الرئيسية / home slide / السرّ الغائب في الرسائل العربية؟

السرّ الغائب في الرسائل العربية؟

 واسيني الأعرج
القدس العربي
21042021

تزخر الآداب العالمية بالرسائل، بمختلف أشكالها وأغراضها، والجمهور الذي تستهدفه، لدرجة أن أصبحت اليوم فناً قائماً بذاته. قوة الرسائل أنها تكشف خفايا الإنسان وتعطشه للمعارف، بما في ذلك معرفة الذات في مختلف تحولاتها. لقد كتب مونتيسكيو «رسائل فارسية» الخيالية بين مسافرين فارسيين أزوبك وريكا. ونُشرت في 1721 في أمستردام، انتقد فيها المجتمع الفرنسي بحدة، بعيون المسافرين الشرقيين. كتب أبو العلاء المعري (973-1057) «رسالة الغفران» الوجودية ووجهها إلى ابن القارح، منتقداً فيها عقليات الغيب، مفككاً يقين الأشياء، واضعاً قارئه أمام حيرة وجودية حقيقية.
وكتب ابن حزم الأندلسي (994-1064) رسالته العظيمة في الحب: طوق الحمامة في الألفة والإيلاف، التي فككت الحب ووصفت أشكاله بدقة. وكتب إخوان الصفا رسائلهم السرية: رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء، التي بشروا فيها، في القرن العاشر، بنظم ثقافية وسياسية جديدة. كتب الشيخ النفزاوي، أبو عبد الله بن محمد (ق15) رسالته: الروض العاطر في نزهة الخاطر، بناء على طلب عبد العزيز الحفصي، حاكم تونس، وكان واحداً من أخطر الكتب ليس في الجنس كما يعتقد الكثيرون، ولكن في التربية الجنسية. أبو حيان التوحيدي (ق10) كتب رسالة من نوع آخر، رسالة الحرق أو اليأس، وأخبرنا فيها كيف أن حرفة الوراقة التي أدركته كانت قاسية عليه ومنعته من الحياة، فأحرق كل كتبه ثم اختلى ليكتب نصه العظيم «الإشارات الإلهية». رسالته هي صرخة يأس في عالم لم يحفل بالأدب والأدباء. كل هذا تزخر به آدابنا العربية لدرجة أن أصبح أدب الرسائل ظاهرة حقيقية تستحق التوقف والدراسة لمعرفة ما يتخفى وراءها.
القصد هنا، بالدرجة الأولى، الرسائل العاطفية الحميمية التي تؤنسن الكاتب الغارق عادة في يوميات الكتابة القاسية. نحن لا نعرف إلا جهده الأدبي والفني وننسى أن وراء ذلك تاريخاً حياً وإنساناً تألم كثيراً.
حتى السير الذاتية تكاد تنعدم، بينما الآداب العالمية تزخر بذلك. يمكننا أن نجد رسائل الكتاب العالميين فيما بينهم التي تكشف وجهاً خفياً غير معروف، وكثيراً ما تجمع وتنشر بعد وفاة الفاعلين الثقافيين. وتشترك في ذلك إرادات كثيرة تتعامل مع شخصية أصبحت ملكاً عاماً وليس فقط للعائلة. وقد يكون الأهل سنداً حقيقياً للباحثين في عمليات جمع المتفرقات، ولولا رسائل فرجينيا وولف مثلاً، ما تعرفنا حقيقة على الكاتبة في عز تناقضاتها، وحرفتها الكتابية، وانشغالاتها الإبداعية والآلام التي عانتها قبل انتحارها. بقراءة رسائلها مع أصدقائها، أو من أحبتهم، نتعرف بشكل عميق على المؤديات السرية والغامضة التي حكمت حياتها.
نكتشف من وراء الرسائل، المرأة المتميزة، والغيورة، والذئبة الشرسة المحبة لنفسها. ولنا أمثلة كثيرة في الآداب العالمية، مثل رسائل جورج صاند، مارغريت دوراس، هنري ميلر، وغيرهم كثيرون، حيث عبرت الكاتبة كما عبر الكاتب عن جوانبه السرية التي كثيراً ما يتعرف عليها القارئ بعد وفاة الكاتب. حتى السياسيين أيضاً لم ينفذوا من ذلك، مثال رسائل فرانسوا ميتران وعشيقه آن بانجو (1218 صفحة) التي شكلت حالة مميزة كتابياً وصف فيها تجربته الحميمية. يكاد هذا النوع العاطفي والإنساني ينتفي من ساحاتنا الثقافية، إذ يُنظر لموضوع كهذا من زاوية واحدة ووحيدة وهي الزاوية الأخلاقية. قد تعيش المرأة المبدعة أو الرجل، على حد سواء، تجربة حياتية تخترقها اللحظات الأكثر إنسانية، تشترك فيها «الخيانات الصغيرة» فلا حق لهما في الحديث عنها.
