الرئيسية / home slide / الرابطة القلميّة في النّار…

الرابطة القلميّة في النّار…

الرابطة القلميّة.

تااا…توو…تاا…توو… سيارات الدفاع المدني تتدافع في الشارع مرسلةً زعيقًا قويًا يوتِّر البشر والحجر، كأنه لم يكفِ الناس ما أصابهم من ذُعر جرّاء هذا الوباء الخبيث، فضلًا عن تردّي الوضع الاقتصادي، ما جعل أبناء الوطن البؤساء -وكلهم بائس- يواجهون شبح الجوع، هذا الذي انطوت ذكراه منذ ما يقارب المئة عام أي منذ زمن الحرب الكونيّة الأولى. ورغم الفقر والحجْر الرابضَين على صدور البؤساء، فإن شوارع لبنان لمّا تزَل ترزح تحت رحمة زحمة السَّير الخانقة. عجيب أمر اللبنانيّين، إلى أين يذهبون ولا عمل؟! وكيف يتدبّرون أمورهم ولا وقود؟! وماذا يتسوّقون ولا مال؟! أتراهم راحوا يخبطون خبط عشواء في الشوارع علّهم يكسرون هذه الحلقة المفرغة التي أحكمت الطوق على مستقبلهم؟

تاا…تو…تاا… تووو. وما زال عناصر الدفاع المدني معتصمين بأبواق الذُّعر، يحاولون جاهدين الوصول إلى البؤرة المستغيثة. على الشرفات تدافَعَ المستطلعون يتساءلون ويسألون في ما عساها تكون هذه الجلبة والصراخ. وعند أسفل البناية ساد هرجٌ ومرجٌ وتدافُع، وتناهت إلى الأسماع وَلْوَلَة نساء:

– “يا دِلَّك يا دكتور حنّا… طالعة الدخنة من بيتو!”

– “منيح اللي منّوش بالبيت. سيارتو منّش هون!

فزعقت أخرى:

– “وْلَك دِقّو الباب عليه، سيّارتو معطّلي بالبورة، جابا بالونش”.

وراحت الضربات تتوالى طارقةً باب الدكتور، ولكن عبثًا…

وأخيرًا وصل عناصر الدفاع المدني فتراجع الجمهور مُفسحًا في المجال لأصحاب الاختصاص. الدخان يتصاعد من شقوق النوافذ منذرًا بالأسوأ، وفي الداخل لا حسٌّ ولا خبر، لكأنّ البيت مهجورٌ! غير أنّ الباب ما لبث أن عُولجَ وإذا بعناصر الإطفاء في وسط الدار.

الدكتور حنّا ملتف بـ”Robe de chambre”، جالسٌ على كرسيّه الهزّاز في غرفة المكتبة، رأسه مائلٌ على صدره، وقد تدلّت يداه على جنبَيْه كالميت. أمّا النّار فقد أتت على مكتبته، وقسمٍ من الأثاث، كما التهمت أعلى كومة كتب على الأرض أمام الدكتور وراحت تمتدّ إلى أسفل، وسط دخان كثيف خانق.

أخرجَ عدد من رجال الإطفاء الدكتور على عجلٍ، فيما تولّى مَن بقي في الدّاخل إطفاء النيران.

وسرَت همهماتٌ بين الحضور:

– الدكتور ما زال يتنفّس! الحمدلله…

وحُمِلَ في سيّارة الصليب الأحمر إلى المستشفى لتلقّي العلاج؛ لم يكن ثمّة حروق، إنّما أصابه اختناق من الدخان كاد يودي بحياته. وكُتِبَ للدكتور عمْرٌ جديد…

الدكتور حنّا جارنا منذ أكثر من عشرين سنة. رجلٌ عصاميٌّ، مثاليُّ النّزعة، إنطوائيٌّ إلى أبعد الحدود. وقد ازدادت عزلته إثر موت زوجته بنوبة قلبيّة منذ عقد ونيّف، وبعدما سافر ابنه إلى أوروبا في منحة تعليمية، بات الدكتور حنّا وحيدًا صامتًا مكتئبًا. وما زاد الطّين بلّة إحالته على التقاعد من ملاك الجامعة اللبنانية لأسبابٍ صحية ونفسية. ولكنّ انطوائيّته تلك لم تحلْ دون تقرّبي منه، ولا سيّما أنني كنت من أفضل طلابه في فرع الآداب.

وهكذا جمعتني أواصر الصداقة بذلك الرجل “البربريّ” -كما يُطلقون عليه في الحي- حيث بات منزله يُعرَف بالكهف ذي الستائر الرمادية. ولطالما تفنَّنَت النّسوة في الجوار في اختلاق شتّى الرّوايات بشأن الدكتور، وذهبنَ في فنونهنّ مذاهبَ شتّى. فزعمَت إحداهنّ أنّ الدكتور يقوم بجلسات تحضير أرواح فيلتقي بالمرحومة كلّ ليلة، وهذا سرُّ الستائر المُسدلة دائمًا. واستفاضت أخرى في تبرير هذا السِّجن الاختياري بأنّ الدكتور من محبّي الذكور، وليس زوّاره القليلون من طلابه السابقين كما يزعم!

يا للوحدة القاتلة! فحتى في المستشفى كنت أنا الشخص الوحيد الذي عرّف عنه، وقد انتحلْتُ صلة القربى لإجراء المعاملات المطلوبة. وبعد أن اطمأننت على صحّته وقد أُسعِفَ كما يجب، تركته نائمًا تحت تأثير المهدّئات، وقفلت راجعًا، علّني أستطيع إنقاذ ما تبقّى من المكتبة وتنظيف المكان من آثار الحريق.

وكما يُنسَب الفعل إلى مجهول في معظم الجرائم، هكذا نُسِبَ الحريق إلى احتكاكٍ كهربائي، وأُقفلت القضية.

… دخلت الدار المنكوبة؛ رائحة الحريق تعمّ المكان برمّته، وإن كانت غرفة المكتبة هي فقط التي تعرّضت للنار، فتوجّهت إليها، وكان المنظر سرِّياليًّا بامتياز، إذ اكتست جدرانها بطبقة صفيقة من السُّخام، مما يُذَكِّر بذلك الرسام السُّرِّيالي حين شرحَ لوحته السوداء قائلا: إنّها تمثِّل معركةَ عبيد في نفق في ليلة ليس فيها قمر. أما الكتب – ثروة الأستاذ وعنوان مجده – فقد آلت إلى زوال! وما عفّت عنه النار وأخطأه الدخان، لقي حتفه على دفْقِ أنابيب مياه الدِّفاع المدنيّ. غير أنّ الكومة المبعثَرة على الأرض كان لها النّصيب الأكبر من التَّلَف. ومن خلال ما تبقى استطعت أن أقرأ بعض العناوين من قصّاصات محترقة:

فهذا “نبيّ” جبران قد شَوَّهت النار معظم وجهه، وهنا “الأجنحة المتكسّرة” وقد أصبحت محترقة أيضًا، وكتاب “دمعة وابتسامة” هجرته الابتسامة، أما “رمل وزبد” فقد تحوّل إلى رماد، ولكنّ “يسوع ابن الإنسان” نجا بأعجوبة ولو أصاب “الإنسانَ” على غلافه بعضُ التشويه؛ وكان ثمّة بعض الكتب لميخائيل نعيمة التي ترقد بسلام على رجاء القيامة: من “مرداد” الثائر المسالم، إلى”زاد المعاد”، و”سبعون”، وصولًا إلى كتاب “اليوم الأخير” الذي كان يومه الأخير بالفعل عصر ذاك اليوم؛ و”ريحانيّات” فيلسوف الفريكة التي فقدَتْ بعضَ أطرافها، فيما “قلب لبنان” يُدمي القلب ما حلّ به؛ أمّا حِكَمُ أبي ماضي فقد انتهت إلى مصير بالغ الحُمق، فتناثرت هنا وهناك بعضُ سطور من قصيدة “كن جميلًا ترَ الوجودَ جميلًا”؛ وفي القاع ديوان “أغاني الدرويش” لرشيد أيّوب صاحب “يا ثلج قد هيّجت أشجاني”… فهاجت أشجاني أنا، وبكيت ورثيت هذا المصير الأسود للرابطة القلميّة!

وبعد أيام عاد الدكتور إلى البيت، فعُدتُه علّني أخفِّف عنه بعض مصابه. استقبلني بابتسامة حزينة فيها من الشكر والعرفان الشيء الكثير.

وبينما رحنا نحتسي القهوة في الصالون، أخذ يقصُّ عليّ -بعد كتمان- ما جرى معه بالتفصيل في ذلك العصر المشؤوم:

– خرجت في الصباح لأشتري بعض الصحف، فكما تعلم يا صديقي، أنا أعيش وحيدًا والوقت طويل مُملّ، ولا شيء مثل القراءة يجعله سلسًا خفيفًا. وفيما أنا في بعض الطريق، إذ بسيارتي تُصدر بعض “الحرتقة”، فقلت في نفسي: “ربما بحصة في الدرب قد تحرّشت بالمحرك”. وأكملت السير، وإذا بالطرطقة قد زادت، فقلت: “يا ربّ فليكن العطل في طبلة أذني، وأبعده عن سيارتي يا أرحم الراحمين.” أقول ذلك لأنّ معاينة الطبيب باتت اليوم أرحم بكثير من معاينة الميكانيكيّ. ففي زمن التدهور المالي هذا بتنا نمتلك سيارات لا قدرة لنا على إصلاحها، وذلك بسبب كلفة قطع الغيار المرتفعة إذا ما احتُسبَتْ على سعر صرف الدولار. غير أنّ أرحم الراحمين لم يلتفت إلى صوت تضرّعي، وتوقّفت السيارة.

استعنت ببعض المارّة لركن السيّارة إلى جانب الطريق، فأدلى كلٌّ منهم بدلوه – وفي لبنان كلّ لبناني خبير محلّف، وفي كل الشّؤون – وجاءت الكلمة الفصل لميكانيكيّ من الجوار:

– المشكلة هي في علبة التّروس أي “الفيتاس”.

فأُسقِطَ في يدي! وحُمِلت السيارة بواسطة قاطرة إلى ساحة قرب المنزل، كما رأيت. وبات عليّ البحث عن “فيتاس” مستعمَل بالطبع؛ وبعد بحثٍ وتقصٍّ عمّن يستطيع تزويدي به، توجّهت إلى ساحة ” سمعان للكَسر”.

وما أدراك ما ساحة سمعان هذه؟ فلئن ضاقت السبل بشُذّاذ الآفاق أو بطريدي العدالة، فليس لهم أفضل من هذه الساحة للتخفّي في جنباتها. وقد تفتّقت عبقرية صاحبها على اقتباس من الكتاب المقدس، فاختلس آية وضعها على مدخل السّاحة؛ وهكذا دخلتُ تحت يافطة كُتب عليها “اطلبو تجدو”، هكذا، حُرمَتْ واو الجماعة من ألفها. أَلعلّ سمعان يحبُّ الاختصار، أو أنّه “فرطَ” الكلمات ليبيعها “كسر” هي أيضًا!؟

رأيت في الباحة عِلْجًا جالسًا قرب سيارة مفكّكة، وفي يده قطعة يعالجها وهو يصدح بأغنية فارس كرم: “بلا حبّ وبلا بطّيخ…” مضت دقائق قبل أن يتنبّه لوجودي، وحين نظر إليّ خلته “عُطَيل” شكسبير يغمز من قناة “ديدمونة”. ذاك أنّ الشحم لم يوفّر من وجهه قيراطًا واحدًا. وقال لي بصوت رجال الأعمال المنهمكين بمطاردة الفلس:

– ماذا تريد؟

– قلت: مرحبا.

– قال : “شو طلبك؟”

– قلت : “فيتاس هونداCRV ” 2003.

– قال : ألف دولار.

وتابع معالجته لما بين يديه دونما أدنى التفاتة.

– فأجبته: ولكنّني سأدفع بالعملة اللبنانية.

– قال: ثمانية ملايين.

ففتحت فمي مشدوهًا، مصدومًا، مرتعبًا! وما لبثت أن استرددت روعي، فقلت:

– إن المصرف قد جعل سعر الصرف أربعة آلاف ليرة فقط.

– قال: “عال، روح جيب الفيتاس من عند “سلامة”…”

– قلت: ولكِن…

فقاطعني قائلًا بحدّة:

– “يا حبيبي عندي شغل، ما تْضَيِّعلي وقتي”.

فسكتّ وأقفلت فمي، فما أنا ممن يُضيعون وقت الآخرين. ورحت أفكر في ما عساي أفعل في هذه المصيبة؟! فمعاشي التقاعدي برمّته لا يتعدّى الأربعة ملايين! وفيما أنا في ذلك، إذ بسيارة مرسيدس بيضاء موديل السنة، تدخل الباحة. فما كان من صاحبنا المذكور إلّا أن ضرب كفًا بكفّ ومسحهما بمؤخّرة بنطاله، وهرع إلى السائق يفتح له الباب هاتفًا:

– أهلًا بالمعلّم سمعان.

لقد عرفنا الآن من هو سمعان، صاحب السّاحة. وخرج سمعان وفي فمه سيجارٌ كوبيُّ كعصا الرفش، وأخذ يتغربل في مشيته. وما كاد يراني حتى نزع سيجاره من فمه صارخًا:

– “أستاذ حنا؟! ولك كيفك؟ وينك يا زَلْمي… اشتقنا…”

– قلت: أهلًا…

– قال: “ما عْرِفْتني؟”

– قلت: وجهك ليس غريبًا عنّي.

