الرئيسية / مقالات / الرّؤوس السّوريّة النّاطقة: الدّم الممتدّ بين الياسمين والزّيتون

الرّؤوس السّوريّة النّاطقة: الدّم الممتدّ بين الياسمين والزّيتون

14-03-2023 | 17:26 المصدر: “النهار”

في أحد مخيمات اللجوء السوري. (أ.ف.ب)

في أحد مخيمات اللجوء السوري. (أ.ف.ب)

لين نجم

كيف بدأ التّكوين؟ من تفّاحة، حمراء على الأغلب بلون دمائنا نحن. جميعنا دمنا أحمر إلّا الدّم السّوريّ، ذلك لأنّ السّوريّين لا يملكون وقتًا كافيًا للنّزيف. “ولا مرّة شفت دم. كلها ع بعضها الحرب كانت باردة وسريعة. ما بتلحَقي”، تقول منار ابنة العشرين عامًا. وبعد كلّ هذا تتساءل سؤالًا فطريًّا لم يكن له أيّ دخلٍ بالمحادثة وتجيب عنه. “بعد إلها عين جهنّم تكون ناطرتنا بالآخر؟ إيه إلها عينتين”. هل جهنّم حقيقة؟ هل التّفاحة تفاحة؟ جهنّم مجازٌ كبير، الله هو ربّ الشّعر والمجازات. نحن نتعوّد في النّهاية، حتّى على حرّ النّار ولو تعالى. هكذا تعوّد السّوريّ على اللجوء من بلدٍ ركله قسرًا إلى بلد ما زال يركله حتّى الدّقيقة. هذه رحلة لجوء من نظامٍ مدكوك في صدر التّاريخ إلى نظام خارج منه كتوأم، منذ البداية، منذ “صفر” التّكوين.

أواخر عام 2011 بدأ اللجوء السّوري إمّا بطرق شرعيّة عبر تقديم طلب لجوء أو بطرق غير شرعيّة تعدّدت أسبابها. كان من أبرزها اللجوء أو الهروب السّريع من الخدمة الإجباريّة كما وصفه صابر (28 عامًا). صابر الشّاب السوريّ المسيحيّ اللاجئ من #سوريا إلى لبنان بخمسين دولارًا فقط. بدأت قصّته مثل قصص الآخرين الّذين أُجبروا على تأدية الخدمة العسكريّة حتّى ولو رفضوا الدّخول في الحرب السّوريّة.

يقول صابر إنّ سوريا الآن لا تعني له شيئًا، ويبرّر إجابته بأنّه ينتمي إلى أماكن متعدّدة لا إلى أوطان كاملة وإنّه لا يحنّ إلى شيء في سوريا إلّا إلى أهله، الرّابط الوحيد الّذي بقي بينه وبين الأرض. يحكي الشّاب عن حياته الماضية بندمٍ تامّ ولا يخفي ندمه، لكنّه لا يعترف بتهمته علانية. لا فرق بين كلّ من تتشابه قصصهم مع قصّة صابر، هي قضيّة واحدة توحّد غالبيّة الشّباب السّوريّ. ولكن الفارق الوحيد بينهم وبين هذا الشّاب أنّه خرج من سوريا حاملًا تهمتين لا مهرب منهما: تهمة الفرار من الخدمة الإجباريّة، وتهمة أنّه “سوريّ”.

“الإعفاءات اللي شفتها بعيني ما طلعت مشان هدول البشر، طلعت مشان الإرهابيّين. كلّها اتّفاقيّات، في صفقة عم تصير. أنت ما بتعرفي فيها، أنا ما كنت رح أعرف فيها لو ما كنت جوّا. الحرب السّوريّة كانت كلها صفقات إرهاب بالبشر”.

عاش صابر في السّجون السّوريّة خمس سنواتٍ من عمره. وضعوه في زنزانة صغيرة مع عدد هائل من البشر، المجرمين بنظر القضاء. يقول صابر عن هؤلاء النّاس إنّهم جميلون، جميلون جدًّا. “المجرمين اللي كانوا جوّا لازم يكونوا برّا، والمجرمين اللي برّا لازم يكونوا جوّا”. ولكن عام 2015 احتاج إرهابيّو الخارج إلى دعم في صفقاتهم. “لمّا يطلع عفو عن إرهابيّين دمّروا البلد بيشمل نصّ مدّة لمرتكبي الإجرام كذا وكذا. واحد مفجّر حاجز، واحد مرتكب عدد هائل من الجرايم بالبشر بيطلعلو خصم نص مدّة!”. يقول إنّه لا للصدفة، بل لأجل مصالح سياسيّة واضحة بدأت تصدر الإعفاءات العامّة العشوائيّة في ظاهرها في قلب السّجون السّوريّة آنذاك.

في عزّ الحرب على دير الزّور دخل ضابط رفيع الشّأن، وبدأ بتوزيع عقود مكتوبة على المساجين. عقود ورقيّة، يبصم السّجين عليها، ويخرج من السّجن ولكن… عليه أن يقاتل في دير الزّور بسبب قلّة العساكر. “ميليشيا. كان يصنع ميليشيا” يقول صابر. بشهادته، سجّل عدد كبير من المساجين الّذين ظنّوا وقتها أنّ هذه فرصتهم للهرب أسماءهم على الورقة، فما إن يخرجون إلى دير الزّور حتى يجد كلّ واحد طريقه ويفرّ إلى لبنان إو إلى أيّ بلد محتمل.

بعد أسبوعين، بالتّحديد الليلة الثّانية من عيد الأضحى خرج كلّ الموقّعين على العقد، بعد مدّة قصيرة وصلت أخبار إلى السّجن مفادها أنّ طائرة بركابها من السجناء وقعت في دير الزّور ومات كلّ من فيها. يقول إنّها كانت عمليّة تصفية متكاملة. منهم من قاتل هناك ومات، ومنهم من نجا وعاد إلى ممارسة حياته ذاتها قبل السّجن فدخل مرّة أخرى السّجون بذات التّهم. “إذا هنّي عم يعاملونا هيك معاملة حطب، ايه شو بدّو يطلع منّا؟ ما رح نكون غير نار!”.

“بسم الله.. باسم الشّعب العربي السّوري، حُكم عليك بالمؤبّد، بالسّجن مدى الحياة وغرامة ماليّة قيمتها لا أعرف كم! بعد الشّفقة والرّحمة خُفض الحكم إلى مؤبّد وغرامة مليون. لو استطعت تأمين ذلك المبلغ لكنت مواطنًا مظلومًا، ظلمتني الدّولة، ولصارت صفحتي بيضاء… لم أستطع شراء حياتي”.

للمصادفة الحتميّة خرج صابر بعد سنوات بعفوٍ عام أيضًا، إلى دير الزّور لأداء خدمته العسكريّة واستطاع الفرار بعد سنة. عندما وصل إلى الأراضي اللبنانيّة بدأ العمل مباشرة في حانة. يعيش صابر ازدواجيّة في الانتماء، وكأنّه ضائع في هويّته. يقول تارةً إنّ سوريا لا تعني له شيئًا، ولكنّه لا ينفكّ يردّد أنّه كان يفضّل لو كان بيده البقاء في سوريا وسط الحرب والمجازر على اللجوء إلى لبنان. بدا الشاب متنصّلًا تمامًا من هويّته السّوريّة وفي لاوعيه يعرف يقينًا أنّه يخبّئ هويّته ويخجل بها أحيانًا ويحمد الله في داخله لأنّه خلقه بعينين زرقاوين حتّى يبدو أجنبيًّا. يقول: “كلمة سوري يعني أنا بكرهك”.

ويُرجع كلّ ما يحدث اليوم الى دوّامة الماضي القديم الّذي لم يشهد عليه جيل الألفين حتّى، الجيل الّذي بدأ عنصريّته ضدّ السّوريين بالوراثة لا غير. نحن نكرّر تاريخنا السّحيق دائمًا، بالحروب، بصدامات الثّأر، وبالأحداث ذاتها. لا شيء يتغيّر إلّا الواقع الزّمني والأسلحة الّتي تطوّرت ولكن الأمكنة والنّاس والميليشيات هي ذاتها. عمومًا صابر لم يحمل سلاحًا في بيروت في التّسعينيات ولم يقف عسكريًّا على أحد حواجز الجيش السوري في الحمرا. غلطته الوحيدة هي غلطتنا جميعًا، أنّنا نرث أخطاء ماضينا، ماضي عائلاتنا ومسؤوليّة قراراتهم السّياسيّة وتاريخ حروبنا الّذي لم نتعلّم منه شيئًا.

