الرئيسية / home slide / الروائي الجزائري الكبير يبحث عن ذاكرة بيروت في “البيكاديللي”… واسيني الأعرج لـ”النهار العربي”: ما زلتُ أبحث عن قبر والدي وروايتي تكشف تاريخنا المخفيّ

الروائي الجزائري الكبير يبحث عن ذاكرة بيروت في “البيكاديللي”… واسيني الأعرج لـ”النهار العربي”: ما زلتُ أبحث عن قبر والدي وروايتي تكشف تاريخنا المخفيّ

05-11-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

ديانا سكيني

ديانا سكيني

أضف للمفضلة
الروائي الجزائري واسيني الأعرج.

يعتمر #واسيني الأعرج قبعة الروائي المؤرخ أبداً. انتماء العمل الى أي صنف #أدبي لا يعفيه من الغوص في التاريخ ووثائقه وتقاطعاته، وصولاً الى مرتبة الإنصاف التي يبحث عنها المفكّر الاستقصائي. والبحث في الماضي ترميم لذاكرة مشوّهة أو مندثرة أو مزوّرة. على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب، كان لقاء منتظراً مع الروائي الجزائري واسيني الأعرج في حوار أطلّ على أعماله الأخيرة التي كثّفت مهمة روايته في نسج المشترك الانساني وصون حقبات جميلة وحمايتها من الاندثار الذي يؤسس له الإهمال الثقافي المتمادي.

حوار “النهار العربي” مع الكاتب الكبير حاصد الجوائز تنقّل من “القبر المفتوح” الذي يحاكي سيرة جُرح وفاة والده المناضل تحت التعذيب وضياع جثته، الى الذود عن #مي زيادة وما تمثّل من سيرة مظلومة، الى “عازفة البيكاديللي” التي تحكي قصة بيروت التي نحب بصخبها وكوزموبوليتها ذات يوم، طارحاً إشكاليات الرواية التاريخية ووظيفة السرد اليوم. في الحوار، يكشف الكاتب تفاصيل روايته الجديدة “عازفة البيكاديللي”، وكتابته مسلسلاً عن سيرة قبر والده، وعن مسار البدء بتحويل رواية مي زيادة مسلسلاً.

عازفة البيكاديللي

 وقع صاحب “#حارسة الظلال” على “صيد أدبي ثمين” في مسرح قصر البيكاديللي في شارع الحمراء البيروتي. كيف حدث أن أحداً من الروائيين والكتّاب والمسؤولين اللبنانيين لم يخطر له أرشفة تاريخ مكان عظيم اكتنز أبعاداً لبنانية وعربية وانسانية؟ سؤال لا يجد له الكاتب جواباً.

تصدر رواية “عازفة البيكاديللي” (دار الآداب) تزامناً مع معرض بيروت الدولي للكتاب المرتقب في ديسمبر/ كانون الأول. هي “قصة عازفة بيانو على المسرح الشهير الذي كانت تصعد من إحدى زواياه الآلة الموسيقية، وما ان ينتهي العزف حتى تنزل مجدداً”.

ماذا يريد واسيني الأعرج القول؟ يجيب بأن “المشكلة لبنانية عربية، وكل المعالم التي تعني أجيالاً تذهب وتندثر. وعلى المستوى الرمزي، كان البيكاديللي مكاناً يجمع كل القوى، وهو مكان لم يقصف طوال 15 عاماً من الحرب الأهلية. جمع المكان أناساً من اتجاهات مختلفة في زمن كانت فيه بيروت عاصمة كوزموبوليتية وعربية وديموقراطية وحاضنة جميلة. أقول بأن إمكانية الحبّ والسلام متوافرة، وتحتاج الى أناس يفكّرون، وأن محوَ المعالم تدمير لذاكرة لبنانية وعربية وانسانية، وأنا واحد من جيل لا يريد لذلك العالم أن ينتهي. لم أغلق صفحة ذلك الزمن لأن الأمر يمسّني. وعملي حفظ الذاكرة من التلف، وتعجبت لعدم وجود أبحاث كافية عن البيكاديللي، أو كتب، وسألت مختصين كثراً. وأخذنا نشحد الصور القديمة، واستغربت كيف مرّ الموضوع على كتّاب وروائيين لبنانيين…”.

مي زيادة

وسبق للرمزيات العابرة للبلدان أن اجتمعت في “مي ليالي إيزيس كوبيا ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفوريّة”، الرواية التي “أشبِعت بحثاً لسنتين”. يخبرنا واسيني الأعرج: “بقيت 15 يوماً في الجامعة الأميركية في بيروت، والتي استضافتني حين علمت أني أغوص في شخصية مي زيادة. هناك وجدت محاضرتها التي دحضتْ بنتيجتها اتهامها بالجنون”.

يسترسل الروائي الجزائري في الحديث عن سيّدة بحثت عمن ينصفها، فتلقف المهمة بشغف المدافع عن النساء والمظلومين، “كانت مي متهمة بالجنون من ابن عمها. وحين مات والداها وبعدهما جبران، أصيبت بصدمة نفسية وكآبة، والأمر كان يمكن أن يعالج من دون الوصول الى حدّ إدخالها “العصفورية” (مستشفى الأمراض العقلية). حفر الألم عميقاً في نفس مي التي أحبت ابن عمها وتعلّقت به، وحين حصل على منحة لدراسة الطب في فرنسا، هاجر ولم يخبرها، مخلفاً صدمة نفسية كبيرة ستتفجر في “أزاهير” التي تحكي سيرة الجرح… الأمر دراماتيكي”.

*وعلامَ استندتَ لنفي قصة حبّها مع جبران؟

“قرأت كتاب “الرسائل الزرقاء” التي تشتمل على محبة واحترام، كانا يدخلان في نقاشات فلسفية ووجودية. هي من تربية مسيحية دينية وجبران هو الرجل الذي يعيش في وسط نسائي ولا يكتفي بامرأة واحدة. لا أقول إنه كان حبّاً بل أخوّة، وبقيت وفية له. كان يمكن أن يلتقيا، كانا يسافران ولم يبذلا الجهد للقاء”.

في جامعة السوربون، قدّم الروائي شخصية مي الى طالباته لما تمثّله من دلالات وثقافة شمولية، وتوقف عند جملة كتبتها: “أتمنى أن يأتي من ينصفني”، بعد أن دمرها ابن عمها وأخذ منها كل شيء، وفق تعبيره.

وبعد وساطة أخرجتها من المستشفى، “أقامت محاضرتها الشهيرة في الجامعة الأميركية أمام محامين وحضرها قاض، متحدثة عن دور المثقف في المجتمع والحرية ومكافحة الفساد…. فقال القاضي: “اذا كانت هي مجنونة فأنا شو؟”.

يبدي الروائي رضاه عن اختيار الممثلة المصرية منّة شلبي لأداء دور مي في مسلسل يبدأ تصويره بعد رمضان، ويكتب في هذه الأيام السيناريو الخاص به، “منّة مناسبة لناحية قبول الجمهور والكاريزما والحضور والعمر”.

الجزائر… رسالة الجرح

ينشر صاحب “سيدة المقام” سلسلة مقالات مؤخراً مع “الأثير”، ومنها ما يسترجع سيرة والده الذي ناضل من أجل استقلال الجزائر وتوفي تحت تأثير التعذيب بعد قبض الفرنسيين عليه. جرح آخر مفتوح. يقول الأعرج: “أشعر بحرقة داخلية دائمة حين يكون لديك أب ولم تشبع منه وليس له قبر تزوره. والدي كان نقابياً وقُتل تحت تأثير التعذيب. وحلم أمي كان إيجاد عظامه لدفنه فيصبح له قبر نزوره”.

ويكشف الروائي عن كتابته مسلسلاً بعنوان “القبر المفتوح” يعرضه التلفزيون الجزائري قريباً، مردفاً: “احتمال أن يكونوا (الفرنسيون) قد رموه في البئر، بقيت أمي تبحث، وراسلتُ ماكرون معبّراً بأنني لا أكره فرنسا التي أعيش فيها وأدرّس فيها بالسوربون، لكنّي ضد فرنسا الاستعمارية التي لم تعترف. أحتاج الى السلام الداخلي حين أزور قبر والدي وأضع وردة عليه. أبي نفسه الذي دافع عن باريس ضد المحتلين، هو من أكد على أمي ضرورة تعليمنا الفرنسية حين كان لمعظم الوطنيين الجزائريين موقف منها”.

لا يبارح سؤال “من أجل ماذا رحلوا؟” واسيني الأعرج كما كثيرين في عالمنا العربي دفعوا الدم ثمناً لأوطان بقيت مستحيلة.

يقول: “نعم هو ليس البلد الذي دافع والدي عنه. البلد الذي تسكنه خيبة الرفاق الذين تقاتلوا على المصالح. إنه وجع لا متناه”.

رغم الحسرة، كان واسيني الأعرج بين طلائع المثقفين الجزائريين الذين وقفوا في ساحات الحراك، “يجب أن نغيّر وإلا “ستتكلس” المجتمعات. فتنني الشباب بأحلامهم للتغيير وحراكهم الذي لم يشهد عنفاً طوال عام. كنت مع فكرة تأسيس قيادة. في لحظة يجب أن يحاور ممثلون عن الشارع السلطة، وكانت هناك نخب من الأطباء والمثقفين، جديرة بذلك. وواجه الطرح معارضة ممن قالوا إن ولادة قيادة ستسهل تصفيتها واختراقها. ولم يكن إجهاض الفكرة سديداً فالشارع يحتاج الى مَن يحركه. كان حراكاً جميلاً ولكن من دون أثر فعلي في تغيير الوضع. صحيح أسقط الشارع بوتفليقة وأجبر الجيش على أخذ موقف من الحراك. الأمر لم يكن كافياً”.

الرواية التاريخية

التاريخ ذاكرة البشر ويكتبه المنتصر دائماً. هو ما يسلّم به الكاتب: “أدخل جرجي زيدان عناصر شخصية وعاطفية الى العناصر التاريخية في الرواية من أجل تسهيل مهمة وصولها الى القراء، لم تسر الطريقة برأيي بسبب طغيان العاطفي – الشخصي.

وجهة نظري هي البحث وليس أخذ التاريخ كمادة منجزة. أنا لست مؤرخاً. أضع كروائي قبعة المؤرخ لأعرف جميع جوانب الشخصيات والأحداث وأكوّن وجهة نظر من التناقضات والتقاطعات”. ويعطي مثالاً على إشكالية “الشخصية المقدسة” للأمير عبد القادر:
“حين كتبت رواية “الأمير” كنت أمام رجل تكمن عظمته في أنه قاوم 17 سنة الى أن سلّم نفسه بشروط.

احتجت الى البحث التاريخي المعمق واصطدمت مع إحدى حفيداته وتناولت ما لم يرضِ العائلة فكل منتج بشري هو عرضة للنقد. كان الأمير مناضلاً ودفع للاستقلال لكن هناك أخطاء ارتكبت. وحين أنهيت الرواية، خرجت بأمير جميل يشبهني وأشبهه بصورة انسانية”.

وتبقى الرواية الوسيط بين الكاتب والجمهور، تقدّم قيماً جميلة قد تغيّر مع الزمن لكن ليس مطلوباً أن تكون فعل تغيير فورياً. والنص هو تلك العلاقة مع الأنا ومحاكاتها. كتابة الرواية هي ممارسة واجبنا الأخلاقي كروائيين في إظهار تاريخ مختلفِ. هذا بحسب واسيني الأعرج.