ولذلك من الصعب جدا القول الآن أن السعودية تستبدل حلفها التكويني مع الولايات المتحدة بحلفها مع الصين التي أصبحت شريكها التجاري الأول، إن لم يكن في ذلك القول سذاجة سياسية رغم ظهور الاختلافات مع الولايات المتحدة والتي يرى البعض أن الموقف الأميركي في حرب اليمن ساهم في تعزيز الهواجس السعودية حيال أمنها. وحسب بعض تقاريرالصحافة الإسرائيلية فإن شرط الالتزام الأميركي العملي والصريح بأمن المملكة هو شرط سعودي أساسي لإعادة تحسين العلاقات المكفهرّة مع واشنطن (الجيروزاليم بوست).

لكن هذه التقاطعات لا تخلو من طرافة. فبدلا من تؤدي زيارة الرئيس الصيني للسعودية إلى أزمة جديدة في العلاقات السعودية الأميركيةأدّت إلى اهتزاز مثير في العلاقات الإيرانية الصينية، وتحديدا بعد دعوة أحد بنود البيان المشترك الذي صدر عن القمة العربية الصينية إلى انهاء الخلاف حول الجزر الثلاث في مضيق هرمز، طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى والتي تحتلها إيران، دعوته إلى إنهاء الخلاف حولها بالوسائل الديبلوماسية وضمن الشرعية الدولية. هذا الموقف المحايد اعتبرته إيران منحازا لدولة الإمارات !وأبلغت الصين عبر مندوبيهااعتراضها على ذلك. على أن الأطرف، أن وزير الخارجية الإيراني الأسبق، رئيس المجلس الأعلى للعلاقات الخارجية كمال خرازي قال أن ايران تعتبر هذه الجزر بمثابة جزيرة “تايوان” بالنسبة للصين وذلك نقلا عن تصريح ديبلوماسي أوروبي لصحيفة “المونيتور” . وهي مقارنةتهويلية في الشكل والحجم الجغرافي والديموغرافي والوضعية السياسية.

نموذج العلاقات السعودية مع الصين هو المثال على الفصل المتواصل بين الاقتصادي والأمني. بينما في الحالة الإيرانية أي العلاقات الايرانية الصينية يتداخل الأمني والتجاري الاستثماري بسبب حاجة الطرفين لذلك خصوصا بعد ظهور عمق العلاقات العسكرية الروسيةالإيرانية عبر استخدام موسكو، حليفة الصين، للمسيَّرات الإيرانية في حربها مع أوكرانيا. ولعل الصادرات العسكرية التركية، التي يقول الرئيس التركي رجب طيِّب أردوغان في تصريحات مؤخراً أنها مرشّحة للتضاعف عام 2023، ربما تقف، أي الصادرات التركية، في نقطة وسطى بين نموذج ارتباط التجاري بالأمني الإيراني وبين نموذج انفصال الأمني عن التجاري السعودي.

لكن إسرائيل التي هي الأكثر تقدما في تصدير بعض صناعتها العسكرية تتسم علاقاتها مع الهند بطابع استراتيجي. يُذكر هنا أنه وربمابوساطة هندية غير معلنة بسبب العلاقات الوثيقة بين الهند وبنغلادش، كشفت صحيفة هآرتس يوم الثلاثاء المنصرم أن إسرائيل باعت بنغلادش، عبر قبرص، نظاما تكنولوجيا للمراقبة والتجسس لصالح وزارة الداخلية (البنغلاديشية)فيها. وهناك دائما حديث عن انزعاج اميركي من احتمال وصول أجهزة متقدمة وحتى بضائع تجارية تبيعها الشركات الإسرائيلية للصين. ومن الجدير ذكره أن ميناء حيفا الذي يتخرج منه 98 أو 99 بالمائة من الصادرات الإسرائيلية عبر البحر أصبح تحت إدارة شركة صينية (Shanghai International Port Group (SIPG في الجزء الجديد الموسّع منه وتحت إدارة كونسورتيوم شركتين هندية India’s Amani Group وإسرائيلية Gadot Chemical Terminals في الجزء القديم منه. وهذا مؤشر كافٍ ضمن مؤشرات عديدة لحجم العلاقات الإسرائيلية مع كل من الهند والصين والتي تتضمن اتفاقات تعاون صناعي عسكري.

