الرئيسية / home slide / الرحمة يا مولانا

الرحمة يا مولانا

من هو المعرّض لخطر أفدح من الآخر بين خمسة كيانات وُلدت وما كان لها أن تولد من دون سايكس – بيكو: لبنان، فلسطين، الأردن، العراق، سوريا. كلها كيانات مَدينة بوجودها لنتائج الحرب العالمية الأولى. حتى فلسطين الموجودة بالنفي الذي أحدثه تقسيم الانتداب البريطاني هي اليوم في مئويتها الفجائعية الأولى الأكثر تعرضا للخطر بسبب ترسّخ دولة إسرائيل التي تستعد للشروع في مشروع ضم الضفة الغربية أو مناطق حيوية جدا منها على طول وادي الأردن.

أما سوريا الحالية التي قُسِّمتْ إلى عدد من الكيانات فلم تتوحد سوى عبر نضال جماعاتها الداخلية ولهذا فهي مختلفة من حيث تشكلها عن العراق ولبنان والأردن في أنها لم تُرسم نهائيا عام 1920 ، بمعزل عن مصاعب تطورها اللاحق.

تقول المس غرترود بل في مذكرات يومياتها، وهي المستشارة في الإدارة السياسية البريطانية التي كانت مولجة بالعراق، في إحدى رسائلها من بغداد إلى شقيقتها في انكلترا: عدتُ متعبةً من العمل اليوم. لقد أنجزنا رسم حدود العراق. وحللنا معضلة دير الزور مع الفرنسيين.

هي نفسها، وهي عالمة آثار وأنتروبولوجيا، كتبت عن جولاتها في الصحراء السورية وزارت مدينة بعلبك حيث التقت عائلات مسيحية وسنية وشيعية، نقلت عن إحدى سيداتها أنها، أي السيدة قررت أن تبيع كل ما تملك وتذهب إلى لبنان. لكن أخبار المتاعب الاقتصادية في لبنان جعلتها تتريّث وتتحمل التوترات الطائفية المتزايدة في المدينة.

البعض من الخبراء الغربيين يعتبرها أهم من الضابط الانكليزي ت. إلورنس الذي عمل في الفترة نفسها رغم الشهرة الواسعة التي تمتّع بها لورنس والطابع الرومنطيقي والغامض الذي غلب على شخصيته وتجربته خصوصا بعد صدور كتابه الرائع: أعمدة الحكمة السبعة.

كلاهما المس بل والكولونيل لورنس انخرط تحت القيادة العليا لوزير المستعمرات يومها ونستون تشرشل في عملية تأسيس الدول التي كانت جارية في المنطقة.

ثلاثة من الكيانات المؤسَّسَة في تلك الحقبة وهي سوريا والعراق ولبنان، وهي كلها تشاء الأقدار أن تكون لاحقاً بلدان “الهلال الشيعي”، هذا التوصيف الذي أطلقه عاهلٌ عاقلٌ ومتنوّرٌ في المنطقة هو الملك عبدالله بن الحسين الهاشمي… هذه الكيانات تتعرض لأشكال مختلفة من التفكّك الناعم أو القاسي من دون أن يكون هناك غرترود بل أو لورنس جديدان يعودان مساءً إلى منزليهما في لندن أو واشنطن وقد أنجزا تثبيت حدود مهتزة. هناك اليوم العمامة الإيرانية التي تريد التمدد والمزيد من التمدد عبر صلات قرابة اكتشفتها مع جماعات شيعية عربية كانت نَسِيَتْها اربعةَ قرون، فباتت تُحمِّل هذه الجماعات ما لا طاقة لها على احتماله: بعض الرحمة يا مولانا. لقد لَحَسْتُمْ “العسل” كلّه. لم يبقَ إلا العلقم.

صحيح، وأقولها من دون تردد، أننا نفتقد الجنرال غورو في بيروت حالياً، لكن لا شك أن فرنسا دولة ذات علاقة “حنونة” مع مشروعها اللبناني القديم. تعريف “الحنان” في الشرق الأوسط الحالي يحتاج إلى ترجمة باللغة الإنكليزية ولو كان الرئيس الفرنسي فوّت في خطابه أمام مؤتمر سيدر قبل عامين ونيِّف لحظةً كان يجب أن لا تكون فيها أي مسايرة للسياسيين اللبنانيين، فخسرنا فرصة توبيخ وتأنيب الطبقة السياسية اللبنانية كلها التي نهبت بلا وازع دولة الجنرال غورو وبعد ربع قرن صيغةَ الجنرال البريطاني سبيرس. وكما كتبتُ بعد سماع خطابه يومها، كان على هذا الرئيس الفرنسي الشاب والمحترم، أن يكون صريحاً أكثر مع هؤلاء السياسيين اللبنانيين فيوبِّخهم على فسادهم المكشوف، ويطالبهم بعدم الاحتيال على إصلاحات “سيدر” المطلوبة وهذا ما فعلوا بالظبط فور انتهاء المؤتمر الذي طالبهم في رأس ما طالبهم به بوقف التوظيف، وإذا بهم يقومون بتعيين عشرة آلاف موظف جديد في القطاع العام من دون أن يرف لهم جفن، اقتسموهم جميعاً في ما بينهم. هكذا صار مندوبو وسفراء الرئيس ماكرون “يشدّون شعورهم” لفرط استهتار الطبقة السياسية اللبنانية الفاحش بمتطلبات إصلاح كانت في الواقع عاجزة عميقاً عن القيام به بكل أجنحتها.

كانت الكارثة آتية لا محالة وهو ما لن ننتظر طويلا ليحصل ونسقط في ما نحن فيه من انهيار معلن في سنة المئوية بالضبط. لو كان للتاريخ أن يكون ناطقاً فلربما كان على السفير الفرنسي في قصر الصنوبر أن يتوجه باسم الرئيس الفرنسي برسالة إلى الجيل اللبناني الشاب الذي قام بثورة 17 تشرين الجهيضة، وعدد كبير منه يحمل الجنسية الفرنسية وجنسيات غربية أخرى، ومن على الشرفة نفسها التي جلس عليها الجنرال غورو، أن يتوجّه برسالة تجديد ثقة بهذا الكيان الذي تتناوشه وتتناتشه طبقة سياسية تدير نظاما قويا ودولة صارت تافهة.

لقد اختلطت في مائة عام على هذا الجزء من الشرق الأوسط الحدود السائبة مع الخزائن الفارغة أو المُفرَغة. العراق كان قبل هبوط أسعار النفط دولة ذات مدخول نقدي يصل المائة مليار دولار سنويا من عائدات الذهب الأسود لا تصل فيها الكهرباء والماء إلى المدن سوى ساعات قليلة خلال اليوم. طبقة سياسية في العراق وصفها مراقب نبيه ذات يوم بأنها تجعل السياسيين اللبنانيين مجرد هواة في ممارسات الفساد قياساً بأقرانهم بين النهرين. وفي الحقيقة بات العراق بلاد ما بين أنهار ثلاثة: الفرات ودجلة والفساد.

لبنان وسوريا والعراق ليست فقط مهدّدة من داخلها بل تقف مرتبكةً أمام الغول الإسرائيلي الذي يكاد يبتلع فلسطين وفي الوقت نفسه يتحوّل هذا الغول إلى دولة صناعية وتكنولوجية عظمى تحظى بكل دعم الغرب بينما إسرائيل نفسها في وعي أجزاء متزايدة من نخب هذا الغرب دولة “أبارتايد” فعلي دون أن يكون بالإمكان عمل شيء لوقف التمييز العنصري المتوحش ضد الشعب الفلسطيني.

هذه ليست مئوية بل كتلة مئويات من القلق والفشل.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein