اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / الرئاسة الأولى أبعد من الاستعانة بالتقليديين

الرئاسة الأولى أبعد من الاستعانة بالتقليديين

19-01-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

روزانا بومنصف

تعبيرية (نبيل اسماعيل).

لولا احتدام الوضع في لبنان على جبهات عدّة انهيارية ووجود أولويات طارئة تتقدّم على كلّ المسائل السياسية المحتملة، لكان التجاذب على الرئاسة الأولى تبلور على نحو ظاهري أكثر حدّةً فيما لا يملك السياسيون ولا الإعلاميون أو سواهم ترف البحث في موضوع الرئاسة الاولى برغم احتدامه على نحو غير مباشر والبحث المضني في الأسماء المحتملة لموقع الرئاسة، التي يقيّض على أساسها إعادة تكرار الفراغ الرئاسي الذي مارسه التيار العوني وحليفه “#حزب الله” أم لا. ويكاد أكثر من طرف سياسي يتواصل مع الحزب يجزم بأن أولوياته ليست بعيدة من الانتخابات الرئاسية التي لا تقلّ أهمّية بالنسبة إليه عن #الانتخابات النيابية وربما أهم في مرحلة البحث عن رئيس يؤمّن له الضمانات التي وفّرها له الرئيس ميشال عون. وذلك بينما المشكلة الأساس التي دفع أثمانها أفرقاء سياسيون كثر كان أبرزهم الرئيس سعد الحريري، هي التسوية التي أوصلت عون الى الرئاسة على نحو يكاد يحسم طيّ صفحة العونية في الرئاسة الأولى سواء كان اسمها التمديد لعون ببقائه أو بانتخاب صهره جبران باسيل، فيما ترى غالبية أن الأخير مارس الرئاسة فعلاً بعدما أتاح له رئيس الجمهورية فرصة تجربة الممارسة الرئاسية تمهيداً للمعركة المقبلة.

أمام المرشحين التقليديين الذين تتردّد أسماؤهم راهناً جملة عقبات لعل أهمّها أن لبنان المرهق من استمرار هذه الطبقة السياسية بما تسبّبت به للبنان، مهما تكن نسبة المسؤولية التي يتحمّلها كلّ طرف، لا يحتمل إعادة تثبيت الاستمرارية نفسها. وسواء كان ذلك ينطبق على قائد الجيش بغضّ النظر عن أهليته وكفايته، أو على مرشّحين سياسيين آخرين، فإن الأمر معقد ويتخطّى مسعى كلّ فريق من الأفرقاء المسيحيين لإلغاء حظوظ من يمكن أو يُحتمل أن يكون الأوفر حظاً. فيسري على سبيل المثال أن الحزب الذي مارس مونته على رئيس تيّار المردة سليمان فرنجية في 2016، على رغم أن الرئاسة وصلت الى فم فرنجية، أتاحت للأخير ديناً رتّبه على الحزب في الرئاسة المقبلة ويتعيّن على الحزب أن يمون على حليفه العوني من أجل تأمين دعم مسيحي له قد لا يتوافر عبر حزب القوات اللبنانية التي كانت لها اليد الطولى في تفضيل انتخاب عون على فرنجية في 2016.

الحديث في هذا الإطار يظلّ يدور حول مدى تأثير الحزب أكثر من أيّ طرف آخر في ترجيح كفة الرئاسة في اتجاه معيّن، علماً بأن تزكية الحزب لأيّ شخصية مارونية يُحتمل أن تؤدّي في السياق الذي تحصل فيه الأمور راهناً الى إطاحة أيّ فرصة له. فهناك حساسية متعاظمة لدى غالبية المسيحيين خاصّةً أن يتولّى الحزب اختيار الرئيس المقبل كما كان يفعل السوريون، وقد أربك اختيار عون هذا الواقع باعتبار أنه كان من الأكثر تمثيلاً والتصاقاً بوجدان المسيحيين ولو أنه خسر ذلك بعد انتخابه، فيما أيّ اختيار متجدّد للحزب لأيّ شخصية مارونية، بغضّ النظر عن حيثيتها، قد يؤدّي الى إهدار فرصتها لا في الداخل بل في الدول العربية كما في الخارج كذلك، إذ فيما يبحث الحزب عن استمرارية ما لعون وإميل لحود من قبله، بات الانفتاح على لبنان عربياً ودولياً، مرتبطاً الى حدّ كبير بشخصية بعيدة من سيطرة الحزب ونفوذه وبعيدة من الأحزاب على نحو مباشر، فلا تنقل لبنان الى المحور الإيراني السوري بل تحرّره منه على الأقلّ بإعادة التوازن الى الواقع اللبناني وسياسته الخارجية.

