الرئيسية » ثقافة » الهويات القاتلة قتيلة في رواية علوية صبح “افرح يا قلبي”"/>
الرئيسية / home slide / الرئيسية » ثقافة » الهويات القاتلة قتيلة في رواية علوية صبح “افرح يا قلبي”

الرئيسية » ثقافة » الهويات القاتلة قتيلة في رواية علوية صبح “افرح يا قلبي”

الهويات القاتلة قتيلة في رواية علوية صبح “افرح يا قلبي”

شخصيات من لحم ودم تتخبط في أزماتها الشخصية والجماعية في الوطن والمغترب

شيرين ابو النجا ناقدة أكاديمية مصرية 

الثلاثاء 27 ديسمبر 2022 15:27
https://www.independentarabia.com/node/405806

    

لوحة للرسام بهران حاجو (صفحة الرسام – فيسبوك)

في عام 1986 أصدرت الكاتبة اللبنانية علوية صبح “نوم الأيام” عبر بناء متشظ ورؤية بينية لا يستقر فيها النص في المنام أو اليقظة، فحفرت للنص منطقة رمادية تطرح السؤال ولا تقدم الإجابة. ثم خاضت في عمق التشظي مع “مريم الحكايا” عام 2002 لتكشف عن أثر الحرب الأهلية في تشويه النفوس مع التركيز على مصائر النساء. فمريم التي تحكي (وتكتب بحسب مفهوم دريدا) لا تجد سوى الكتابة كوطن أخير. في عام 2006 عادت علوية برواية “دنيا” التي تركز عدستها على قصص فردية – دنيا ومالك، وفريال وخالد – فتصطحب الجمعي في خطابها. يتوهم القارئ أن “دنيا” تجاوزت الحرب الأهلية ثم يدرك أنها تحلل ما فعلته الحرب في الذوات الفردية وفي المدينة، فمن يبدأ مناضلاً ينتهي أحياناً قاتلاً.

ولكن في 2009 ومع صدور “اسمه الغرام” أكدت صبح أن الذاكرة – مثل الكتابة – هي ما يبقى، فنهلا التي تفقد ذاكرتها تحتفظ في داخلها بذاكرة جسدها. في شكل عام، تسعى كل نصوص علوية صبح إلى إحياء الذاكرة حيال ما فعلته الحروب في النفوس وإزاء تأثيرها على تدهور وضع النساء- كلهن- في مجتمع لم تمكنه الحروب والأزمات من استعادة توازنه. وبعد صمت دام أحد عشر عاماً، عادت صبح برواية “أن تعشق الحياة” (2020). كان الصمت إجبارياً، إذ تمكن أثر الحروب والطائفية والأزمات وما يسميه اللبنانيون “الأحداث” من الكاتبة، فأرادت أن تعلن عشقها للحياة. إنه العشق الذي يُجبر الراوية على محاولة استعادة ذاكرتها مرة أخرى عبر الكتابة عما شهدته من الحرب وعن حروب أخرى طازجة في أوطان مجاورة.

المعمار النفسي والإجتماعي

30059d93b8e0903a9e48e2d3036162f8 (1).jpg

رواية علوية صبح الجديدة (دار الآداب)

في عام 2022 تصدر علوية صبح رواية “افرح يا قلبي” (دار الآداب) وهو عنوان يصدم القارئ، إذ إن السعي لعشق الحياة عبر فن الرقص في 2020 لا يستدعي مطلقاً الفرح في 2022 والغناء مع أم كلثوم: “يا فرحة القلب الحزين، لو صادف الخل الأمين، بعد التمني والحنين يبلغ مناه ويا الحبيب، افرح يا قلبي”. تزداد تساؤلات القارئ عندما يُدرك أن الرواية تعود مرة أخرى إلى ما خلفته الحرب في النفوس، تلك الحرب التي بدأت ببضع رصاصات عام 1975، ومنذ تلك الساعة ظلت تُعيد نفسها في أشكال مراوغة. لكن ما التقطته صبح في هذه الرواية هو مسألة الهوية التي تسعى الذات إلى الإمساك بها في عالم متداع ومفتت. ومن خلال سردية بلدة “دار العز” تشتبك الكاتبة والشخصيات مع كل التناقضات والحروب والهويات القاتلة – بحسب تعبير أمين معلوف – التي تدفع البشر إلى إلغاء المختلف، وقد تدفعهم خارج المكان (حرفياً ومجازياً) أو نحو النقيض، لتتحول إلى هويات قتيلة – بتعبير عمر يوسف – أو تبتلعهم بنهم كما حدث مع مصطفى سعيد في رائعة الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”. في “افرح يا قلبي” أو بالأحرى في بلدة دار العز ظهرت كل أشكال الهوية، بما في ذلك الهوية المهزومة والمتشظية والمنقسمة. تقوم الرواية على المعمار النفسي والاجتماعي لبلدة دار العز، وهو ما يجعل المكان بمثابة المعادل الموضوعي لأي مكان آخر.

وإذا كانت عائلة غسان هي مركز الحدث في دار العز، فإن تفاعلها مع البيئة والوقائع، يؤكد أن الهوية أزمة ليست محصورة في حدود المحلي، بل تتعداه لتصل حتى نيويورك، وهو ما يجعلها أزمة عابرة للحدود. أب صارم يحمل كافة التناقضات داخله، يضرب زوجته بإتقان مماثل لاندماجه في الاستماع لأم كلثوم. يضربها فقط لتخاف منه فلا تفكر في خيانته، وهي لا تحتج مطلقاً. يتجه جمال- الأخ الأكبر- إلى اليسار لمناصرة الفقراء، ويتجه سليم إلى الانغماس في الرقص الشرقي، ويجد طارق نفسه في عدسة الكاميرا، أما عفيف فيتجه إلى أقصى اليمين حيث التطرف الديني، ويختبئ محمود في عباءة الأب، ويبقى لغسان الأصوات التي تسحره وتتحول إلى ما يشبه النداهة. ولأن “لكل شيء بداية ونهاية وما بينهما السر”، تقع التحولات الجذرية في رؤية الشخصيات لذاتها ولموقعها في العالم وعلاقتها بالآخر، سواء المشابه أو المغاير.

ffffffffffffffffffffffffff.jpg

الروائية علوية صبح (دار الآداب)

يترك غسان البلدة ويهاجر إلى نيويورك – “لم يبقَ له من وطن سوى الموسيقى” – يغادر المكان كارهاً كل ما آلت إليه الأمور، ويتخذ قراراً بعدم العودة. لكنه يدرك أن “المكان هاجس ووسواس خارج إرادته ومتجذّر فيه، وكيف يُخلَع جسد من مكانه ليفارقه؟”. ومع كيرستين المتبحرة في عالم الصوفية والموسيقى الشرقية والمتصالحة مع جسدها، يجد لنفسه وطناً آخر. يهجر غسان الجذور ليمشي في طريق معاكس متوهماً أنه قادر على محو ذاكرة الماضي. يقاطع الثقافة العربية والموسيقى الشرقية معتقداً أن صم الأذنين كاف لمحو المكان.  ولكن مع أول أزمة أصابته جراء ما وقع لأخيه طار عائداً إلى جذوره في شكل متطرف.

الصورة والمجازر

طارق، المصور الصحافي، الذي برع في عمله حتى لبات يتسلم راتبه باليورو، أيقظته مجازر العراق ونبهته أن فنه يحول الحروب إلى سلعة للفرجة ولجني المزيد من الأموال، فيرسل لغسان قائلاً: “الكوابيس تلاحقني طوال الليل وتكدّر حياتي، وبتّ أشعر أن كاميرتي هي هذه الكوابيس”. وكأن غسان كان ينتظر أزمة تخرجه من أزمته. يسقط في ما يشبه غيبوبة قصيرة، وعندما يعود إلى الحياة مرة أخرى يدخل “في ردّة تجاه الآلات الغربية”، فـ “استعداها ودخل في أصولية فنية متعصّبة. بات يرفض كل شيء غربي حتى حياته في أميركا ويفكّر بالعودة إلى قريته”. تكمن إحدى أزمات الهوية أن معتنقها يغلفها دائماً باليقين الأصولي، فقد غادر غسان المكان غاضباً وقرر أن يقاطع الموسيقى الشرقية، لكنه الآن ينتقل إلى النقيض ويرغب في العودة إلى بلدته، وهو ما يحدث بالفعل بسبب موت أبيه. بهذا تتحول علاقة غسان بالأصوات الموسيقية إلى مؤشر دال على أزمة الهوية لديه. بكل الإحساس بالذنب تندفع التساؤلات في عقل غسان، فيدرك أنه “انسلخ عن المكان الذي هجره وكبر بعيداً عنه، وها هو يعود إلى العالم الذي هرب منه طويلاً. الأشياء كلها أمامه كأنها تنفض عنه زمنه الذي عاشه في نيويورك، وتعيد إليه ذلك الطفل الذي بقيت صفحة الهلع طويلاً مفتوحة أمام وجهه”. لم يدرك غسان أن صفحة الهلع لم تُقلب أبداً.

تبدو ردة غسان إلى جذوره قوية وعنيفة، ويتخبط على طريق الرحلة، وكأن الانقسام والتشظي ومحاولات الهروب من مواجهة واقع مؤلم، تدفع الشخصيات إلى ارتكاب أكثر الأفعال تطرفاً وتناقضاً. فإذا كان محمود قد تزوج من جيهان التي كانت عشيقة أبيه، فقد اختار بعد موت الأب، أن يتحول إلى نسخة مماثلة منه. وإذا كان غسان قد هجر ثقافة وطنه ليجد مكاناً مريحاً في زواجه من كيرستين التي تكبره، فقد عاد إلى البلدة ليتزوج من رُلى التي هي في عمر ابنته. ويشتد الصراع الداخلي، فغسان كان على يقين أن “لا علاقة له بالذهنية الشرقية التقليدية وأنه يرفضها، بل يكرهها، لكن زواجه برُلى أدخله في طاحونة طالما هرب من طحنها له. وما أثار استغرابه، تلك الغبطة السرية التي تنتابه حين تعامله رُلى وكأنه هارون الرشيد وهي جارية عنده”. جرى خطأ في وصم هذه الأفعال بالازدواجية، لكنها هوية مأزومة تخضع لسياسات المكان والطبقة والسن والدين والمجتمع والثقافة، تتقاطع الذات مع الشيء ونقيضه وعليها أن تجد مخرجاً. ولأن ما قام به غسان يدخل في فعل الخيانة، خيانة كيرستين وخيانة قناعاته وتكراره لأفعال صديقه سعيد الذي كان قد دانه من قبل، كان لا بد أن تكتمل دائرة الأزمة لتخنق الجميع. تعبّر هذه الأزمة عن نفسها في السرد عبر تكثيف توظيف السؤال الداخلي المتكرر، بالإضافة إلى ازدياد وتيرة الرحلة بين لبنان وأميركا ذهاباً وإياباً.

التطرف الديني

بعد أن تلد له رُلى ابنة – آية – تجد لنفسها هوية في التطرف الديني السطحي، فتسكن النقيض تماماً. ثم تفقد حياتها بشكل عبثي، إذ تصيبها رصاصة طائشة كانت تعبّر عن بهجة احتفالية. وكأن هذه الرصاصة في تأثيرها على غسان تماثل الرصاصة التي أُطلقت في عام 1975 عندما اندلعت الحرب الأهلية. يقرر أن يغادر تاركاً آية في “دار العز”. لكن رحيله هذه المرة مختلف، فالرحيل الأول كان هروباً وغضباً، أما هذه المرة فقد شعر بالحزن “لأنه سيغادره كما لو أنه يخونه هذه المرة، على عكس أول هجرته، واعداً نفسه ألّا يعود أبداً”. ولأنّ لا بد من إغلاق الدائرة سردياً- حتى لو شعر القارئ أنها نهاية مفتوحة- فقد نسجت صبح نهاية ملتبسة قصداً. فعلى متن الطائرة المتجهة إلى نيويورك تملك غسان “شعور بالسقوط”. يأتي احتمال سقوط الطائرة وكأنه المخرج الوحيد لغسان من أزمة هوية تصاعدت حتى تحولت إلى ورطة. وهو سقوط يؤشر أيضاً على فشل غسان في الانخلاع من الجذور. فالهوية لا يمكن أن تُقتلع من المنبت ليتم زرعها في تربة أخرى، وهو ما حدا بمنظري سياسات الهوية إلى تبني مفهوم “الهجنة” الذي قدمه المفكر الهندي هومي بابا في محاولة إيجاد منطقة وسطى بينية، لا تنتمي إلى هنا أو هناك، بل هي جديدة كل الجدة.

“من أين خرج منه هذا الرجل الجائع للسلطة وهو الذي كره خضوع أمه لأبيه ولطالما تمنى أن تقاومه ويصبح لها كيانها؟ فكيف يجعل من رُلى نسخة عن أمه؟”.  تكمن أزمة غسان في ارتمائه في أحضان وهم الهوية النقية والثابتة كمركب جامد لا يتأثر بأي عوامل اجتماعية، أو سياسية، أو دينية، أو نفسية. فلم ينجح في ما نجحت فيه كيرستين التي وجدت لذاتها وباختيارها موقعاً تصالحياً بين عالمين وثقافتين. حتى والدة غسان- المسحوقة تماماً- تبدو متصالحة مع كافة أنواع القهر الذي ينزل بها. أما رُلى الشابة الواعية بجمالها كرأس مال رمزي، فقد ارتمت في أفكار اجتماعية تتعلق بالزواج والعلاقات الجندرية، ثم ارتدت إلى النقيض في محاولة للعثور على مساحة للتحقق النفسي، فلم يكن لديها أي اختيار سوى أن تكون نقيضاً لكيرستين ولكل ما تمثله. إلا أن الحبكة السردية كان لا بد أن تزيحها من إطار الأزمة تاركة المساحة لغسان. فما فعلته رُلى ليس إلا أحد توابع ما قام به غسان.    

 في رواية “افرح يا قلبي” لم تحاول علوية صبح أن تُجمل الواقع أو تزيده قبحاً، بل قامت بنقله عبر التبحر في سياسات الهوية وأزماتها التي أصبحت المحور الرئيسي في تشكيل حياة الذات العربية. وكما حولت الرقص في “أن تعشق الحياة” إلى الأمل الأخير للنجاة من السقوط في أزمة الأصولية، تفعل الشيء نفسه في “افرح يا قلبي” مع الموسيقى والطرب. فأغنية “افرح يا قلبي” لأم كلثوم التي تعلمها غسان من جده (المتصالح مع ذاته تماماً) والتي افتتحت بها الرواية، تغلغلت في ثنايا السرد حتى وصلت إلى آية في نهاية الرواية، قبل سقوط غسان. بهذه الأغنية التي رددتها طفلة العاشرة تقل وطأة سقوط غسان، فأغنيتها التي تدعو إلى الفرح قد تقود إلى نور في نهاية النفق وتنجو بها من الهويات القاتلة والقتيلة.