بعد الحرب السّوريّة انقسم الشّعب السّوري إلى قسمين لا ثالث لهما، القسم الّذي يسكن في بيوت صالحة أو غير صالحة، يمتهن وظيفة، ويكمل حياته على هذا المنوال. أمّا القسم الآخر فهو الّذي اضطرّ لبناء مدينة شكليّة في مخيّم. بحسب شهادة المتطوّعة زينة في جمعيّة تُعنى بقضايا اللاجئين في المخيّمات في بعلبك، المخيّمات السّوريّة صارت مدينة الدّيستوبيا، يتصرّف فيها أهلها على أنّهم يسكنون في بيوت يستحقّونها ويحاولون الحفاظ عليها بكلّ ما لديهم من قوّة.

يقيمون الدّكاكين ومحال الخضار، ويمرّ أسبوعيًّا باص يحمل معه أنواعًا من المأكولات مثل الدّجاج واللحوم. حتّى السّارق والنّشّال الّذي صار أشبه بالسّاحر والمغتصب والمتحرّش، يتصرّف في المخيّمات على أنّه محترف في مهنته هذه. بحسب شهادتها، حالات الاستغلال في تزايد، خاصّة حالات الاغتصاب. وتعمل هذه الجمعية كغيرها من الجمعيّات المموّلة من منظمة اليونيسيف على نشر الوعي لدى الفتيات والنّساء لتجنّب وقوع مثل هذه الجرائم.

ولكن حتّى لو انتشر الفعل التّوعويّ في هذه الحالات، كيف يمكن لخيمة أن تمنع المغتصب أو السّارق من ممارسة جرمه؟

تقول سلمى (29 عامًا) وهي أمّ لطفلتين إنّها لا تنام ليلًا كاملاً بل تقسم النّوم بينها وبين زوجها على نوبات، ولأنّ الحمامات منصوبة دائمًا خارج الخيم تضطر سلمى لانتظار بناتها في الخارج حتّى تضمن عدم وقوع أيّ مكروه.

الأنكى من كلّ ذلك أنّ المغتصبين يكونون عادةً من منتحلي الشّخصيّات وغالبًا ما يتنكّرون باسم جمعيّة أو جهة رسميّة هدفها المساعدة. ولا تتوقّف المسألة هنا، في ركضنا وراء تحسين حياة اللاجئين في المخيّمات. هذا ترقيع للمشهديّة، الإقامة في هذه المخيّمات تتنافى مع كلّ الشّرائع والحقوق الإنسانيّة. حتّى الحميميّة بين الزّوج وزوجته مفقودة تمامًا، ليس علينا تجاهل هذه التفاصيل الحياتيّة اليوميّة بحجّة اللجوء فقط. فكيف ينجو هؤلاء بمدنهم بأقلّ خسائر ممكنة، رغم أنّ النّجاة في مدنٍ وهميّة كهذه أمر شبه مستحيل؟

عسكر على مين؟ على الآمنين طبعًا

يسأل الصّحافي الشهيد سمير قَصير في مقال شهير في جريدة “النّهار” سؤالًا مهمًّا، يبدو في ظاهره سؤالًا استفهاميًّا لا يحتاج إلى جواب، ولكن بعد كلّ هذا الوقت والآن بالتّحديد الحصول على إجابة لهذا السّؤال أمر ضروريّ وحتميّ حتّى لو كُسرَت القواعد: عسكر على مين؟ على المواطنين؟

لم تعد القوى في لبنان تتعسكر على المواطنين الللبنانيّين فقط، لم تعد تكترث على من تمارس سيطرتها فالمواطن السّوري قد وقع مع اللبناني في هذه الدوّامة ما إن دخل إلى الأراضي اللبنانيّة.

ولا تنفكّ تكمل القوى العسكريّة – بشهادة معتَقلين سوريّين – ما بدأه النّظام السّوري في الأراضي السّوريّة من تنكيل وملاحقات واعتقالات وعمليات خطف عشوائيّة. الأسماء السّوداء الميتة على الأوراق السّوريّة هي ذاتها على الأوراق بين أيدي السلطات اللبنانيّة، تنتقل بين الأيدي المتحالفة تحت الطّاولة. عسكرٌ يسلّم إلى عسكرٍ عبر الحدود.

“قال الأمن لأهلي انو ما فينا نجيب ابنكم من هديك المنطقة. نحن غير قادرين. ادفعولهن مصاري أو حلّوها لأنّو هدول مجرمين. بس طبعًا نسّقوا معنا بكل شي بصير على أمل تجيبوهن ع ساحة شتورا أو ع منطقة قريبة. بس طلعت قلتلن بعتذر انّو انخطفت”.

بدأت قصّة النّاشط السّوري محمد (وهو اسم مستعار)، على طريق عام مليء بالنّاس، وأمام مستشفى الرّحمة ما بين شتورا وبرّ الياس، الّتي كانت محاطة برجال الأمن ولم يحرّك أحد منهم ساكنًا. هو الّذي دخل إلى موقف سيارات مستشفى الرّحمة محتاطًا من السّيارة السّوداء الّتي كانت تلاحقه. لحقوا به إلى أمام باب المستشفى واختطفوه هناك مطلقين عليه الرّصاص الحيّ ما أصابه إصابة طفيفة في رأسه. حاول أهله التواصل مع الأمن ولكنّهم لم يستطيعوا تقديم المساعدة أبدًا متذرّعين بأنّ الخاطفين هم مجرمون مطلوبون للعدالة، كلّ ما استطاعوا تقديمه – بحسب زعمه – هو القول إنّ على محمد استدراجهم إلى مكان قريب من منطقة شتورا ليُلقى القبض عليهم. خرج محمد ولكن عمليّة الخطف لم تتوقّف هنا، فتابع الخاطفون التّواصل مع زوجته من هاتفه الّذي بقي محتجزًا عندهم، مع الهويّة والإقامة وجواز السّفر لاستدراجه لدفع المزيد من المال بغية استرداد ما سلبوه منه من أوراق.

استدرجهم إلى ساحة شتورا بتنسيق مع الأمن ولكن بشهادته لم يفعل الأمن ما وعد به. “بس طلعت صرت أنا المتّهم عند الفروع الأمنيّة. قالولي انت انخطفت تمام وطلعت الحمد لله عالسلامة بس انت ممكن تكون شريك معهم، ممكن تكون مختلف معهم على شحنة مخدرات أو سلاح أو كنتو خاطفين حدا قبلك واختلفتو على فدية انت كنت لاطشها وخطفوك ليصفّوا حسابهم. قلتلو سِيدي بعتذر إنّو انخطفت”. ما زالت الجهات الحزبيّة تهدّد حياة السّوري باستمرار بأكثر الطّرق عبثيّة. وهذا ليس مستَهجنًا، من قِبَل اللبنانيّين على الأقلّ. لطالما عاشوا في انفلاتٍ أمنيّ، عسكريٍّ، وحزبيّ. على من؟ على المواطنين مثلهم؟ وأين الأمن في كلّ ذلك؟

في مقابلة حصريّة مع ضابط رفيع الشّأن في قوى الأمن الدّاخلي فضّل عدم الكشف عن اسمه، متسائلين عن أساليب الحماية الّتي تقدّمها القوى الأمنية للاجئين المضطهدين في لبنان، صرّح بأنّ القوى الأمنيّة في لبنان داعمة بشكل مطلَق لكلّ حقوق الإنسان وأنّهم لا يخالفون ذلك مهما كانت جنسيّة المواطن. كما أكّد استعدادهم الدّائم لحماية اللاجئين السّوريين، نافيًا أيّ اتّهام مفاده تقاعس القوى الأمنيّة عن تقديم الحماية وتوفير الأمن الدّائم، وذاكرًا أنّ ثقافة المواطنين عمومًا ضئيلة في ما يخصّ مسائل قانونيّة كهذه، لذلك عادةً ما يلجأ المواطن أو اللاجئ إلى الجهات غير المعنيّة بطلبه، مشيرًا الى أنّ النّيابة العامّة هي المسؤولة عن قضايا كهذه.

حلم سمير قَصير لم يتحقّق بالطبع وهو الّذي قال: “ما أحلم به بسيط بساطة الإيمان بالغد.. بلاد متحرّرة من الأنانيّات الطّائفيّة والعائليّة. دولة تكون ملك المواطنين جميعًا، والمواطنين وحدهم (…) ثقافة ديموقراطيّة تستعيد زخمها لتسهم في تجديد الدّيمقراطيّة العربيّة، ثقافة تنحاز لتحرير فلسطين ولا تخشى حرّيّة سوريا والعراق…”. سمير الصّحافي المائل إلى الوضوح دائمًا، يستخدم تعبير “تخشى” ليؤكّد أنّ كلّ ما يحدث دائمًا ضدّ سوريا هو خشية مما قد ينتج عن حرّيّتها، وحرّيّة الصّحافة الّتي تنطق باسمها. يد الانتهاكات في لبنان لم تقصّر في التّطاول على الصّحافيّين السّوريّين بذريعة قانون العمل الصادر عام 2016 الّذي ينصّ على منع السّوريين من العمل في كلّ المهن والحرف المحصورة باللبنانيّين باستثناء ثلاثة منها وهي الزّراعة والبناء والبيئة، وهذا ما يسلّط عليه الباحث الحقوقي في مركز “وصول لحقوق الإنسان” صالح ملص في تقرير نشره مركز “وصول” سابقًا.

برأي الصّحافي السّوري أنس إدريس المعروف بـ”أحمد القصير” الصّحافة هي إظهار الحقيقة مهما كان الثّمن، وتلك الحقيقة هي الّتي تساعد في كشف الظّلم الّذي يتعرّض له المواطن السّوري في كلّ نواحي الأرض حتّى لو كانت الصّحافة عمليّة انتحار مستدامة. أحمد كان دفع الثّمن حين اعتُقل عدّة مرّات في الأراضي اللبنانيّة نتيجة ممارسة عمله الصّحافي وقد وثّق مركز سمير قَصير كلّ الانتهاكات والاعتقالات الّتي تعرّض لها القصير. اعتُقل أحمد في 2014 للمرّة الأولى في منطقة جبيل لمدّة 13 يومًا ولم تُوجَّه أيّ تهمة للصحافي غير أنّهم لم يقتنعوا بأنّه كان صحافيًّا على الرّغم من أن الصّور الّتي كان قد التقطها على هاتفه تدعم عمله في هذا المجال. ثمّ عاد واعتُقل عند حاجز عسكري بسبب إقامته. وللمرّة الثّالثة اعتُقل وطُلب للتحقيق ومُنع من التّصوير في ساحة النّور أيّام ثورة 17 تشرين بعد حملة اتّهام للصّحافيّين السّوريين من قبل تيارات حزبيّة بارزة، بانتسابهم إلى “داعش” وقد كتب مركز سمير قصير في هذه الحادثة. أحمد وأمثاله من الصّحافيين السّوريين أُجبروا على توقيع تعهّدات تمنعهم من التّصوير أو الكتابة أو ممارسة أي عمل صحافي يخصّ الشّأن اللبناني، وكلّ هذا يعود إلى عقيدة راسخة وهي “انتَ سوري شو دخلك؟”.

فادي قرقوز السوري الملقّب إعلاميًّا بـ”فادي سوني” والّذي عمل مصوّرًا صحافيًّا من عام 2008 في سوريا، نزح عام 2013 إلى لبنان هو وعائلته بعد حرب القصير وتابع عمله في قنوات الجزيرة والعربيّة وأورينت نيوز. في عام 2017 تعرّض فادي لمضايقات من عناصر داعش في منطقة عرسال اللبنانيّة، عندما كانت داعش وجبهة النّصرة في عزّ سيطرتهما على عرسال بعد الاشتباكات الشّهيرة مع الجيش اللبناني. قدّم فادي شكوى للأمن العام في عرسال طالبًا تصريحًا بتقديم طلب للحصول على أوراق الإقامة في الأراضي اللبنانية بعد أن كان قد دخل لبنان خلسةً. اعتُقل فادي يومها بعد أن اكتشف أنّه من المطلوبين للأمن العام في بيروت. ترحّل إلى شعبة المعلومات في بيروت دون أن يدرك طبيعة التّهمة الّتي اعتُقل على إثرها. يقول فادي إنّه في التّاسعة صباحًا من اليوم التّالي دخل غرفة التّحقيق. “قلّي فادي انتَ قاتلت الجيش اللبناني عام 2014؟ قلتلو أكيد لأ، أنا بالثّورة السّوريّة ما حملت سلاح وسلاحي هو كاميرتي. ايه هون أوّل بوكس طعوجلي وجهي”.

تعرّض الشّاب الصّحافي للتّعذيب الجسدي والنفسي وحبس في خزانة خشبيّة ضيّقة لمدّة 17 يوماً، كلّ ذلك لأنّه كان من المعارضين للّنظام السّوري. “يقلّي انت كنت عم تغطّي أحداث سوريا! قلتلو أكيد. قال لأيا جهة؟ قلتلو قصف النظام لأنّي من معارضينو. هو بلش يضربني لحد ما غيب عن الوعي.. قلتلو ما بحقلك تحكيني بهالموضوع اذا معارض أو غير معارض. انت بحقلك تحاسبني شو عامل بلبنان”.

بشهادته، صعقوه بالكهرباء، عذّبوه بالضّرب المبرّح، وبصم فادي على سبع أوراق لا يعرف ما المكتوب فيها تحت التّعذيب. في ما بعد اكتشف أنّ التّهم الّتي لم يعرف الشّاب يومًا أنّه قام بها هي تصوير لقاء مع داعش، تصوير لقاء تلفزيوني مع جبهة النّصرة، توزيع الأغذية، وتفجير ملّالة عسكريّة. بعد تحويله الى الوزارة لمدّة ثلاثة أيّام ظنّ أنّهم لن يتعرّضوا له بالمزيد من الضّرب. “قالولي ضربوك؟ قلتلهم إيه كتير. هون قلت معناتو ما رح يلمسوني هدول. بعد شوي قلي إيه لسه ما شفت شي”. قضى ستّة أشهر في الثكنة العسكريّة في صيدا حتّى تم تحويله بعدها إلى المحكمة العسكريّة في بيروت، وما إن عرف القاضي باسمه حتّى أجّل المحاكمة مباشرة خمسة أشهر ونصف الشهر. بعد انقضاء المدّة وقف فادي أمام القاضي ثانيةً بمرافعة المحامية اللبنانية هالا حمزة الّتي عيّنتها عدّة منظّمات صحافيّة منها مركز سمير قصير، ودفع بعدها بثلاثة أيام الغرامة الماليّة الواجبة عليه وأُطلق سراحه. “ملفّي تسكر لأن كانو عاملين فيني تقرير جاهز. تهمتي جاهزة وأيّ سوري تهمته جاهزة”.

وتطول قائمة التّهم الجاهزة الّتي صارت تولد مع السّوريّ في المهد: رغبته في التّوطين، سرقة فرص العمل، هناك صلة بينه وبين الإرهاب، مسؤول عن زيادة نسبة الجريمة… هذه الاتهامات لن تفضي إلى شيء، في ظلّ يقين باستحالة العودة إلى بلدٍ مدمّر بالكامل والعيش فيه خطر دائم. وهذا ما أكدّته “هيومن رايتس ووتش” في تقرير صدر في 20 تشرين الأوّل/2021 ينصّ على التّعذيب والانتهاكات الجسيمة الّتي تعرّض لها اللاجئون العائدون إلى سوريا من لبنان والأردن. وهذا كلّه مشغول بعناية فلا أحد من الأطراف الثّلاثة الغربيّة والسّوريّة واللبنانيّة يريد عودة اللاجئين بلا فائدة. كلّ طرف يضغط على الطرف الآخر بغية المساعدات لماليّة والاقتصاديّة والمعيشيّة، ما حوّل قضيّة اللجوء السوري من قضيّة إنسانيّة إلى سياسيّة تمامًا.

الشّام صارت مدينة للجزّارين. لم يعد أهلها يملكون أيديهم كي يردّوا عنها هذه التّهمة. لقد سقطت سهوًا فيها. “هذا البلد لم يعد لنا، صار لهم. من هم؟ لا نعرف. ولكنّهم كثر”. قال وَجدي، اللاجئ من سوريا إلى بيروت. كلّ شيء كان انفجارًا لخبايا حملها التّاريخ. هذا التّاريخ الّذي كان يلعب بالرّؤوس البشريّة لعبًا، ويكرّر تاريخه السّحيق، ويجد دائمًا وعبثًا رقابًا لكي تُقطع. هذا الموت متوارث وهذه الخيبة متوارثة أيضًا. اعتدنا هذا الموت المفاجئ وصارت دهشتنا مجرّد شعور دخيل على المشهد. صارت الدّهشة مجرّد فعل عفويّ مستطرد من المذبحة.