الذاكرة الدينية وطوفان التحديث

 


مالك التريكي
Jul 07, 2018

احتفت فرنسا أول هذا الشهر بدخول السياسيّة سيمون فاي، بعد عام بالضبط من وفاتها، إلى مقبرة البانثيون لتنضم، مع فولتير وجان جاك روسو وألكسندر دوما وفيكتور هوغو وأميل زولا وجان جوريس ولوي باستور وبيار كوري وماري كوري وأندري مالرو وجرمان تيون الخ، إلى كوكبة الخالدين من عظماء فرنسا. إنها سيدة عظيمة حقا. كانت في السادسة عشرة من العمر عندما أرسلت مع عائلتها إلى معسكر أوشفيتز، حيث فقدت هنالك والديها وشقيقها. ولكن نجاتها من المحرقة النازية لم تزدها إلا تشبثا بوطنها فرنسا، رغم أن قوات شرطة نظام فيشي الفرنسي التابع للاحتلال النازي كانت أنشط في ملاحقة الفرنسيين اليهود من الألمان النازيين أنفسهم. وبذلك أكدت الموقف الوطني اللا ـ ديني الذي قد يكون أكبر رجالات الجمهورية الرابعة، السياسي الفذ بيار منداس فرانس، أفضل معبّر عنه عندما أعلن مرارا أنه متحرر من أصوله اليهودية، بمعنى أن مولده في أسرة يهودية الديانة لا دخل له بالمرة في تحديد انتمائه القومي. فقد كان من أوائل مقاومي الاحتلال النازي، وعارض العدوان الثلاثي على مصر. وقبل ذلك كان البرلمانيّ الوحيد الذي احتج على مشاركة فرنسا في الألعاب الأولمبية التي استضافها هتلر في برلين عام 1936، كما احتج على إحجام حكومة الجبهة الشعبية (أول حكومة يسارية في تاريخ فرنسا) عن دعم الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية. وكان يصر في كل مساعيه للتقريب بين القادة الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي كل تصريحاته بشأن الصراع العربي الإسرائيلي، على أنه لا يتحدث أبدا من منطلق أنه يهودي، بل من منطلق أنه فرنسي أولا، ويساري ثانيا.
قبل سنين ألقت سيمون فاي، بصفتها رئيسة سابقة للبرلمان الأوروبي، محاضرة في لندن عن تحديات استيعاب دول أوروبا الشرقية العشر التي انضمت لعضوية الاتحاد الأوروبي في مطلع أيار (مايو) 2004. قالت إن الاندماج بين ما لا يقل عن 28 عضوا صعب، إن لم يكن مستحيلا، ولكن التكامل بين غرب أوروبا وشرقها ضرورة تاريخية، ولهذا فقد اضطلعت به أوروبا الغربية على أنه واجب اخلاقي. وعندما فتح باب النقاش كان من الأسئلة التي طرحت عليها سؤال حول تقييمها لمدى إمكانية نجاح ملف ترشح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، فإذا بها تجيب بجملة واحدة: «حسب علمي، لا تقع تركيا في القارة الأوروبية!». بهذا الجواب المتخفف من أثقال النفاق الدبلوماسي، عبرت سيمون فاي عن موقف كان فاليري جيسكار دستان قد أعلنه قبلا بكل وضوح: أن تركيا وريثة حضارة إسلامية مجيدة، ولكنها لا تنتمي بأي حال إلى أوروبا ذات الإرث الحضاري المسيحي. ومعروف أن جيسكار دستان هو الذي بادر، عندما تولى رئاسة فرنسا عام 1974، إلى تعيين سيمون فاي وزيرة للصحة. فقد كانت من اللامعات في سلك القضاء، وصارت من أهم شخصيات المجتمع المدني بعد أن انضمت إلى حملة النضال من أجل الإحقاق القانوني لحق المرأة في حرية القرار والاختيار في مسائل الحمل والإنجاب ـ وهي الحملة التي تزعمتها، أول الأمر، المحامية التونسية الأصل جيزيل حليمي والفيلسوفة الشهيرة سيمون ديبوفوار.
إن في الموقف من ترشح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، كما عبر عنه جيسكار دستان وسيمون فاي، تذكيرا بحقيقة كثيرا ما يغفل عنها غلاة المتحمسين للعلمانية، في نسختها الراديكالية المتشنجة التي تضاهي في تزمتها تزمت الأصولية الدينية. وهي حقيقة أن الدين عنصر تكويني هام لا يزال يفعل فعله، الظاهر منه والخفي، في جميع الثقافات والحضارات، بصرف النظر عن مدى تقدمها في مسارات العلمنة والتحديث.
هذه الحقيقة الاجتماعية الدائمة والحاسمة، والتي تتجاوز مواقف الأفراد من الدين إن سلبا أو إيجابا، هي التي حرص الرئيس امانويل ماكرون على إبرازها واستثمارها عندما أكد أخيرا على أهمية العلاقة بين الجمهورية العلمانية وبين الكنيسة الكاثوليكية، وذلك قبل ذهابه للقاء البابا في روما وحصوله في كنيسة القديس يوحنا على اللقب الفخري الذي امتاز به حكام فرنسا منذ عام 1482. إذ رغم القطيعة التي أحدثتها ثورة 1789 طيلة قرن ونصف، فقد عاد معظم رؤساء فرنسا، منذ عام 1957، لطلب الحصول على هذا اللقب الذي كان من امتيازت أسلافهم من الملوك الكاثوليك.

٭ كاتب تونسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*