الرئيسية / مقالات / الربيع اللبناني يكسر القيود ويعرّي النظام… الحريري يترقب و”حزب الله” يحمي العهد!

الربيع اللبناني يكسر القيود ويعرّي النظام… الحريري يترقب و”حزب الله” يحمي العهد!

المتظاهرون في وسط بيروت (نبيل اسماعيل).

لا تشبه تظاهرات اللبنانيين الغاضبين من تردي الأوضاع المعيشية وفرض الضرائب أي حراك آخر. هي المرة الأولى التي تعم فيها التظاهرات كل المدن اللبنانية وفي مناطق كانت تقدم الولاء المطلق لقوى الأمر الواقع، إن في الجنوب أو الشمال أو حتى في جبل لبنان، فيما بقيت بيروت القلب النابض الذي يستقطب ويحرك مسار التغيير. خرج جيل جديد إلى الشارع عفوياً، واستقطب خلال أيام ثلاثة فئات مختلفة، متحرراً من السيطرة الحزبية أو الطائفية السياسية ومن أي ولاءات مشروطة، ورفع شعارات تفاوتت بين اسقاط الحكومة وإجراء إصلاحات سريعة.

لم تستطع القوى المشاركة في الحكم أن تدخل على خط الحراك أو تجيره لحساباتها على رغم محاولات عدة للتخريب والقمع، ليتبين أن لا أحد من المتظاهرين هتف باسم زعيم سياسي أو رفع شعارات فئوية حزبية أو طائفية، ليتبين أن الشعب اللبناني الغاضب قد خرج عفوياً من مناطق مختلفة ومن فئات اجتماعية عانت إلى حد الاختناق، ولم ينتظر نقابة من هنا أو اتحاداً يعلن قرارات لحسابات سياسية كما حصل في 7 أيار 2008، ولتكتشف القوى السياسية أن جمهوراً كان تحت عباءتها انتفض ليقول أن لا ولاء مطلقاً بعد اليوم، وليتهمها مباشرة بالفساد والنهب والمحاصصة، ما أدى إلى إرباكها وقلقها أمام الهيمنة التي كرستها خلال سنوات طويلة.

انتفاضة الغضب اللبنانية ولدت فئات شبابية جديدة لا ترتهن للقوى التي أمسكت بالبلد بيد من حديد وسارت به نحو المأزق والإنهيار، فإذا قررت قوى في الحكم النزول الى التظاهر لن تجد لها مكاناً أمام جموع اللبنانيين في الشارع، فالحراك أثبت استقلاليته وإن كان بلا قيادة يحتاج تبلورها إلى تراكم ومحطات كثيرة وهي تخرج فقط من داخل التظاهرات والحراك بالفعل ولا تسقط عليهما بالقوة. أما القوة التي أعلن عنها “حزب الله” بلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله مثلاً وبأنه قادر على إشعال الساحات إذا أراد، فهي لتجاوز المأزق بين جمهوره، خصوصاً إذا كان شباب شيعي قد حاول الخروج من تحت العباءة عندما اكتشف أن أموره ليست على ما يرام، وجل ما يريده الحزب هو الحفاظ على موقع المقرر في السلطة والبلد والنظام وأن لا نقاش في دوره الإقليمي، وكذلك لدى طرف الثنائي الآخر الذي اكتشف أن كلمته لم تعد مطلقة في الساحة الشيعية، فيما تترك الناس لمصيرها وأهوال الحياة والمعيشة.

في الواقع لا تغير استقالة وزراء القوات اللبنانية شيئاً بالنسبة إلى المتظاهرين، إذ أن قرار الإستقالة على أهميته كانت قررته القوات منذ وقت، وهو لا يعدل لائحة المطالب، علماً أن “القوات” اتخذت قرارها بعد نقاش خلافي داخل قياداتها وفق مصدر سياسي، وأكثر المعترضين على الإستقالة كان رئيسها سمير جعجع الذي ينقل المصدر كلاماً قاله ان الإستقالة ستجعلنا نضبح مثل وضع حزب الكتائب، لكن الأكثرية كانت مع الإستقالة، وهي لا تغير شيئاً إذا أرادت القوات الهروب من مسؤوليتها طالما هي تنادي بالإصلاح، ولن تتمكن أيضاً من اللحاق بالحراك اللبناني العابر للطوائف والمذاهب.