يقول مطّلعون إن “حزب الله” يملك لائحة من أسماء المرشّحين الذين يملك القدرة على تظهيرهم من دون أن يبدو هو في الواجهة إن لم يكن ثمّة مجال للأسماء التقليدية التي احترق غالبيتها بفعل عدم تحمّل البلاد المزيد من الشيء نفسه أي القيادات نفسها التي استمرّت منذ الحرب. ومع أن الأحزاب والقوى السياسية ستعيد تأهيل نفسها عبر الانتخابات النيابية وتثبيت شرعيتها مجدّداً لاعتبارات متعدّدة سواء كانت الأسباب في قانون انتخابي مفصّل على مقاساتها أو لاحتمال حصول مقاطعة كبيرة فيقتصر التصويت على المحازبين والمناصرين المباشرين، أو لغياب البدائل المطمئنة التي توحي بالثقة، تبرز الحاجة الى رئاسة مستقلّة وحيادية وقادرة. وحين خاض الأفرقاء السياسيون الحرب على الرئيس سعد الحريري رفضاً لحكومة برئاسته تحت شعار أنه لا ينتمي الى فئة الاختصاصيين التكنوقراط ليرأس حكومة مماثلة، كانت ذريعة إطاحته هو فيما استعين بالرئيس نجيب ميقاتي بدلاً منه. والمقاربة نفسها يمكن ان تُعتمد نتيجة الحاجة الماسّة الى رئاسة أولى لا تشكّل استمرارية للماضي وليس للعهد حصراً في ظلّ الاستعانة بتجارب رؤساء تكنوقراط أداروا البلاد على نحو أفضل بكثير ممّا فعل آخرون من قادة الجيش أو من السياسيين. ولكن الأمور ستبقى رهناً الى حدّ ما بالانتخابات النيابية انطلاقاً من أن عودة الرئيس نبيه بري على سبيل المثال الى رئاسة المجلس النيابي ستحفّز في المقابل الدفاع عن الزعماء التقليديين وضرورة بقائهم في الواجهة ودفعهم الى الرئاسة الأولى، كما أن الرهان على تغيير الأكثرية له دوره حتى لو أن الرئاسة الاولى تُطبخ في مطابخ أخرى داخلية وإقليمية وحتى دولية وبمعطيات مختلفة. ولكن سياسيين كثراً يسمعون من رؤساء البعثات الديبلوماسية التعب الكبير من الدوران في الفلك نفسه والدفع نحو الخروج من الصندوق والبحث خارجه من أجل إعطاء نفس للبلد وإتاحة الفرصة لإعادة الثقة به. ومن يشغل موقع الرئاسة الاولى هو من يُفترض أن يعطي المؤشّر الأقوى على ذلك أي إعادة الثقة غير المحتملة بالأدوات نفسها إن كان ثمّة اهتمام خارجي بإنهاض البلد. ينصح هؤلاء بأسماء مهمّة لها مكانتها في مواقع دولية ولها الباع الطويل لا في السياسة بل في الاقتصاد بحيث يمكن إمساك الوضع في البلد لا عبر الاجتهادات أو فبركة التفسيرات الدستورية بل عبر امتلاك القدرة على فهم التعقيدات المالية والاقتصادية وإدارتها على نحو مباشر من دون وسطاء، وهذا ما يحتاج لبنان إليه في المرحلة المقبلة بمقدار حاجته الى سائر الأمور الأخرى.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb