الرئيسية / home slide / الذين لا مكان لهم في الجمهورية

الذين لا مكان لهم في الجمهورية

12-01-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

رفع الأعلام اللبنانية (نبيل اسماعيل).

مساء الخميس الماضي أمضينا مع #غسان سلامة في “صار الوقت” ساعة من أرقى الكلام السياسي والوطني. وقد انقسم الذين تسمَّروا الى سماعه: فريق يعتبر ان هذا العقل تجاوز بكثير مستويات السياسة ال#لبنانية الحالية، وفريق آخر يرى ان لا بد دائماً من غسان سلامة يذكّر اللبنانيين بالمرتبة التي خسروها بين الشعوب والأمم.

لم يكن المستوى الفكري والعلمي والثقافي، أهم ما في حديث غسان سلامة. الأهم، كان المستوى العاطفي والوطني والقومي والاخلاقي الذي قدّمه. وقد أذهلنا هذا الاكاديمي المحدود الموارد عندما قال انه جمع، هو وعائلته وأهل زوجته (الصاغة بوغوصيان) سبعة ملايين دولار لضحايا كارثة 4 آب. ليس المبلغ وحده مذهلاً. المذهل ايضاً ان الجمهورية اللبنانية لم تصل بعد الى مرفأ بيروت، ولا استقبلت وفداً من الضحايا، مكتفية بإيفاد الرئيس الفرنسي موفداً عنها. مرتان.

زادت صورة غسان سلامة من تظهير حالة اليباس الضاربة في الاضاءة على رثاثة الخطاب السياسي العام. وتأكد للبنانيين مرة أخرى، انه لا يمكن تقبّل رجال بهذه الكفاءة الهائلة في السلطة، لأن مجرد وجودهم يشكل فضحاً بنيوياً للفئة الخالية من اي موهبة او كفاءة أو صفة مقبولة. ذات مرة أصغى الرئيس امين الحافظ الى غسان سلامة على NBN. وبعد انتهاء المقابلة اتصل بي غاضباً: “هل يُعقل ان يكون اي لبناني آخر وزيراً للخارجية وعندنا مثل هذه القامات؟”. طبعاً يُعقل.

شرح غسان سلامة للبنانيين بديهيات البديهيات الدستورية. وفسّر لهم ان الفيديرالية التي يطالب بها من يفتشون عن صيغة مقنعة للتقسيم، هي خيار ضدهم! وشرح للذين يطالبون بتغيير النظام ان العلّة لم تكن يوماً في النظام، بل في المؤتمنين على تطبيقه وعلى احترام الدستور والقسَم وحماية مصالح لبنان واللبنانيين ومستواهم المعيشي. لقد لاك اللبنانيون في السنوات الأخيرة معاني وتفسيرات الرموز الدستورية وكأنهم يريدون تتفيه كل ما هو قابل للحياة. وأُبعِد ائمة الدستور من مثل جوزف شاوول وحسن الرفاعي وسائر الضمائر القانونية، وسُلّمت أسمى مهمة في الجمهورية إلى محترفي “التوصاية” و “ايش بدك بعمل”. رجال الدستور هم علامة الدول. إذا غُيِّبوا، غابت… ولبنان الصغير كان من اوائل الدول العربية التي اقامت لنفسها دستوراً سلمته الى رجال مثل بشارة الخوري ورياض الصلح، واول دولة عربية بعد مصر تقيم نظاماً قضائياً من أعلامه سامي الصلح. وكان على المسيحيين ان يبقوا دائماً في مستوى الثقة التي اولاهم اياها المسلمون، فلا يفرضون على شركائهم نماذج سائبة، مستغلين بذلك رحابة الدستور وامانة القسَم.

أعود دائماً الى الدكتور ناجح ابراهيم، مؤسس “الجماعة الاسلامية” في مصر، الذي انتقل من غلاة السلفية الى أنبل الانفتاح على المسيحيين والمسيحية. وفي الاشهر الأخيرة نشر المفكر النبيل في “الشروق” و”المصري اليوم” سلسلة مقالات تحت عنوان “المسيح في الاسلام” و”المسيحيون العرب”. باستثناء خطأ بسيط، هو الخلط بين “الاخطل الصغير” بشارة الخوري و”الشاعر القروي” رشيد سليم الخوري، يعدد الرجل سلسلة لا نهاية لها من الاسماء التي قرّبت بين المسيحية والاسلام. ويعيدنا ذلك الى “حقوق المسيحيين” عندما يمثلها رجل مثل غسان سلامة على جميع المستويات العربية والدولية، او عندما تمثلها مجموعة اللوائح الانتخابية الرفيعة التي يجب ان يكون بعضها امام المحاكم والمجالس التأديبية.

لا مكان لغسان سلامة في لبنان. هو مكانه مبعوث أممي في العراق أو في ليبيا أو في الامانة العامة. هو مكانه في طرح افكار السلم والعدل والخلاص على الطائف، هو رجل المصالحات والتضحيات والترفع. ونحن بلد لوائح وصغارات ووقاحات وقلة أدب.

ألم يكن من الأفضل ألّا يطل علينا غسان سلامة ليقول: “ماذا يشكو النظام الذي علّمني لأنني من عائلة فقيرة؟”. والنظام هو الذي جعله استاذ العلوم السياسية في اليسوعية والاميركية وفي اعلى منصب اكاديمي في هذا الحقل في باريس. أما الذين لم يستطع النظام ان يجعل منهم شيئاً فإن كل انظمة العالم لا تستطيع ان تجعل منهم اكثر مما هم: علامات الخراب والغرور والتقهقر ونهايات لبنان المعلنة.

النظام الذي “علّم” غسان سلامة هو ايضاً الذي علّم الياس سركيس، وعلّمه ان يكون أنقى من فؤاد شهاب واقوى منه. مفهوم القوة عند الياس سركيس كان علو النفس. دخل القصر الجمهوري وحيداً وخرج وحيداً. “النظام” هو الذي جعل لبنان الأكثر ازدهاراً. وقد حلّ الخراب يوم حلت “الفوضى” وفقد لبنان كرامته وأرفق “اتفاق القاهرة” بمجموعة هدايا من سيارات “بي. ام. دبليو”، لستّات البلد.

ليس في العالم نظام مثالي. لذلك تعدَّل الانظمة والقوانين والتشريعات باستمرار، ولكن عن طريق مجلس النواب وفي مناخ صحي وائتلافي، وليس في مثل هذا الجو الخانق من الكره والاحقاد. وليس عندما يكون مرشح الجمهورية التالي على عداء مع جميع المكونات السياسية في البلد. ولا عندما يدعو رئيس الدولة الى “حوار” وطني بعدما “جرجر” رؤساء الحكومات، وأشهر عداءه لرئيس مجلس النواب، الذي هو ايضاً ركن الاستقرار والصبر وطولة البال على لغة “البلطجية”.

قطعَ العداء والحقد بالفئات اللبنانية مراحل لا عودة عنها. والنظام الذي نريد اسقاطه اليوم، كان يضمن في الماضي الى حدود معقولة، ألّا يكون الرئيس طرفاً معلناً وفي لغة حادة، بدل الحفاظ على المرجعية الحيادية، ولو من حيث الشكل. لكن اللغة التي طغت في السنوات الأخيرة جرّدت لبنان من كل ما بقي من إلفة ومودة وخلق وطني.

“النظام” كانت له ادبياته وسلوكه، وموظف عادي في القضاء رفض معاملة لفؤاد شهاب، أو بالاحرى موظفان، فؤاد بطرس والياس سركيس. قبل الدعوة الى حوار يجب الاتفاق على لغة الحوار. وعلى الحدود الدنيا من تعابيره ولهجته وأصوله. وإلا سوف ينتهي الأمر كما انتهت “الحوارات” السابقة. عام من زيارات سعد الحريري الى بعبدا انتهت باعتذاره، لأنه نسي كلام الجنرال عن الـ/ One way ticket وكمالتها to the blues جمعاً يكون.