الرواية الإيرانية المصوّرة «جنة زهرة»: الدولة الدينية كمقبرة كبيرة تحتوي الجميع

 

محمّد عبد الرحيم
May 30, 2018
القدس العربي

القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: كعادة الدول التي تتبنى فكرة الديانة لقيامها، وبالتالي تستمد وجودها من ترديد أفكار ومقولات دينية، بغض النظر عن هذه الديانة أو تلك، نجد أن هذه الدول ترى في كل مخالف لها في الرأي والرؤية مجرّد (آخر) يجب استبعاده والقضاء عليه، وبالتالي لا وجود لخلاف في رأي، وإلا ستكون الخصومة مع الله ــ من وجهة نظرهم ــ لأن هؤلاء هم يد الله التي لا تعرف الرحمة.
ولعل النموذج الإيراني هو التجسيد الحي لنظرية الحكام بأمر الله ــ النموذج نفسه نجده في العربية السعودية رغم العداء الوهمي بينهما، وكذلك إسرائيل ــ حتى تظل السلطة الدينية مُسلطة على رقاب العباد. إلا أن الواقع المرير الذي تعيشه إيران، من الممكن مواجهته بالخيال المتجسد في الفن، ولعل السينما الإيرانية خير شاهد على انتقاد النظام السياسي والاجتماعي ولو بطريق غير مباشر، أو في صورة حادة، كما في فيلم «برسيبوليس» للإيرانية مرجان ساترابي عام 2007. كذلك بعض النصوص الأدبية، لكن الجديد أن تصبح الميديا والتكنولوجيا سلاحاً لمواجهة القمع البوليسي لدولة مثل إيران، فمن خلال إحدى المدونات جاءت رواية مُصوّرَة (كوميكس) تسخر وتندد وتفضح النظام الديني الحاكم في إيران. ومن خلال المدونة أصبح العمل منشوراً في كتاب، يحمل اسم «جنة زهرة»، وباسم مؤلف وفنان كوميكس وهميين، هما «أمير» و«خليل» خشية مطاردة السلطات بالطبع، وبين أمير وخليل وزهرة يتم الكشف عن الحال الذي يعيشه المواطن الإيراني، خاصة في لحظة فارقة قريبة زمنياً إلى حدٍ ما، وهو ما أطلق عليه (الحركة الخضراء) التي نجح النظام الإيراني في القضاء عليها، بدون القضاء على الروح الثوري ــ كحال الربيع العربي ــ مهما تجلت مظاهر القوة الوهمية لهذه الأنظمة الموهومة في ذاتها.

الحركة الخضراء

كانت الحركة الخضراء المُبتسَرة، التي قامت في إيران عام 2009، بعد نتائج الانتخابات، والتي لم تكتمل بكل أسف لتتحول إلى ثورة، والتي قمعتها السلطة الدينية الإيرانية بكل عنف، بدعم من رجال الدين الذين حرّموا الخروج عن الحاكم، كدأبهم دوماً، خدماً لكل سلطة قمع.
هذه الحركة رغم عدم تحققها، إلا أنها أرهصت بحركات ومقاومات أخرى على أصعدة عدة ــ ربما ستكون نواة لثورة كبيرة مقبلة، ووقتها سنرى كلا من إيران والعربية السعودية في اتحاد علني للمرّة الأولى ــ فقام مدوّن اتخذ اسماً وهمياً « أمير»، بتأليف الرواية، وهو يعمل في الأصل في مجال حقوق الإنسان والصحافة، وإخراج الأفلام الوثائقية. أما تصميم الموقع ورسم الشخصيات فجاءت عن طريق «خليل»، وهو بدوره اسم وهمي، وذلك لحماية حياتهما. وقاما بكتابة وتصميم رواية تحمل اسم «جنة زهرة»، حيث تتعرض تفصيلياً لأحداث الحركة الخضراء، والبشاعة التي واجه بها النظام الإيراني هذه الحركة.
بدأت الرواية كسلسلة حلقات في المدونة التي تحمل اسمها «جنة زهرة»، ثم صدرت مؤخراً في كتاب بالألمانية والإنكليزية، إضافة إلى أن المدونة، التي تحولت الآن إلى موقع للرواية، التي ربما لن تنتهي أحداثها إلا بسقوط الجمهورية الإسلامية ــ يتم تحديث أجزائها يومي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع ــ نجد أنه متوفر بالعديد من اللغات الآن، ومنها العربية مؤخراً.

مخلوقات نجسة

تبدأ الرواية بمشهد افتتاحي يلخص الحالة التي يعيشها الناس في ظل دولة الثورة الإسلامية، خاصة هذا الجيل من الشباب. فهناك صبي صغير يعيش في مكان جبلي من جبال إيران، يقوم بإطعام بعض الجراء، الذين يلعبون حول أمهم، ويطلق عليهم أسماء شخصيات من شاهنامة الفردوسي، ملحمة فارس العظيمة، ثم يرتفع صوت المؤذن ليستفيق الصبي، ويعدو إلى البيت في رعب، ليجد والده المتجهم والمتحفز في انتظاره، ليخرج بالصبي، ثم يُمسِك بالجراء التي تبعت الصبي، وكذلك أمهم، ويضعهم في كيس، ثم يضربهم حتى تسيل منهم الدماء، ثم يرمي الكيس في النهر، بما أنهم مخلوقات نجسة ــ حسب تعبير الأب ــ ليطفو الكيس قليلاً، ثم يغرق في الماء!

جنة زهرة

«زهرة» امرأة فقدت ابنها «مهدي» الناشط الحقوقي في احتجاجات 2009، وهي تبحث عنه في كل مكان بدون جدوى.. الشوارع، البيوت، المستشفيات السجون والمعتقلات. وهذه الرحلة التي تكشف أدق تفاصيل المجتمع الإيراني، يقوم بتدوينها الابن الأصغر «حسن» في مدونة بعنوان «جنة زهرة». ولكن للاسم مدلول آخر، فهناك مقبرة كبيرة باسم «جنة الزهراء» تقع في ضواحي طهران، وسميت على اسم «فاطمة الزهراء» ابنة نبي الإسلام، حيث تحتوي هذه المقبرة على أكثر من مليون قبر، وكذلك على قبور الأشخاص الذين سقطوا في الاحتجاجات. ففي النهاية ستزور «زهرة» هذه الجنة للبحث عن ابنها النفقود، التي فشلت في إيجاده على الأرض.

مشانق السيد المعصوم

جاءت المواقف في الرواية وإن بدت غرائبية، إلا أنها تنطلق من النظام الحاكم ذاته، بداية من المرشد الأعلى، المعصوم وصاحب السلطة المطلقة، واعتباطية التوفيق بين «الإسلام» و«الجمهورية»! فالواقع أشد تناقضاً وهزلاً من سلوك وتعليقات شخصيات الرواية، فسائق التاكسي يعبّر عن هذه التناقضات في عدة مواقف كقوله مثلاً «كلّ شيء في هذه المدينة مسمى بالموت» فالشوارع تحمل أسماء شهداء الحرب الإيرانية العراقية، وعندما يمر بطفل يتسول، يتساءل ساخراً «ما هو الإسلامي في هذا؟!»، وعندما يمر بميدان تم شنق البعض به، يقول «المسيحيون لديهم الصليب، ونحن لدينا الجماجم/المشانق». كما يعلق «العم» على طبيعة جهاز الاستخبارات قائلاً «أنتم مثل الذباب المحاصر في شِباك عنكبوت مخفية، من منتجات سيمنس ونوكيا وغيرها من هذه الأسماء. أم أنكم تعتقدون مثلاً أن الإيرانيين هم من يديرون المخابرات الإيرانية؟». أما داخل البيت الإيراني فالعلاقات وتبريراتها تكاد تكون عجائبية في ظل مجتمع الرعب هذا.. فتضطر «مريم» وهي مسيحية، وصديقة «زهرة» لإخفاء السلسلة التى ترتديها خلف حجاب واسع لمجرد أنها تعلق الصليب، بينما المرأة المسلمة تتقبل تدخين صديقتها وشربها الويسكى فى منزلها بدون حرج، المهم ألا يخرج هذا الخبر خارج جدران المنزل. وكعادة كل نظام ديني قمعي بالأساس، المهم ألا يخرج الأمر خارج نطاق المنزل/الدولة، ولكن في ظل ثورة الاتصالات هذه، ستنكشف الحقائق، ولو بقدر، وهذا بدوره سيفضح هذه النظم، والدول الأخرى المتواطئة معها، مهما ادّعت وتغنت بغير ذلك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*