– قال: “أنا سمعان تلميذك بمدرسة ح. الرسمية.”

– فقلت: لا أذكر.

– قال: “وْلَك شو قِصتك، كانوا يلقّبوني سمعان الطُشّ”.

– قلت: نعم، نعم. أهو أنت؟!

وبعد السلام والكلام واستذكار الماضي، رست مُناقصة “الفيتاس” عليَّ بمبلغ خمسة ملايين ليرة، إكرامًا من سمعان لمعلّمه القديم…

نعم يا صديقي، تذكّرت “سمعان الطِّش”. وعادت بي الذكرى إلى أكثر من عقدين من الزمن عندما كنت أستاذًا للّغة العربية في إحدى المدارس الجبليّة، وكان سمعان تلميذًا غير نبيه على الإطلاق؛ لكأنَّ بينه وبين الدراسة عَداء قديم؛ وقد رجاني أكثر من مرة أن أُقنع والده بأن يعفيه من الدراسة، ولكنّني لم أفعل. حتى كان ذلك الصباح، حيث تفتّقت عبقريّة سِمعان عمّا لو سمعه جبران خليل جبران لَهَربَ من قبره لاعِنًا “بني أمِّهِ” وأبيه أيضًا، وقفلَ راجعًا ليُدفَن في أميركا. وإليك تفصيل الخبر:

لقد طلبت من تلامذتي ذات مرة تحضير موضوع في التعبير الكتابي. وكان الموضوع في قول جبران: “إنّما النّاسُ سطورٌ كُتبَتْ لكِن بِماء”. حلِّل وناقش هذا القول.

وكان من عادتي أن أجعل التلاميذ يقرأون على رفاقهم ما كتبوه رغبة في المشاركة والنقاش… وصعد سمعان على الدكّة وراح يقرأ ما لا يُفهمْ، حتى وصل إلى الخلاصة الدَّسمة -وأعتذِرُ مسبقًا يا صديقي على نقلي هذه الغلاظة- فقال شارحًا:

– إن الإنسان -كما قال جبران- هو “كالخِرْيَةِ في الرِّجْمَةِ” فما إن تطلع الشمس حتى يختفي كل شيء.

فانفجر التلاميذ بالضحك. أمّا أنا، وقبل أن يستفيضَ صاحبنا بالشرح، صحت به بأعلى صوتي:

– “إنزِلْ، الله لا يوفّقك”…

وفي الغد أخبرت الوالد بوضع ابنه. وكان لسمعان ما أراده. فكان ذلك النهار آخر عهدٍ له بالعِلم والمعلّمين وبمن يتعلّمون…

فانظر يا صديقي أين سمعان اليوم وأين أنا منه! أيمكنك التّصوُّر أنّني أنا الدكتور حنّا كنت واقفًا كالمتسوِّل على بابه؟!!

عدت أدراجي، أفكّر في ما آلت إليه أمور المثقّفين في بلاد الأرز، وأتساءل إذا ما كانت الثقافة في بلدي تُسمن أو تُغني من جوع؟ أنظر، أنا الذي ناضلت وطلبت العلى، وسهرت الليالي، وأصبحت أستاذًا ثانويًّا، ثم حزت الدكتوراه من السوربون بدرجة “جيد جدًا”، وكانت أطروحتي تحت عنوان: “صدى الحنين في أقلام أعضاء الرابطة القلميّة”… فما جنيتُ من كُتّاب الرابطة هؤلاء؟! فيما يتراءى لي أنّ الحياة باتت اليوم في مكانٍ آخر…

وحين وصلت إلى البيت، دخلت المكتبة، وعمدت إلى رفوفها، فقبضت على من استطعت إليه سبيلًا من أعضاء الرابطة المذكورة. جعلتهم أمامي في كومةٍ صغيرة على الأرض، وأقمت لهم محكمة عُرفيّة: ساءلتهم، ناقشتهم، جادلتهم، حمّلتهم مسؤوليّة ما مُنيت به من تيه وضياع خارج الزمن، ثم حاكمتهم! نعم حاكمتهم وجاء إصدار الحكم على طريقة محاكم التفتيش في القرون الوسطى: الموت حرقًا…

وهذا ما كان.

أمّا ما جرى بعد ذلك فأنت تعرفه جيّدًا، وهذه آثار المحرقة ماثلة أمامك على الجدران.