الرئيسية / مقالات / الرئيس اللبناني ومقولة «النظام لا يتغير بالساحات»

الرئيس اللبناني ومقولة «النظام لا يتغير بالساحات»

 رأي القدس 
القدس العربي
25102019

قدّم الرئيس اللبناني ميشال عون ردّه على الاعتصامات والمظاهرات والاحتجاجات المتواصلة منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر الحالي، وطرح في اللقاء القصير المسجّل معه مجموعة من الأفكار التي تستحق القراءة باعتبارها صادرة عن المسؤول الأول في لبنان، وكذلك باعتبارها مناسبة لقراءة طريقة فهم النخبة اللبنانية لأوضاع بلدها وحقيقة ما يجري فيه.
على عكس أغلب خطابات الزعماء العرب الذين ووجهوا بمظاهرات تطالب بإسقاط النظام وتصرخ مطالبة بتنحيهم ومحاسبتهم، لم يعتبر عون الأمر برمّته «مؤامرة» شخصيّة أو «كونيّة» ضده، ولم يتهم المتظاهرين بأنهم عملاء للخارج أو إرهابيون، ولم يطلب بالتالي من الجيش والقوى الأمنية المؤتمرة بأمرته استئصال أولئك «الإرهابيين العملاء» و«سحق المؤامرة»، والأغرب من ذلك أن عون زاود على المتظاهرين بالحديث عن «الطائفية التي حطمتنا والفساد الذي نخرنا وأوصل البلاد إلى الهاوية».
غير أنه بعد هذه المقدمة الزاهية بدأ بإزجاء المدائح إلى نفسه فتحدث عن التزامه بمحاربة الفساد ونشره للأمان والاستقرار واستعماله كافة الوسائل لتحقيق النهوض بلبنان، وأنه، لولا «الذهنية الطائفية» لتمكن من وضع صاحب الكفاءة في المنصب الذي يستحقه، ولم يبق عليه سوى مشكلة واحدة وهي «الأزمة الاقتصادية».
اعترف الرئيس أن اللبنانيين لم تعد لديهم ثقة بالطبقة الحاكمة اللبنانية وأنهم صاروا يتلقون الضريبة باعتبارها خوة، وأنها ستسرق عبر وسائل الهدر والفساد، ولحلّ المشكلة الاقتصادية اقترح عون «إرجاع الأموال المنهوبة»، ومن أجل ذلك فقد قدّم هو شخصيا قانونا لاستعادتها، كما كلّف لجنة بالتدقيق في كل الموازنات السابقة على عهده، وسوف يحيل الفاسدين إلى القضاء، كما سيتم نزع السرية المصرفية عن حسابات الوزراء والنواب والمسؤولين، وسيكون، هو شخصيا، «سقف الحماية» للقضاة الذين سيحاسبون أولئك الفاسدين بشرط «ألا تقوم طائفة» سارق الأموال العامة «بالدفاع عنه بشكل عمياني»، كما أن الساحات ستبقى مفتوحة للمحاسبة، وأنه سيلتقي ممثلين عن المتظاهرين لسماع مطالبهم، وكذلك ليشرح لهم مخاوف طبقته السياسية من الانهيار الاقتصادي.
ينهي الرئيس اللبناني خطبته التي خضعت، بشكل واضح، إلى الكثير من التقطيع والمونتاج، بفكرة إشكالية وهي أن «إسقاط النظام لا يتغير بالساحات ولكن عبر المؤسسات الدستورية»، وهي مقولة غريبة حقا، وتكاد تنسف كل ما قاله سابقا، فإذا كان النظام لا يتغير بالساحات فلماذا قامت الحكومة بالاستجابة للمتظاهرين وطرحت ورقة دستورية اعتبرها، هو نفسه، إنجازا للمحتجين، وكذلك لماذا ظهر هو نفسه على الشاشة ليطرح وعودا لم يطرحها سابقا؟
غير أن المفارقة الكبرى في خطاب عون هي حديثه تارة باعتباره «ضحيّة» مثل الجماهير الخارجة إلى الشوارع، وأنه حاول جاهدا منذ تولي منصب الرئاسة تحقيق تلك المطالب الجماهيرية الملحّة (وفشل بالتالي)، وكذلك اعتباره نفسه خارج نطاق المحاسبة رغم أن جزءاً كبيراً من الغضب الشعبيّ منصبّ عليه شخصيا، وعلى صهره جبران باسيل، وريثه في رئاسة «التيار الوطني»، وأحد أكثر الوزراء المؤثرين في الحكومة الحاليّة، وفي الحكومات السابقة.
يعلم عون طبعا، رغم أنه يتجاهل، أن التغيير في لبنان كان يمرّ دائماً عبر الشارع والساحات، وينطبق هذا الأمر عليه هو شخصياً، الذي جاء بقوة حراك شعبي قويّ، وكذلك رئيس الوزراء الحالي سعد الحريري، وكذلك «حزب الله»، وهؤلاء جميعا، متشاركون حالياً في محاولة إجهاض الشارع الذي ملّ من الانقسامات الطائفية التي يزعم عون مناهضتها.
خطاب عون جاء متأخرا كثيرا لشارع تجاوزه كثيرا ورفع عنه الغطاء. أعاد اللبنانيون اكتشاف أنهم شعب واحد من طرابلس إلى النبطية عبورا بجبيل وجل الديب وذوق مكايل وبيروت وصيدا وصور، وعلى الطبقة الحاكمة، وعلى رأسها عون، أن تفهم هذا الأمر وتبعد قبائلها الحزبية الصغيرة من أمام اللبنانيين.

اضف رد