الرئيسية / home slide / “السرّ الأخير”… بين كورونا وأحداث تيان أنمين أصداء متشابهة؟

“السرّ الأخير”… بين كورونا وأحداث تيان أنمين أصداء متشابهة؟

صورة من الأرشيف تعود إلى 5 حزيران 1989. رجل يقف في وجه الدبابات الصينية داعياً إلى إنهاء العنف ضدّ متظاهرين مؤيدين للديموقراطية. استطاع بعض الموجودين في ذلك المكان سحبه حيث تمكّنت الدبابات من متابعة سيرها نحو شارع شانغان في بيجينغ في ساحة تيانانمن – “أ ب”

حلّت الذكرى السنويّة الواحدة والثلاثون لأحداث ساحة تيانانمن وسط فوضى في العلاقات الدوليّة تسبّبت بها جائحة “كورونا” وفي ظلّ خلافات صينيّة-أميركيّة واهتزازات تصيب العولمة وموقع الولايات المتّحدة القياديّ. أثار النهوض الصينيّ خلال العقدين الماضيين مخاوف غربيّة متنوّعة من بينها ما كان جليّاً في الولايات المتّحدة. 

رقابة حادّة

لم يتوقّع معظم الغربيّين تمكّن دولة لا تعتمد الليبيراليّة السياسيّة في نظامها من منافسة القوّة الكبرى على زعامة العالم. من هنا، ليست أحداث ساحة تيانانمن مجرّد ذكرى في التاريخ السياسيّ للصين. ثمّة مقاربة لدى مراقبين بأنّ تلك الأحداث أطلقت تردّدات في القيادة الصينيّة حتى اللحظة.

بحسب كارن لاي وبيتر مارتن من شبكة “بلومبيرغ”، دفعت تلك الأحداث الحزب الشيوعيّ إلى تحديث أمن الدولة عبر السنوات وتوسيعه ليشمل مراقبة ما يفعله الناس على الشبكة العنكبوتيّة وسلوكهم داخل منازلهم أو خارجها. هدفَ ذلك إلى إلغاء أيّ فرصة لتحرّك شامل آخر شبيه بما حدث في تيانانمن.

ساحة تيانانمين تغصّ بالمتظاهرين، 17 أيار 1989 – “أ ب”

وفرضت الصين السيادة السيبيرانيّة على الواقع الإلكترونيّ داخل حدودها فمنعت بشكل واسع محرّكات البحث ومنصّات التواصل الأجنبيّة في البلاد. كذلك، عمدت إلى مراقبة التطبيقات المحلّيّة المنشأ إضافة إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة كتقنيّات التعرّف إلى الوجوه لضمان تتبّعٍ أفضل لتحرّكات السكّان. بحسب الكاتبين أيضاً، تختبر الحكومة نظام “ائتمان اجتماعيّ” يمنح المواطنين نقاطاً بناء على سلوكهم، الأمر الذي يمكن أن يؤثّر على قدرتهم في شراء تذاكر السفر أو الحصول على قرض.

“السرّ الأخير”

لا تشكّل أحداث تيانانمن حدثاً منفصلاً أو عابراً في مسار التطوّرات السياسيّة والاجتماعيّة داخل الصين، بل ربّما كانت إحدى النتائج شبه الحتميّة لهذه التطوّرات. بعد وفاة الرئيس الأسبق للحزب الشيوعيّ الصينيّ هيو ياو بانغ في 15 نيسان 1989 نزل الطلّاب إلى ساحة تيانانمن لمطالبة القيادة بإعادة الاعتبار لهيو بعدما تعرّض للإقالة سنة 1987 لكونه كثير الإيمان بالليبيراليّة.

حتى ذلك الوقت، كانت الصين قد سلكت مساراً إصلاحيّاً-انفتاحيّاً بقيادة الزعيم الأسبق دنغ شياو بينغ منذ سنة 1978 حتى عُرف دنغ بأنّه “مهندس الصين الحديثة”. مهّد هذا الإصلاح لبروز طبقة وسطى أكثر ميلاً للأفكار الليبيراليّة السياسيّة. ويعتقد البعض أنّ هذه التظاهرات كانت نتيجة غير مباشرة لهذا الإصلاح.

الدبابات في ساحة تيانانمن في 5 حزيران 1989 بعد يوم واحد من نجاح الحكومة الصينيّة بتفريق المتظاهرين – “أ ب”

على أعتاب الذكرى الثلاثين لتلك الأحداث، وتحت عنوان “أوراق تيانانمن الجديدة” كتب أستاذ العلوم السياسيّة المتخصّص في الشؤون الصينيّة في جامعة “كولومبيا” أندرو نايثان مقالاً في مجلّة “فورين أفّيرز” فصّل فيه تلك التردّدات.

كان المقال جزءاً من مقدّمة “السرّ الأخير: الوثائق النهائيّة لقمع الرابع من حزيران” وهو مجموعة خطابات ألقاها مسؤولون صينيّون بارزون في اجتماع موسّع للمكتب السياسيّ بين 19 و 21 حزيران ضمّ قادة مؤثّرين متقاعدين حينها لدرس التداعيات. ونشرت دار “نيو سنتشوري برس” ومقرّها هونغ كونغ تلك الوثائق نقلاً عن مسؤول صينيّ تمكّن من الاحتفاظ بنسخ عن الاجتماع.

دروس

رأى نايثان أنّ هذه الوثائق دفعت الحزب إلى استخلاص دروس أساسيّة من أحداث تيانانمن: “أوّلاً، أنّ الحزب الشيوعيّ الصينيّ هو تحت حصار دائم من أعداء في الداخل متواطئين مع أعداء في الخارج. ثانياً، أنّ الإصلاح الاقتصاديّ يجب أن يتراجع لصالح الانضباط الإيديولوجيّ والسيطرة الاجتماعيّة. وثالثاً، أنّ الحزب سيسقط أمام أعدائه إذا سمح لنفسه بأن يكون منقسماً.”

تابع نايثان أنّ المدعوّين إلى الاجتماع الموسّع أتوا للإشادة بقرار دنغ إنهاء التظاهرات بالقوّة ولانتقاد موقف الأمين العام السابق للحزب الشيوعيّ زاو زيانغ الذي فضّل مقاربة أكثر تصالحيّة وتفادي استخدام العنف لفضّ التظاهرات، ممّا أدّى إلى إقالته من منصبه. حتى أنّ بعض المسؤولين انتقدوا سياسات زاو الإصلاحيّة على الرغم من كونها أساساً أفكار دنغ بحسب رأيه.

عشرات آلاف الطلاب والمواطنين الصينيين في ساحة تيانانمن، 21 نيسان 1989 – “أ ب”

كلام المسؤولين البارزين الذي غالباً ما بدأ في ذلك الاجتماع ب “أنا أدعم بالكامل” أو “أنا أؤيّد بالكامل” سياسة دانغ، انتقد “البورجوازيّة” الصينيّة “المتعاملة مع قوى أجنبيّة عدوانيّة” لتدمير النظام السياسيّ الصينيّ واستبداله ب “فصل السلطات على الطريقة الأميركيّة”. واعتقد المشاركون بأنّ أغلبيّة المتظاهرين كانت “مضلّلة” وتمّ التلاعب بها على يد “عدد ضئيل للغاية من الأشخاص السيّئين.”

معضلة

وقعت القيادة الصينيّة في معضلة حلّ الأزمات بحزم فيما كان عليها أن تتقبّل وحتى أن تدعو إلى الانتقادات. قال الرئيس السابق للجنة الدائمة للمؤتمر الشعبيّ الوطنيّ بنغ شن إنّ “الجميع متساوون أمام الحقيقة”، مانعاً إبلاغ الأخبار الجيّدة وإخفاء تلك السيّئة ومشدّداً على ضرورة الاستماع لمختلف وجهات النظر.

بالرغم من تمكّن الرئيس الصينيّ شي جينبينغ من حصر القيادة تحت رايته، بخلاف من سبقوه، يرى نايثان أنّ هذه القيادة فشلت في التوفيق بين نقيضي “الإصلاح والتحكّم” الذي “أنتج أزمة تيانانمن”. بحسب رأيه، كلّما سعت الصين خلف التحديث والاتّصال بالاقتصاد العالميّ، ازدادت رغبة الطلّاب والمثقّفين وأفراد الطبقة الوسطى الصاعدة بعدم الامتثال لعقيدة الخمسينات. ويضيف أنّ هذا التوتّر تفاقم مع مجيء شي إلى السلطة ورفعه الأجور ودعمه التعليم العالي ونقله السكّان إلى المدن، بحيث برزت طبقة وسطى ضخمة ومزدهرة “هامدة بسبب حذر واقعيّ لكن تتوق إلى المزيد من الحرّيّة.”

الموازنة بين “الحرّيّة الاقتصاديّة” والحفاظ على “الانضباط المجتمعيّ” عمليّة عسيرة، بما أنّ الأولى تؤدّي إلى انتشار قيم “الفردانيّة” التي يشكّل أبناء الطبقة الوسطى دافعها الأوّل. بالتالي، لم يكن “كوفيد-19” تحدّياً صحّيّاً للصين بمقدار ما كان تحدّياً لعدم انتشار الأصوات الداعية إلى المزيد من الحرّيّات وقوانين المحاسبة المستقلّة عن الإطار التنظيميّ للحزب الحاكم. إنّ معاناة الصين من “كوفيد-19” أمكن أن تطلق مساراً كهذا لو انحصر انتشاره داخل الصين.

لكنّ تفشّيه إلى غالبيّة دول العالم الليبيراليّة سياسيّاً أدّى خدمة غير مباشرة للقيادة الصينيّة عبر إظهار إخفاق هذه الميزة – ولو جزئيّاً – في التصدّي للجائحة بالرغم من تأمينها محاسبة شعبيّة أوسع إطاراً. من هذه الزاوية، أطلقت تيانانمن تردّدات استمرّت ثلاثة عقود مكّنت الحزب الشيوعيّ، ربّما بطريقة ثانويّة لكن حيويّة، من اكتساب مناعة سياسيّة في وجه تداعيات كوفيد-19… أقلّه لغاية اليوم.