الراعي والوزير


أغلقوا قبرشمون حتى لا تفتح قبور أخرى.
جان عبيد

في وليمة فكرية باذخة دعانا إليها الزميل حسَّان الرفاعي، جلست مع معالي النقيب رمزي جريج في حضرة التسعيني الشابِّ ذي الذاكرة المتقدة والعلم المتدفق، سيِّدِ الضيافة الأستاذ حسن الرفاعي، الذي يُغْني حديثُه عن قِراه، فكانت فاتحةُ المقبِّلاتِ أنْ روى لنا يومَ حضر أول جلسة لمجلس الوزراء بعد تعيينه وزيراً للتصميم في عهد الرئيس سليمان فرنجية، وكيفَ بدأ كلامَه بأنَّ على الوزراء الارتقاءَ بأدائهم الحكومي إلى مستوى آخر راعٍ في جرود الهرمل؛ فلما استغرب الرئيس فرنجية هذه المقارنة، أوضحَ الأستاذ حسن أن الراعي هناك يدفع فاتورتي الكهرباء والماء – إن وجدا – ويقف عند إشارة السير، ولا يتجاوز القانون، ويرعى قطيعه بوجدان سليم وعقل سليم. ثمَّ توالت الأطايب من رجل بلغ به تواضعه أسمى المراتب، حتى إذا سأله النقيب جريج – ابن خليل جريج البيولوجي والفقهي- رأيه بالمادة 95 من الدستور أجاب: ما أنا إلا تلميذ يتلقى العلم بلا توقف، لذلك أحيلك على قول العلامة الفرنسي Léon Duguit “ليس للدستور أي ضابط سوى حسن نية وأمانة الرجال الذين يطبقونه، ولا سيما رئيس الجمهورية”.

استأذنت أهل الوليمة في نقل بعضٍ من ذاك الحوار الطيب إلى مقالي الشهري في “النهار”، لإحساسي أن بلوغ الدولة إلى تلك الحوافِّ الخطرة لن يكون بلا حدٍّ، بسبب تشكل طبقات واسعة من الشعب اللبناني بلغ بها الوعي الفطري والحس السليم، حدًّا يَغلُّ الأيدي المتمادية في العبث. صحيحٌ أنَّ “السجال السياسي” انتقلَ من التنابز بالكلمات والاتهامات والشتائم إلى المساس بمصير الفرد العادي، لكنَّ المواطنَ، ولئن يئس من السياسة ونأى بنفسه عنها، لا يستطيع أن ينأى بنفسه عن الدفاع عن سقف بيته ومدرسة أطفاله، ومصدر رزقه، وجواز سفره، وبطاقة هويته، أي أنه لا يملك إلا أن يدافع عن الدولة بما هي خلاصة تلك الأشياء مجتمعة، وصمام أمان لا ينصاع لغُلُوِّ المجموعات المذهبية أو التحزبية، بل يقطع عنها تيارها بمجرد تعرض دورة الحياة اليومية للفوضى والاضطراب.

لا أقول هذا من باب الإفراط في التفاؤل، لأن مثل هذا الإفراط تفريط بدورنا في الحاضر عبرَ الإحالة على المستقبل،. بل أقوله من باب الواقعية البحتة، وبالإشارة إلى التجارب التي نراها في محيطنا العربي، حيث استطاعت القوى العزلاء أن تضع نهاية لنظم استبدادية خلعت على نفسها صِفَتَي الوحدانية والقدم.

لقد شاهدت تداول السلطة منذ عهد الرئيس بشارة الخوري، إلى يومنا هذا، وعاينت بدقة، التراجع الجليَّ في درجة الاستجابة للخطاب الطائفي التحريضي، كما عاصرت الذبح على الهوية، الذي أعقبته سرعة بناء الجسور، فدلني هذا على أن اللبنانيين تعلموا بالكيِّ، ما كان يجب أن يتعلموه من الحروب الأخرى، ولكن آثار الحروق على جلودهم وفي نفوسهم تُنَفِّرُهم من إعادة إنتاج مثل تلك النعرات التي ذاق الشيوخ والكهول لسعها، وتجنب الشباب والفتية خداعها، في ظل ما يرونه من انتشار الإخوة السوريين اللاجئين المظلومين، من رأس الناقورة حتى النهر الكبير، ومن ذرى الجبل حتى رمال الساحل، بما يشكله من درسٍ يوميٍّ لنا جميعًا، عن مصير شعب تداعت دولته، فتشتت في مهب الذل، ووهدة العوز، حتى الغرق في أعماق البحر هربًا من حياة تعسة على ألواح الموت الخشبية.

إن من يقرأ مقالات النخب المنتمية إلى الطوائف كلها، يلحظ الإطار الواحد الذي يجمعها، وقد كان بعض من هؤلاء في الماضي دعاة ومنظرين للجموح الطائفي، وهذا يشير إلى أن المذاق العام لم يعد يستطيب تلك الوجبات السامة المحشوة بالكلام السام والمطبوخة على نار لعينة.

يقول الإمام علي بن أبي طالب: “من كَثُرَ كلامه، كَثُرَ خطؤه، ومن كثر خطؤه قَلَّ حياؤه، ومن قل حياؤه مات قلبه” ولهذا فإن مصيرنا لن يكون مرتهَناً للقلوب الميتة ولا طوعَ رعاة ذبيحة الوجدان، كما قال عمر أبو ريشة.

وإنني لَأرى، أن التململ اللبناني العام من سوء الأحوال الاقتصادية، وفشل السلطات المتعاقبة في طمر النفايات التي طمرتها، واستنزاف الوقت الذي لن يعوض في تعطيل انتخاب الرئيس وفي تأليف الحكومات وكتابة البيانات الوزارية وإعداد الموازنات وإقرارِها… لم يعد يكتفي للتعبير عن نفسه بالتأفف والحَوْقَلَة، بل إن من أشرت إليهم من نخب فكرية ومهنية صاروا يتداعون على حلقات مفتوحة تطرح الموضوعات بكل جرأة وتبصر وشجاعة، وهذا يقتضي أيضاً أن يكون متزامنًا ومتناسقًا مع تشكل حضرة سياسية خرجت من التجاذب العقيم، ولكنها لم تنخرط بعد في عمل يتمتع بمهابة وثقل يرفع منسوب الحياء عند الممسكين بذمة الحكم، لأن قلة الحياء تميت القلب.

لقد قرأت مقال الرئيس ميشال سليمان في “النهار”، ومقابلة الرئيس السنيورة مع قناة “العربية”، والحوار الذي أجرته “الجمهورية” مع الرئيس سلام، كما سنحت لي فرص الاستماع إلى الرئيس أنطوان خير والرئيس طارق زيادة والدكتور أنطوان مسرة، بالإضافة إلى ما يكتبه كبار الصحافيين والمفكرين من سمير عطالله إلى رفيق خوري ونايلة تويني والقاضي عباس الحلبي والدكتور غسان عياش والوزير سجعان قزي وسواهم، فاستنتجت أن أمثال هؤلاء الذين عركتهم التجربة العميقة والممارسة الطويلة يتحدثون لغة واحدة، تتباين مفرداتها وتختلف أساليبها، ولكنها روافد تصب عن سابق تصور وتصميم في بحيرة لبنان الديموقراطية التي لن تطيق مياهها أسراً في سواقي الاستنقاع المذهبي أو المشاريع الخارجية، ولذلك فهم يجهرون جميعاً بضرورة استنهاض الهمة اللبنانية في مشروع التنمية في كنف الدولة – على حد تعبير المرحوم نسيب لحود – مع الأخذ بعين الاعتبار أن ميزان القوى العسكري الذي أجبر الفئات السياسية بعد اتفاق الدوحة على قبول حق النقض لحزب الله، لا ينبغي له أن يفضي إلى زج الدولة في حمأة الصراع الإقليمي، لأن محاربة الاستكبار الأميركي على وجاهتها، تحتاج إلى وحدة الكلمة ووحدة الصف، وإلى اتفاق على أداء سياسي تحت سقف الطاقة والإمكانيات.

إن سياسة المداهنة ودفن الرؤوس في الرمال لم تستطع أن تحل معضلة واحدة، ولا أن تدفن المخلفات والنفايات التي اكتسبت هويات طائفية متعددة رغم الروائح النتنة التي توحد بينها؛ لذلك فإن المصارحة وتكوين خطاب جريء يحتاج إلى تلك الحضرة السياسية التي أشرت إليها، وذلك ضنًّا بالبنى اللبنانية التي لن تحتمل تدميرًا جديدًا، وحرصًا على إخوة لنا في الوطن حاربوا إسرائيل بشجاعة، ولم يستثمروا في التفاف الشعب حول إنجازاتهم، فكان الانقسام والمحاور والخطاب التحريضي الجوال، حتى كاد لبنان الكبير، في مئويته الأولى، أن يدفن في قبر شمون.

لقد مارس الرئيس بري “ولاية العقل” بكفاءة وفعالية كانت تؤدي في كل مرة إلى تخفيض حرارة الجنون، ولكن ذلك لا يحول دون ارتفاعها مرة أخرى لأن ” المس السياسي” المستشري، يكاد لا يبقي للعقل مكاناً كما قال لي.

ولكنني أرى من باب التفاؤل الموضوعي، أن مالكي الدولة، أي الشعب اللبناني، يتمتعون بالحيوية والإرادة بما يؤهلهم لردع مجلس إدارتها عن التمادي في تخريبها، وذلك من خلال جمعية عمومية دائمة افتراضية، يطالب فيها مُسْهِمون بالحفاظ على قيمة أسهمهم الفعلية في وجه أكثرية الأسهم الوهمية التي تزعم الإدارة ملكيتها، وذلك تحت طائلة اتهامها بالافلاس الاحتيالي.

ليست الديموقراطية تقاسم صلاحيات بين الطوائف، بل استقلال السلطات عن بعضها، واتصالها عند المفاصل، فإذا لم تتأدب إحداها بحدود النص، وتجاوزت حدود سواها، وُصِفَتْ بقلة الأدب الدستوري المفضية إلى التَغُّول، وأصيب توازن وإتزان آلة الحكم بخلل خطير…

صدق الرفاعي الكبير حين قال لنا: “الديموقراطية أعلى مستوىً من السياسة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*