نحن في #لبنان على ضآلة حجم بلدنا في اللعبة الدولية اختبرنا عام 2022 تجربة في “اللاغنى عن أميركا” عندما تحقّق اتفاق ترسيم الحدودالبحرية مع إسرائيل بفضل ضغط أميركي متعدد المستويات على إسرائيل، كما على متشددي إيران الحاكمين المأزومين داخلياً وبمساعدةفرنسية لإنجاز الاتفاق المكتوب عبر دور مركزي لشركة توتال ثم الضغط على اليمين الإسرائيلي الليكودي وحلفائه القوميين والدينيين لحماية الاتفاق مع لبنان من أي تراجع إسرائيلي عنه تقوم به حكومتها الجديدة. كل هذا لم يكن ممكنا من دون الدور الأميركي الذي نشأت له مصلحة في تعزيز شبكة إنتاج الغاز في شرق المتوسط وتوصيله إلى أوروبا بعد الحرب في أوكرانيا. وكان هذا الاتفاق في لبنان انزياحا ايجابيا في التربة السياسية للمنطقة لصالح الاستقرار.

غير أنه حتى بالنسبة للسعوديين فإن مظاهر الخلاف مع واشنطن هي تعبير عن “حركة” مطالبة سعودية بأمان إقليمي من يستطيع أن يقدّمه سوى الأميركيين عبر رفع التضييق في الكونغرس على صفقات أسلحة للمملكة وتسهيلات تتيح لها الاستفادة من عودة علنيةِ الالتزام الاميركي بأمنها. والبعض يعتقد أن اتخاذ السعودية قرار التطبيع العلني مع إسرائيل بات مرتبطا بتحقيق واشنطن هذه المطالب السعودية.

كذلك إسرائيل التي لا يمكن حتى تخيّل ابتعادها عن أولوية التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، لايزال يُنظَر في المنطقة أن التقارب مع اسرائيل هو جوهريا تقارب مع الولايات المتحدة. وها هو بنيامين نتنياهو يبعث بتطمينات عن ضرورة توثيق العلاقات معتبرا أن التقدم نحوالتفاهم سببه وجود القاسم المشترك الذي بات متمثّلا في نوع من التراجع الأميركي عن اعتبار التفاهم مع إيران في الملف النووي أولويةكالسابق، مما يسمح بنظر نتنياهو التصدي المشترك لإيران نووية كتهديد استراتيجي.

ماذا، استطراداً، عن مصر وتركيا والمغرب والسودان ناهيك عن دول الخليج التي طابقت القول بالفعل في وبعد “اتفاقات أبراهام”؟

حتى الفلسطينيون الذين يعانون من تفاقم السياسات العنصرية الإسرائيلية على كل الصعد المتعلقة بهم لم ولن يخرجوا على الأرجح، بل لاطاقة لهم على ذلك، من مفهوم أنه لا غنى عن الدور الأميركي. ونسب توماس فريدمان مؤخرا لمحمود عباس رئيس الأمر الواقع للسلطة الفلسطينية أنه يفضِّل دائما النزاع من داخل الشراكة وليس النزاع من خارج هذه الشراكة التي تعني في هذه “المدرسة السياسية” الفلسطينية الشراكة مع إسرائيل بقيادة واشنطن.

عام 2023 هو عام آخر من انزياحات التربة السياسية في المنطقة وللمنطقة، إن لم يكن عام انزياحات جديدة فهو استكمال للانزياحات المستجدة العميقة في الباطن وعلى السطح.


jihad.elzein@annahar.com.lb‏‬
Twitter: @ j_elzein