باسم الأخلاق، يعودان بها إلى قبر المنتهى. من منطلق الخوف ولكن أيضاً أن رسائل كهذه ليست ملكاً عاماً ولكنها من حيميات شخصين فقط، مع أن مثل هذه الرسائل تكشف عن رحلة الإنسان الوجودية في عالم شديد التعقيد وليس كما نراه، وتظهر ما يتخفى وراء الوجاهات الزائفة التي تلغي الإنسان من وجودها. وكلما حاول أحدهم اختراق هذا المنطق الزائف بالمعنى الثقافي، كانت مؤسسات القتل الاجتماعي في انتظاره حفاظاً على الأخلاق والأعراف والعائلة. الكرامة تنحصر في جزئية صغيرة من جسم الإنسان، وتغيب عندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان في كليتها. ننسى أن الرسالة تعبر في النهاية عن فردية متحركة، ولا تعبر عن فعل عائلي إلا من خلال فضح آلياته المعطلة. ماذا لو قيض لمي زيادة أن تنشر رسائلها ضد جزء من العائلة التي امتهنت أحلامها وقتلتها بشكل غير مباشر؟ لنا أن نتذكر ما فعله فيها ابن عمها جوزيف زيادة. بقايا ليالي العصفورية، التي أحرقها جوزيف نفسه، وكما روتها في المستشفى لأمين الريحاني، تبين ذلك بوضوح. رسائلها للعقاد تحديداً بها الكثير من العشق والحب، وأعتقد أن عائلة العقاد رفضت؟ نشر ما «يسيء» إلى سمعته. ولم تنشر إلا رسائلها مع جبران، لأنها متباعدة ومتسمة بعذرية وهمية، لا جبران الذي كان يعيش وسط حديقة من النساء في أمريكا كان عذرياً، ولا مي زيادة في علاقتها بصديقها الإيطالي الذي لا أحد يتحدث عنه وكانت تسافر إليه باستمرار، ولا بالعقاد، كانت عذرية. ماذا لو جمعت كل رسائلها لكشفنا من وراء الشخصية عصراً بكل عقلياته المتحجرة والمتنورة، وصراعاته النفسية، حيث الأفراد فيه مقيدون بشرطيات الزمان والمكان، علماً أني لا أصنف رسائل جبران مع مي برسائل الحب، ولكنها أقرب على الإخوانيات التي تخترقها المحبة والاحترام والرغبة في التعرف أكثر على الآخر. ربما كانت اللحظة المتفردة تاريخياً هي ما قامت به غادة السمان عندما نشرت رسائل المناضل العظيم والكاتب الفذ غسان كنفاني (2009). لكن التجربة ولدت مبتورة، إذ لا نجد في الكتاب إلا رسائل غسان كنفاني الملتهبة عشقاً دون رسائل غادة. بمعنى، ماذا كانت تقول له بالمقابل حتى تفجر فيه ذلك البركان العشقي؟ اللغة خادعة، فهي تخفي بعض سرها للعامة، لكنها فاضحة. طبعاً، قامت القيامة يوم نشرت الرسائل، ربما لأن بعض الفاعلين في الرسائل ما يزالون أحياء، ومن بينهم زوجة كنفاني الدانماركية آني هوفر، التي كان يفترض، في زمن آخر وعقل آخر، أن تسلم رسائل غادة لغسان، وفق اتفاق مسبق مع العائلة، كما يحدث عادة.
من يعرف منا اليوم رسائل نجيب محفوظ الحميمية مثلاً لامرأة كان لها الدور الحاسم في حياته الأدبية؟ يظل هذا العالم مغلقاً بسبب المنع الأخلاقي المعمم. مثل السير الذاتية التي لا تقدم إلا فتوحات الكاتب وعظمته متفادية، وبحسابات أخلاقية مسبقة، كل ما يربك الصورة المثالية للفرد، وكأن الحب جريمة، مع أن سيرة بصدق «الخبز الحافي» لم تنقص من قيمة محمد شكري الكاتب والإنسان. متى نصل إلى الحالة التي تفتح فيها كل الأدراج المغلقة لمبدعاتنا ومبدعينا؟ كما حدث مع ماريا كازاريس، مع حبيبها ألبير كامو؟ تجربة عشق دامت اثنتي عشرة سنة. يوم وفاة ألبير كامو، وضعت ماريا رسائل كامو بين يدي ابنته كاترين، رسائله لها، وطلبت منها الحفاظ عليها أو نشرها بعد ربطها برسائلها له والموجودة لديه.
فكان كتاب من أبدع كتب الرسائل: مراسلات ألبير كامو وماريا كازاريس، التي كسرت شرنقة الفيلسوف ليخرج منها كامو الإنسان بكل جماله وعيوبه. نحتاج عربياً على زمن آخر يقاس بالسنوات الضوئية والكثير من الشجاعة، لكي نصل إلى تلك اللحظة المؤنسنة لنا قبل غيرنا.