الدويلة الكردية تُشْبِه فلسطين وإسرائيل معاً لا إحديهما!

جهاد الزّين
28092017

أخيرا حصل الذي كنا نشاهده يحصل وسيستمر في الحصول: الدويلة الكردية في العراق السابق.

دويلة أَرْضَعَها ورعاها وأنضجها “التحالف الغربي” الذي “وضع” خط العرض 36 عام 1991 كخط حظر طيران لحماية أكراد شمال العراق من صدام حسين وسمح منذ ذلك الحين بقيام وتحوُّل الدويلة الكردية إلى أمر واقع سياسي ومؤسساتي ولاحقا دستوري فيديرالي ثم جنة اقتصادية للإستثمار لم تتعرض لانتكاسة سوى مع صدمة داعش في الموصل عام 2014.

نتائج الاستفتاء حتى لو جمّدها الملا مسعود البارزاني لأهداف تفاوضية هي نقلة في خط متصاعد ولا عودة عنه. فالمنطقة العربية التركية الفارسية منذ ربع قرن ونيّف أمام عَرض غربي فعلي: نشوء الدويلة الكردية على حساب كيان عربي كبير هو العراق وليس على حساب إيران وتركيا. فكيف الآن، أي بعد العام 2003، ولم يعد الكثير من العرب مهتمين بوحدة العراق بعد السيطرة الشيعية – الإيرانية عليه؟

المشكلة أن الانهيار السوري وتصاعد الحركة الكردية المسلحة في تركيا فاقما عدم شعور تركيا وإيران بالأمان من إمكانيتهما على حصر “الصحوة” الجغرافية السياسية الكردية داخل العراق وحده على غرار حصر النظام الدولي الإقليمي للدولة الأرمنية في الجزء القوقازي السابق من روسيا مع أن خرافات وحقائق “أرمينيا الكبرى” أوسع من ذلك بكثير.

كانت الفكرة الضمنية السابقة في رؤية الدول أنه إذا كان لا بد من دفع ثمن لتصحيح كردي لسايكس – بيكو فلْيَكنْ على حساب العراق فقط.

بعد الزلزال السوري بدل أن ينتبه رجب طيب أردوغان إلى أن هذا الزلزال سيفاقم المشكلة الكردية في تركيا وديناميكيتها الانفصالية ولو ضمن الخيار الفيديرالي أعتقد أن انهيار سوريا هو انهيار لسايكس – بيكو الذي كان في الوعي التاريخي التركي أساسا مؤامرة على حساب الأتراك، مما يعني أن لديه فرصة هو، أي أردوغان، للاستفادة من بقايا سايكس – بيكو الممزّق فاندفع في سياسته السورية ودخل إلى معمعة المتاجرة والمقايضة بالأشلاء السورية كمن يقايض على شراء أجزاء من سجادة عجمية ممزقة.

فعلا اكتشف أردوغان ومعه كل تركيا كم كان موهوما بانهيار الحدود التركية السورية. لكن أهم ما تبين له، وهو الذي اتخذ القرار اللوجستي الأول السيئ الذكر بعسكرة الثورة السورية عبر تنظيم انهيار الحدود السورية أن ما ظنه حدودا عربية هو خطوط سكن وتمرد كردية في معظمه – على الأقل – من الفرات حتى دجلة القامشلي على الحدود السورية العراقية أي ليس أقل من خمسماية كيلومتر يسيطر الأكراد عمليا عليها. وأي أكراد؟ فرع مباشر لحزب العمال الكردي (بي كا كا ) عدوه الكردي الأساسي داخل تركيا.

يبدو لي، إذا جازت المقارنة التاريخية، أن رجب طيب أردوغان هو الآن في وضع الجنرال جمال باشا الذي اعتقد مع رفاقه في المجموعة العسكرية الحاكمة في اسطنبول عام 1914 أن قيام الحرب العالمية الأولى يشكِّل فرصة استراتيجية لاستعادة مصر من البريطانيين فشن هجوما ضخما عبر مركزه في سوريا على قناة السويس انتهى في المرة الثانية بانهيار جبهته العسكرية في سيناء وبدء هجوم الجنرال البريطاني أللنبي الذي وصل إلى القدس ثم الشام ثم حلب من ضمن انهيار عام للسلطنة. رجب طيب أردوغان سيكون سريعا صاحب مصلحة في لملمة الوضع السوري حتى لا تنهار أجزاء من الحدود السورية التركية عبر حرب العصابات الكردية وتلتقي بالغيريللا الداخلية الكردية.

دعكَ من المواقف المنفعلة الآن ضد استفتاء البارزاني، سيكون البحث العميق للسنوات المقبلة هو الحصول التركي الإيراني على ضمانات من النظام الدولي بأن تنتهي الانفصالية الكردية عند هذه الحدود العراقية؟

لكن من يستطيع أن يضمن ذلك من الآن؟ ولهذا ربما كانت المرحلة المقبلة سنوات حياتية صعبة على “الدولة” الجديدة

التي قد يعيش اقتصادها على خطوط تهريب وعلى دعم إسرائيلي موجود أصلا وعميق.

هنا وصلنا إلى الموضوع الذي يعنينا كعرب:

في الواقع النخب العربية السياسية والثقافية حائرة حيال الدويلة الكردية:

هل هذه الدويلة الكردية هي إسرائيل ثانية في المنطقة أم فلسطين أولى ننتظر قيامها في جنوب بلاد الشام؟

لا يمكن تجاهل الوعي القومي الكردي لا سياسيا، وقد فرض نفسه في تاريخنا الحديث، ولا قيمِيّاً كتعبير عن طموح شعب يريد دولته الوطنية (حتى لو سيكتشف لاحقا مثل غيره أنها لن تكون سوى دولة استبدادية جديدة أخرى من دول المنطقة. لكن هذا حديث مختلف).

الواقع الآن أن الرأي العام الكردي رغم مخاوف نخبه يهلِّل للإستفتاء ونتائجه المنتظرة.

هذا هو البعد “الفلسطيني” للمسألة الكردية. بعد الاستقلال “الوطني”. أما البعد الإسرائيلي للمسألة الكردية فهو واقع عميق. العلاقة بين الإقليم الكردي وإسرائيل متعددة المستويات ليس الأمنية فقط بل السياسية والاقتصادية والثقافية.

بعد اتفاق أوسلو تبعا لفكرة الحكم الذاتي كتبتُ في (المرحومة) “السفير” عن “استكراد” المسألة الفلسطينية و”فلسطنة” المسألة الكردية. ولكن تبعا لتطورات ربع قرن منذ أزمة الكويت وتوقيع أوسلو، وهما متلازمان، من الممكن الآن القول أن تبلور الدولة الكردية تجاوز إيجاباً المسار الفلسطيني المهدَّد ليس فقط بالتراجع بل بالانهيار. لذلك يمكننا القول بمناسبة خطوة الاستفتاء الكردي أن الدولة الكردية بالنسبة للعرب هي اجتماع عجيب لأمرين: ولادة إسرائيل ثانية وولادة فلسطين أولى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*