الرئيسية / home slide / الزجاج القتيل في تفجير مرفأ بيروت “يثأر” لنفسه

الزجاج القتيل في تفجير مرفأ بيروت “يثأر” لنفسه

04-04-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

عقل العويط

الزجاج القتيل في تفجير مرفأ بيروت.

في الساعة السادسة وسبع دقائق، من مساء الرابع من آب ٢٠٢٠، فُجِّر #مرفأ بيروت، ومعه فُجِّرت العاصمة، واغتيلتْ مناطقُ فيها، ومُحِيَت أحياءٌ وشوارعُ وأزقّةٌ وأشجارٌ وسيّاراتٌ، وقُتِل المئات، وجُرِح الآلاف، وفُتِحَتْ مقابرُ لدفنِ الابتسامات، ولمواراةِ العيشِ الجميل والأمل والحرّيّة.

لم يبقَ في تلك المدينة شبّاكٌ زجاجيٌّ، ولا واجهةٌ زجاجيّةٌ، ولا قنديلٌ، ولا قنّينةٌ، ولا كأسٌ، ولا فنجانٌ، ولا ثريّا، إلّا لقيتْ حتفها في تلك الجريمة الجماعيّة النكراء. المدينة الأرملة، المدينة الثكلى، صارت كلّها دموعًا مهشّمةً، ودماءً ممرّغةً، وشظايا متناثرة. صارتْ ركامًا، وصارتْ غبارًا. سقط ضحايا كثيرون بين مشوَّهين ومعطوبين ومدمَّرين نفسيًّا وجسديًّا، إلى القتلى والجرحى. مَن قُتِل قد قُتِل. لكنّ المقتلة بقيتْ بلا قاتلٍ معروفٍ، علمًا أنّ القاتل هو الذي يقتل، وهو إيّاه، وهو معروفٌ ومعلومٌ ومعيَّنٌ، وهو مذكورٌ في الكتب، ومرتسمٌ على ارتجافاتِ الشفاه، وتميطُ اللثامَ عنه تلك النظراتُ التي تنوب عن كلِّ قضاءٍ وقاضٍ ومحكمةٍ وقوسٍ ومرافعاتٍ وأدلّةٍ وشهود. 

الزجاجُ كان أيضًا هو القتيل. كالمرفأ. كالمدينة. كالبيوت. كالشرفات. كالأطفال الذين قُتِلوا. كالشابّات. كالشبّان. كالنساء. كالرجال. كالعجائز. كالأمل. وكالفرح مطلقًا.

لكنْ، ماذا لو قُدِّرَ لمناضلين أبطالٍ أنْ يجمعوا هذا الزجاجَ القتيل، ليعيدوه إلى الحياة، ليصنعوا منه آيةً، معجزةً، بل ليصنعوا منه “ثأرًا”، فيعيدوا بهذا “الثأرِ” حقًّا (معنويًّا) ضائعًا إلى أصحابه الضائعين؟

هذا ما تحقّق في الواقع، وفعلًا، وعلى الأرض، لكنْ بدون ضجيجٍ، وبدون هوبراتٍ ومراجل. 

 فقد تلاقت أربع مجموعات من المجتمع المدنيّ، “مجموعة مواطن لبناني” و”مجموعة بيتنا بيتك” و”مجموعة منتشرين” و”مجموعة embrace”، وكان “الحاضر الناضر” مع هؤلاء، المهندس البيئيّ الخبير المحنّك المتخصص في معالجة النفايات زياد أبي شاكر (هو مرشّحٌ إلى الانتخابات عن المقعد المارونيّ على لائحة “تحالف وطنيّ” مع بولا يعقوبيان وآخرين في دائرة بيروت الأولى) من أجل إحياء الزجاج وهو رميم، وقُدِّرت بخمسة آلاف طنّ كمّيّة الزجاج المتطاير داخل المنازل وليس الزجاج الذي تراكم في الشوارع واختلط بالرمل والحصى والأخشاب والردم وبات مستحيلًا العمل على تدويره. جُمِع من هذه الكمّيّة 125 طنًّا موثّقة بموجب إيصالات، ونُقِلت إلى منطقة البدّاوي في طرابلس، حيث هناك معملان لتذويب الزجاج وتدويره وإعادة إنتاجه، من خلال صناعة أباريق وكؤوس فنّيّة (وعاديّة) ومجامع وفناجين وتحف أخرى.

وكانت هذه المجموعات المدنيّة الأربع التقت خلال الثورة على تجميع النفايات يوميًّا من وسط المدينة وتنظيف ساحة الشهداء، ثمّ عادت والتقت بعد تفجير المرفأ. وكانت الغاية الأولى من هذا الجهد، تحييد هذه الكمّيّة المهشّمة من أن تنتهي طمرًا في مطمر برج حمود، وكان الهدف “تقديم” هذا الزجاج مادّةً أوّليّةً إلى المعملَين بدون مقابل. وكان هذا الهدف الأساسيّ للحملة. بل كان الهدف، توجيه رسالة إلى القاتل بأنّ المدينة لن تموت، وبأنّ الحياة هي لأبناء الحياة. 

الزجاج القتيل الذي تمّ إحياؤه وإقامته من الموت، بات الآن تحفًا فنّيّةً تثأر لإرادة الحياة. على طريقة “ثأر” الزجاج القتيل لنفسه، نحن المحكومين بالأمل يجب أنْ “نثأر” لهذا الأمل. ويجب أنْ نكون محكومين “بالثأر” للحياة والحرّيّة. شو ناطرين!

Akl.awit@annahar.com.lb