الرئيسية / home slide / “الرابع من آب 2020” لعقل العويط: الشاعر يفتدي المدينة

“الرابع من آب 2020” لعقل العويط: الشاعر يفتدي المدينة

غلاف المجموعة.

A+A-منذ #كتابه “ماحياً غربة الماء” (1981)، حتى كتابه “#الرابع من آب 2020″ (دار شرق الكتاب)، كتابه الرابع عشر (2021)، والشاعر #عقل العويط، على مدى 40 سنة، في حومة الكلمة وال#شعر، ينتصر لبهاء الشعر وقضيته. هنا يلحّ عليه السؤال، كيف يمكن وصف “الرابع من آب 2020” ومبلغ الدمار المادي والروحي والبشري والحجري. ما هو المعادل الموضوعي والشعري للفجيعة؟ يختار عقل العويط أن يروي وأن يرى، أن يتماهى مع المدينة، في الداخل والخارج، في الحياة والموت. “إني كنت ميتاً، فكيف لميتٍ أن يصف؟”. أو كأنه “دلق حبر المكان كله”. وليس لديه سوى أن يشمّ رائحة البكاء الإسمنتي. إننا هنا مع أول كتاب شعر ينجزه وينشره العويط يدخل انفجار بيروت في قصائد الشعراء وكتاباتهم، مثلما دخلت فجيعة المدينة أوردة الناس وشرايينهم. ولكن هل يؤرخ الشاعر إلى اللحظات التي سبقت وعنفها، أم يصف الهول من الداخل، الهول الذي أكبر من صوته وأكبر من الجرح، بل هو وصمة على جبين الإنسانية وأكبر من الظلم واللعنة. وهكذا يحار الشاعر في وصف المكان، وقد تهدم كما تتهدم الروح فوق جسد متهالك. وهل ينقذ نفسه أم القصيدة أم المكان وقتلاه؟ وليس أمام الشاعر إزاء الفاجعة سوى أن يسأل البلاد “هل يستيقظ غداً أو بعد غد؟”. هل سترحمنا باستيقاظها واستفاقتها ووعيها وعندها يقف هذا الموات الفظيع. 

 وليت للأغنية قوة المخرز وللشعر قوة الثأر. على شكل أناشيد، تتوالى سطور القصائد تحمل أسئلة ومواجهات وتحدّيات ولحظات حقيقة “كيف نصفي ثأرنا مع هذا الليل” أو “أيصح أن نرثي مكان ما لم يلتئم بأشلائه”. ويساءل نفسه وحدسه وقدره عن “الخطأ الذي يجعل أرضاً تتبدد ويجعل سماءً تنزل على الأرض”. هذا النشدان الصعب، كالنداء الخفي كمن لا يصدق أنّه يودّع مدينة على شفا حفرة. يستنجد الشاعر عقل العويط بالقدرة الإلهية لتساعده كي يحمل قتلى المدينة وضحاياها ودمارها. “قتلاك، لن تقوم لهم قيامة، إلا إذا مررت يد المسيح جروحها على ابتساماتهم البكماء، وانتفضت من ركام موتها العميق، أشلاؤهم عليها”. يؤنسن عقل العويط المكان: الصوت المسروق، والحياة التي لم تعد تتّسع للحياة. فإذا المدينة هي ذات الشاعر وهي نحن في ألمنا ووجعنا وفي كل شهقات النصّ المتلاشي في فضاء المدينة. كيف يمكن المرء أن يصف أمراً وهو فيه على حدّ رابعة العدوية؟ وكم قاسياً أن تروي وقائع موت مُعلَن لمدينة تعشق الحياة؟ كيف لمدينة بعد قتلها أن يوقظ وجهها القتيل؟ ولكن يختار الشاعر خلاصاً عن طريق الفداء. يفتديها. يرفع مدينته وهي تواجه قدرها على رؤوس الاشهاد ويرفعها على رؤوس أصابعه وعلى شجن الارهان الحزين كمن يرفع لواء الدم عن كاهل الضحية. كمن يفتدي موتاً ببكاء القصيدة والكلام. المنارة والصيادون سيعترفون عليها والمسيح يهدئ روعها. بين الغنائية والمطلق تمشي القصيدة لتروي ألماً لا تحده سماء، ووجعاً بلا آفاق ولا حدود. يتأرجح الشاعر في كلامه عن مدينة هي بين الحياة والموت عناق. بين فحمة الليل والشجر والظلال والهواء. بين ملح الطغاة الفاسد وهوائنا الفاسد والقصور الفاسدة. ومن يشفي إذاً جروح النوارس وزبد الموج وتربة الأرض المعذورة. ولكن قدر عقل العويط أن يحدق في جرح مدينته وجروح الروح ويغنيه ويكتب: “يمكنك يا مدينتي أن تستعيني بموتك المعلن نفسه مؤرخاً في 4 آب 2020، وممهوراً بتوقيته الدقيق، الساعة السادسة وسبع دقائق مساءً، لتعثري على ما يبرر استفاقة الحياة “جسر العبور من الموت إلى الحياة وبالعكس بات ممهوراً بعقارب الزمن الغادر”. كتاب هو صرخة في وجه القدر والطغاة والفساد ودعوة لأن تثور المدينة ويبتعد وجهها وكيانها وروحها، فلا تمعن يد القاتل في القتيل. وتبقى لبيروت روحها التي لا تموت، قصائد الشعراء والضوء والأغاني والاشرعة والقلوب التي تحبها إلى درجة الفداء والحرية والذوبان في بحرها ونوارسها وأشجارها.