وبينما يستمر الغضب الشعبي اللبناني على وقع مهلة الـ72 ساعة التي اعطاها رئيس الحكومة سعد الحريري لنفسه للتشاور مع الشركاء، فإنها لا تقدم ولا تؤخر لدى المتظاهرين، علماً أن المعلومات تشير وفق المصدر السياسي إلى أن اتصالات أوروبية مكثفة تلقاها الحريري ودعته الى عدم الاستقالة والاستمرار في الحكم، حتى أن الفرنسيين كانوا أكثر تشدداً بموقفهم وطلبهم، لعدم ترك البلد لقوى أخرى، خصوصاً وأن هناك تعهدات بين الحكومة اللبنانية والجهات المانحة للخروج من المأزق المالي. لكن الحريري الذي لم يستطع اتخاذ القرار قبل المهلة، لم يستطع حتى الآن إقناع القوى الأخرى ببرنامجه الإنقاذي، وما يقدمه أصلاً للخروج من الأزمة لا يقنع المتظاهرين، وهو لا يزال الحلقة الأضعف في السلطة أمام تحالف “حزب الله” والعهد و”التيار الوطني الحر”، فيما ترتب الإستقالة خسائر على موقعه، وإن كان السيد حسن نصرالله يريده أن يستمر رئيساً للحكومة بلا تقرير في القضايا الكبرى والإستراتيجية لموقع لبنان ودوره الإقليمي.

وأياً يكن التوجه الذي سيسير به الحريري، فإنه لا يغير من مسار الحراك الشبابي والشعبي، وإن كان يطالب باستقالة الحكومة، حتى أن التراجع عن الضرائب وتعهد خطوات إصلاحية مباشرة والقيام بمبادرات إجرائية قد تكون أكثر فعالية لجزء كبير من المتظاهرين، من الإستقالة، خصوصاً وأن البعض الذي ينادي بإسقاط النظام يعرف أن الامور لا تصل الى هذه المرحلة بفعل موازين القوى، والامر أصلاً يحتاج الى تراكم وتجربة واكتساب خبرات وبناء كتل شعبية وازنة.

وفي سياق الحراك تتركز الأنظار على موقف “حزب الله” الذي اصر نصرالله على منع سقوط الحكومة، فبدا كلامه بتأكيد حاجته الى الحكومة والرئاسة وإن كانت حساباته هي التي تقرر، فإنه يُسقط في شكل مباشر مطالب الناس المتظاهرين وحساباتهم. ولأن القلق الذي ظهر لدى حزب الله من خروج كثيرين من تحت عباءته إلى ساحة التظاهر، إلا أن كلامه عن الانتخابات النيابية وعدم جدواها لأنها ستأتي بالمجلس نفسه، يعني وفق المصدر السياسي أن لا تغيير في التركيبة القائمة وان استدعى الامر تغيير المعادلات بالقوة. فالحكومة يجب أن تبقى وأن تكون السلطة بيده، حتى لو أدى الامر إلى مصادرة وجع الناس ومطالبهم. والحزب لا يسمح بمناقشة دوره في الخارج ولا انعكاسه على اي إجراءات لبنانية، فإما تبقى التسوية الراهنة التي تمنحه قوة القرار والهيمنة، وإما الإنقضاض بالقوة والتحرك في الشارع عندما تستدعي الحاجة. كل هذا الوضع سيطرح أمام التظاهرات والحراك الناشئ تحديات، إذا اعتبرنا أن غاية الحزب من كلام نصرالله ليست مطالب الناس فعلاً وهو ما يضع المتظاهرين أمام موجة مختلفة ما لم تتخذ الحكومة إجراءات تتراجع فيها فعلاً عن الضرائب إلى خطوات تهدئ الشارع. أما استمرار الإنتفاضة الناشئة فعدم الرهانات المتسرعة شرط لثباتها.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد