الزمن الروسي في المنطقة ولبنان: حدودُ الدور وجديدُه


جهاد الزّين
النهار
25082018

حتى الثورة البلشفية كان الحضور الروسي إحدى العلامات الدائمة في البحر الأبيض المتوسط، ليس عسكريا فحسب بل تعليميا أيضا وكانت للروس مؤسساتهم ومدارسهم كالفرنسيين والأميركيين في لبنان وبيروت.. وكان هذا استمرار لسياسة بحرية فعالة في شرق المتوسط في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، جعل الأسطول الروسي يقصف بيروت في فترة من الفترات. ربما علينا في بيروت أن ننتظر إعادة تأسيس أول مدرسة روسية أو تحت الإشراف الروسي في الحقبة الجديدة التي دعونا نُسمِّها المرحلة السورية للحضور الروسي المشرقي.

لا أظن أن مد الروس يدهم إلى لبنان هو مجرّد خطوة تكتيكية أملتها المرحلة الجديدة مما يظهر أنه تفاهمهم مع إسرائيل وجنرالات دونالد ترامب في وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي(وهم الجنرالات الباقون بعد تهاويه المحتمل) في سوريا، بل إن ما سُمّي في لبنان “المبادرة الروسية” هو أيضا استكمال لعناصر عديدة تشكل جوهر تفكير مخططي الكرملن المشرقي والشرق أوسطي… وهي:

1- اعتبار الوجود الروسي على الشاطئ السوري استكمالاً للهجوم الدفاعي الروسي ضد الهجوم الغربي الأوروبي الأميركي الجيوبوليتيكي في القرم وجورجيا و”الربيع العربي”. وهذا الشاطئ بين طرطوس جنوبا ورأس البسيط شمالاً هو المساحة الوحيدة التي تسيطر عليها البحرية الروسية في محيط البحر الأبيض المتوسط.

2- قيام تفاهم دقيق روسي إسرائيلي يراعي ويحفظ الهواجس الأمنية الإسرائيلية في جنوب سوريا ويشكل نوعا من عازل سياسي أمني مع الوجود الإيراني مع إعطاء حرية حركة للإسرائيليين لا تمس المناطق العسكرية الروسية شمالاً ووسطاً.

لقد أدى هذا التفاهم الروسي الإسرائيلي إلى خطوة ذات رمزية جوهرية في الأسابيع الماضية وهي السماح الإسرائيلي بعودة قوات المراقبة الدولية إلى مواقعها التقليدية في الجولان والتي كانت قائمة منذ اتفاق فك الاشتباك السوري الإسرائيلي في السبعينات ومعها عودة القوات السورية إلى مواقعها هناك. رمزيا هذا يعني احتراما إسرائيليا وبالتالي أميركيا لحدود الدولة السورية حتى لو هي الحدود المختلف عليها من حقبة عام 1967.

إسرائيل وهي في لبنان سابقا حتى عام 2000 وفي سوريا بعد عام 2010 عنصر تلاعب بخارطة الدولة. التطور المثير الذي أعقب قمة هلسنكي بين الرئيسين فلاديمير بوتين وترامب في القبول الإسرائيلي بعودة الجيش السوري إلى مواقعه على حدود 1973 يكون قد حمل معه سمةً بناءة للدور الروسي هو الدفع في إعادة الاعتبار لحدود الدول في المنطقة. ونرجو أن تكون الخطوة الإسرائيلية حاملة لذا المعنى البناء: احترام حدود الدولة.

اللبنانيون مستفيدون قطعا من هذا التطور لا لأنه فقط يمكن أن يخفِّف من أي انفجار إيراني إسرائيلي بل لأنه أيضا يدل على قدرة موسكو على لعب دور استيعابي للانتشار الإيراني، دون أن يعني هذا الانضمام إلى جوقة القائلين بمسعى روسيا لإخراج إيران من سوريا لأن هذا تبسيط وتسطيح لموضوع شديد التعقيد والعمق في العلاقة بين النظامين السوري والإيراني.

3- هناك لمسة، مسيحية مفهومة، داخل استراتيجية أكبر طبعاً، في خلفية ما سُمِّي “المبادرة الروسية”. الكنيسة الأرثوذكسية لم تكن بعيدة أصلا، وهذا مسلّم به معلوماتيا، عن المساهمة في دفع الدولة الروسية البوتينيّة إلى أخذ قرار الدخول الديناميكي إلى سوريا عام 2015. الدخول الذي غيّر كل شيء وهو تاريخيا في ما يتعلق بالمسار السوري أهم وأفعل بكثير من الانتشار الإيراني.

تخفيف عبء النازحين السوريين عن لبنان عبر إعادة من تمكن إعادتهم بكثافة وإن كان شأنا يستفيد منه كل لبنان بأكثرياته وأقلياته غير أنه أيضا يخفِّف عن كاهل آخر أكبر “مجموعة سياسية” مسيحية في المنطقة، وهي مسيحيو لبنان، عبئا ديموغرافيا أكيدا (الأقباط كتلة عددية أكبر لكنهم ليسوا “مجموعة سياسية”). وهذا وعي يزداد إلحاحا في عقل كتلة سياسية لبنانية حاكمة ذات “نتعة”مسيحية أكيدة مثل “التيار الوطني الحر” الذي منه رئيس الجمهورية!

علاقات روسيا التي تحاول الاستفادة من أخطاء “الانسحابية” الأميركية من المنطقة بما فيها علاقة دقيقة وناجحة مع اليمين الإسرائيلي الليكودي، وهذا يدل على كفاءة رقص باليه سياسي لدى الرئيس بوتين، وليس فقط على الشطرنجية التي يتقنها الإيرانيون من موقع أضعف… علاقات روسيا أذكى من أن ترتبط علنا سمعتها بالمسيحيين فقط كما كانت فرنسا سابقا، وإن كان يجب حساب هذه العلاقة من الآن فصاعدا بطريقة مختلفة. فمسيحيو لبنان هم اليوم عمليا مسيحيو المنطقة بعدما انقرض تقريبا أمثالهم في العراق وضعف عددهم جديا في سوريا رغم حماية النظام لهم. فهي داخل لبنان راعية صلح درزي درزي وعلى صلة بطرف سني رئيسي مثل سعد الحريري وليس لديها مشكلة مع الشيعة الذين تضمنهم بعلاقاتها السورية الإيرانية. أما في المنطقة فعلاقاتها بمصر حيوية وتحولت إلى تنسيق مشترك في ليبيا.

العطل الرئيسي الذي يركّز عليه الأميركيون، بمختلف إداراتهم المتعاقبة بما فيها أوباما وترامب هو الضعف الاقتصادي. ما يعتبرونه ضعف الاقتصاد الروسي المعتمد على عائدات النفط والغاز. قبل يومين قال وليم بيرنز المفاوض الأميركي “السري” الذي بدأ المفاوضات مع إيران عام 2013 والتي انتهت بالاتفاق النووي ويشغل اليوم منصب رئيس مؤسسة كارنيغي في واشنطن…قال بالحرف “أنه ليس لدى موسكو الكثير لتقدمه لمنطقة الشرق الأوسط في الاقتصاد. بل هي في موقع منافس لدوله على صعيد الأسواق النفطية”.

قيل الكثير من هذا الكلام منذ بدأ صعود البوتينية ومع ذلك وصل هذا الصعود الجيوبوليتيكي إلى ما وصل إليه من نجاحات.السؤال السريع هنا هو: هل تستطيع الصين بقوتها الاقتصادية العملاقة أن تعوّض الضعف الاقتصادي الروسي في الشرق الأوسط وتحديدا في مرحلة إعادة الإعمار في سوريا ضمن التحالف الكبير عالميا القائم بينهما؟

… وصلتْ أمس الأول سفينة صينية ضخمة إلى مرفأ طرابلس. هل هذه بداية عينة صينية “صغيرة” عليهم كبيرة علينا، نتمناها مؤشر حسن طالع ليس فقط لسوريا بل للعزيزة طرابلس أيضاً ومن خلالها لبنان. لا تنسوا أن السفن الروسية على شاطئ طرطوس هي أقرب لطرابلس من بيروت بأقل من نصف المسافة.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*