الروائي العربي في منفاه اللغوي


يهرب إليه بقدم ويترك قدمه الأخرى منغرسة في الأرض التي ينتمي إليها

محمد العباسربما يكون هاجس العالمية هو الذي دفع رجاء عالم إلى إصدار روايتها الأخيرة «سراب» باللغتين الإنجليزية والألمانية، قبل صدورها بلغتها الأم (العربية)، وليس حساسية موضوع الرواية المتعلق بقصة حُب متخيلة مستوحاة من حصار الحرم عام 1979.

الأمر الذي يمكن تسجيله في خانة ازدراء القارئ العربي، على اعتبار أن الكتابة بلسان الآخر الغالب هي أقصر الطرق إلى العالمية. وهذا اختيار طوعي غير مدفوع بأي عوامل قسرية، كما حدث لبعض كُتّاب المغرب العربي، الذين كتبوا تحت وطأة لغة المستعمر، كما عبر عن ذلك مالك حداد بقولته الشهيرة «الفرنسية منفاي»، أو كما يستذكر الروائي الكيني نغوغي واثيونغو عذابات من يتكلم لغة «الغيكويو» في المدارس التبشيرية في أثناء الحقبة الاستعمارية، حيث الضرب والسحل لمن يتحدث أو يكتب بغير اللغة الإنجليزية.

أحمد أبو دهمان أيضاً كتب روايته «الحزام» باللغة الفرنسية، قبل أن يصدرها باللغة العربية. وهو ينحدر أيضاً من فضاء مكاني لم يخضع للاستعمار الفرنسي، وبالتالي لم يكن مرغماً على التعبير عن حضوره الروائي بلسان الآخر، خصوصاً أن الرواية تتحدث عن قرية آل خلف المسترخية على قمة جبال السروات في السعودية، ولا صلة لها بالفضاء الباريسي. وبالتالي فهي تنتخب، بشكل آلي، قارئها المحلي، والعربي على أكثر تقدير. ولكن يبدو أن كاتبها أراد أن يخاطب الآخر البعيد، قبل أن يلتفت إلى قارئه المحلي. وهكذا، صدرت الرواية بذلك الشكل المقلوب، لتقدم الدليل على أولويات التعبير اللغوي عند بعض الروائيين العرب.

والحديث هنا عن الروايات المكتوبة بلسان الآخر، أي داخل ما يمكن أن نسميه المنفي اللغوي، الذي يؤرخ له كظاهرة أدبية ببداية ومنتصف الخمسينات من القرن الماضي، من خلال روايات أحمد الصفريوي، ومولود فرعون، وإدريس الشرايبي، حيث كانت ثقافة ولغة المستعمر هي المهيمنة، وهي الوعاء الأمثل للتعبير عن الوجود. كما استكمل ذلك الحضور ببروز أسماء ذات صيت أدبي في منتصف السبعينات، كرشيد بوجدرة، ومحمد ديب، والطاهر بن جلون الذي تُوج بجائزة «الغونكور» عام 1987 عن روايته «ليلة القدر»، ثم أمين معلوف الذي حصل على الجائزة ذاتها عن روايته «صخرة طانيوس» عام 1993، وصولاً إلى عام 2016، حيث حصدتها ليلى سليماني عن روايتها «أغنية هادئة».

قائمة الروائيين بلسان الآخر طويلة، من مختلف الأجيال ومختلف الأقطار، حيث تضم آسيا جبار، ورشيد ميموني، والظاهر جاووت، وياسمينة خضرا، وبوعلام صلصال، وسليم باشي، وكمال داود، ومحمد خير الدين، وحبيب عبد الرب سروري، وليلى الدباغ، وأنور حامد، والبير قصيري، وغيرهم ممن فضلوا العيش في المنفى اللغوي بذرائع واضطرارات مختلفة، إلا أن العنوان الأبرز لكل تلك الانتحاءات هو الخيار الطوعي، وكأنهم يؤكدون قولة كاتب ياسين بشأن اللغة: «الفرنسية غنيمة»، بمعنى أنها خيار وليست فريضة، وذلك من أجل تحقيق مجد شخصي، بالنظر إلى أن السرد الروائي في جوهره هو استظهار لوعي (الأنا) في المقام الأول، إذ نال معظم أولئك جوائز مرموقة وسمعة أدبية ذات قيمة باختلاف اللغات التي كتبوا بها.

وتغليب الروائي العربي فكرة الكتابة بلسان الآخر ليست استثناءً عربياً، بل هي جزء من ظاهرة كتابية عالمية مؤكدة بالتغيّر الدائم في مواضعات الكتابة الروائية على مستوى العالم، تحت ما بات يُعرف بالكولونياليات الثقافية، التي تقر سرديات الأقليات كصوت ثقافي تحت مظلة الثقافة المركزية، كما تتمثل في الفرانكفونية والأنغلوسكسونية والجرمانية. وإذا كان الكاتب العربي قد سجل اختراقاً ومكانة في الأدب الفرانكفوني، بحصد أكبر جائزة فرنسية، وهي «الغونكور»، فإنه لم يسجل ذلك التقدم بالنسبة لجائزة «البوكر» البريطانية، التي كانت في الماضي حكراً على كُتّاب دول الكومنولث، حيث فاز بها النيجيري بن أوكري، والهندية أورونداتي روي، ثم كيران ديساي، والجامايكي مارلون جيمس، كما فاز بها الكندي من أصول سيريلانكية مايكل أونداتجي، والبريطاني الهندي سلمان رشدي، وهكذا.

أما الروائي العربي، فلم يكن نصيبه أبعد من القائمة القصيرة، حيث دخلت المنافسة أهداف سويف عام 1999 بروايتها «خارطة الحب»، وهشام مطر عام 2006 بروايته «في بلد الرجال»، في الوقت الذي حصد فيه رفيق شامي مجموعة من الجوائز الألمانية.

وعندما تصاعدت ظاهرة الكتابة الروائية بلغة الآخر، ساد اعتقاد في الأوساط الثقافية العربية بأن تلك الموجة ستنكسر، في ظل المد العروبي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وسيكون للتعليم دوره في الحد من تماديات تلك الظاهرة.

والأهم أن الأدب، ممثلاً في الرواية، سيكون له الدور الأبرز في صد الكولونيالية الثقافية. ولذلك كانت المعارك الأدبية تتصاعد إثر صدور أي رواية بلغة الآخر. ولكن مع مرور الوقت، وفي ظل مهبات العولمة الجارفة، تحولت الظاهرة إلى أمر واقع، لدرجة تقعيد ذلك اللون الكتابي والاصطلاح عليه في المغرب العربي – مثلاً – كأدب فرانكفوني مغاربي مكتوب باللغة الفرنسية، بمعنى أنها صارت حالة معرفية أدبية أكثر من كونها معركة احترابية مع الآخر. ومع بداية الألفية الجديدة، خفت الحديث عن كون الظاهرة حالة من الاغتراب الذاتي والهوياتي، وصار يُنظر إليها كعنوان من عناوين اللحظة المعولمة.

وبمقتضى اللباقة العلمية، لا يمكن التعامل مع مجمل الظاهرة من زاوية أحادية. فهناك روائي يكتب بلسان الآخر اضطراراً، لأنه ككائن مزدوج اللغة، لا يمتلك القدرة الأدائية المثلى للتعبير الروائي عن وجوده باللغة العربية، مقارنة باللغة الأخرى التي يتقنها، ويفضل التمثّل الوجودي بها. وهناك روائي بلغ به اليأس من المؤسسة الثقافية العربية، والقارئ العربي تحديداً، حد الفرار إلى قارئ آخر يتوهم أنه سيفهمه ويقدر جهده.

وهناك روائي يفتعل أزمة هوياتية، ليبرر انتقاله الطوعي إلى المنفى اللغوي. وهناك روائي يتكئ بقوة على مكتسبات العولمة، ويعتبر نفسه أحد روائيي الجيل المعولم الذي لا تحده لغة، ولا يحتضنه مكان، ليجد له محلاً في المجتمعات الثقافية المعروضة تحت بقعة ضوء باهرة، وذلك من خلال تلبس لغتها.

كل تلك الدعاوى لا تصمد قبالة واقع المنجز الروائي للكاتب الذي يهرب إلى المنفى اللغوي بقدم، ويترك قدمه الأخرى منغرسة بعمق في الأرض التي وُلد فيها وانتمي إليها، إذ لا تخرج معظم موضوعات تلك الروايات عن مناقدة المجتمع الذي ينتمي إليه الروائي، وتسجيل الحنين إلى ماضيه، وتوجيه حزمة من الاتهامات المستهلكة إلى مجمل العادات والتقاليد، إلى آخر متلازمة جلد الذات وتمجيد الآخر التي تمليها نظرية «اللغة والواقع»؛ حتى الروائي الذي يقيم في الفضاء الجديد يظل يكتب عن فضائه القديم، لأن الرواية بقدر ما هي خبرات لا مادية (لغة وأسلوب وآراء) هي خبرات مادية (تجارب وحياة معيشة وذكريات ومواقف).

تلك موضوعات نقدية ملحّة، وتشكل ذخيرة ضرورية لأي روائي عربي، ولكنها لا تهم القارئ الغربي بقدر ما تغذي الحسّ الاستشراقي عند المؤسسات الثقافية الضالعة في تقديم صورة نمطية عن الإنسان والمكان العربي، حيث يُلاحظ أن بعض من يكتبون رواياتهم بلغة الآخر هم محل احتفاء إسرائيلي، وفي الغالب يقفون على الضد من القوى الاجتماعية والدينية خارج النص، كما تفصح عن ذلك معاركهم الإعلامية. وكأن الرواية مجرد منصة للاشتباك مع الجمهور. هذا بالإضافة إلى أن الروائي العربي الذي ينفي نفسه بنفسه في لغة الآخر إنما يوجه رسالة جارحة للقارئ العربي، إذ يضعه في مرتبة متأخرة في سُلم أولوياته. وهو لا يتجاهله تماماً، بل يفضل أن يطل عليه مترجماً، بدليل ترجمة معظم الروايات التي كُتبت بلغات الآخرين.

إن الروائي الذي يولد وينشأ بين لغتين يتمزق في الواقع بين هويتين، وبالتالي فهو يعيش حالة من الانفصام إلى أن ينحسم خياره في نهاية المطاف باتجاه لغة هي بمثابة الرداء الروحي لهويته، أو هي بيته كما يصف هايدجر المنزع اللغوي للكائن، لأن اللغة بقدر ما هي قوانين مفرداتية ونحوية وصياغية فهي نظام روحي.

وهكذا هو النص الروائي، فهو يتجاوز كونه مادة تلفظية إلى حافة الخطاب، وهو ما يعنى أن من يستشعر نقص لغته إزاء لغة الآخر، فيقفز مهاجراً خارج لغته، ويصمم حساباته الإبداعية بمعزل عن أشواق القارئ العربي، فهو إنما يخرج من بيته، ويعيش مغترباً في منفاه اللغوي، مرتضياً العيش في كولونياليات ثقافية بديلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*