الدومينو المتدحرج من الجزائر والسودان

تكشف مصادر ديبلوماسية ان لا صحة للانطباعات التي تخلفها المقاربات العربية او الدولية لما يجري في كل من الجزائر والسودان، بمعنى اكتفاء الدول المؤثرة بالمراقبة في انتظار ان توازن الاوضاع نفسها في كلا البلدين، بل هناك اتصالات ومساع وراء الكواليس وبعيدا من الاضواء من اجل ادارة القيادات العسكرية التي اخذت بيدها الامور بهدوء بعيدا من الانزلاق الى مسارات امنية او عسكرية. ولعلّ مسارعة الدول العربية الخليجية او غيرها كمصر الى دعم المجلس العسكري في السودان واحتضانه، تشكل مؤشرا ذا دلالات كبيرة لضبط الشارع في شكل اساسي واستيعاب الدول العربية المؤثرة للواقع السوداني المستجد ومنع انفلاته. ولم تقتصر المسألة على بروز هذه الدول العربية الى الواجهة، بل ان الولايات المتحدة دخلت على خط “استطلاع” الوضع ومواكبته ايضا. وأسباب هذا الاستيعاب في السودان تعود الى اختلافه عن الوضع في الجزائر، باعتبار ان الوضع الصحي للرئيس بوتفليقه فجر ازمة رفض اعادة التجديد له، في حين ان الوضع السوداني في انقلاب فعلي بحيث بدا واضحا في الحالين الجزائرية والسودانية الرهان على امساك الجيش بمقاليد الامور، وإن على نحو غير مباشر وفاضح. والخشية ليست من انفلات الامور في كلا البلدين فحسب، بل من إعادة إنتاج أنظمة للحكم مشابهة لتلك التي يثور عليها الشعبان الجزائري والسوداني، إنما بأوجه جديدة وبتلبية حد أدنى من المطالب الشكلية، على رغم أن الواقعين لا يزالان مفتوحين على كل الاحتمالات راهنا، ولا يتم استبعاد اي سيناريو، ولو ان الجهود ضاغطة من اجل عدم الانزلاق الى الوضع السوري بأي شكل. لكن المؤشرات الصادرة من الجزائر كما من السودان لا تشي إطلاقا بترك الشعب الجزائري او السوداني يملي قواعد اللعبة السياسية في اي منهما، ولو ان الكلام العلني مختلف. وهذا الكلام شأنه شأن كلام الرئيس السوري قبل يومين، ان مصير المنطقة تقرره شعوبها. وهذا كلام ليس دقيقا او صحيحا، وهو على الاقل ما لا ينطبق عليه. لكل من الدول التي ساهمت في انقاذ منصب الاسد ان فاخرت بانها هي من ابقته في موقعه، وحتى ان الامر ينطبق ايضا على تنظيم مسلح هو “حزب الله” الذي تدخل لانقاذه. فيما تتساعد دول المنطقة من اجل وقف دومينو التغيير متى بدأ في إحدى دول المنطقة، باعتبار ان ذلك لا يقتصر على الدول العربية، بل يشمل ايضا دولا اخرى كإيران مثلا. وها هو يثبت موقعه عبر الخطوط المفتوحة بينه وبين اسرائيل في عملية استرداد الاخيرة جثمان احد جنودها الذين قتلوا في معركة السلطان يعقوب ثم في ما تردد عن تسليم اسرائيل رفات الجاسوس الاسرائيلي ايلي كوهين. فهذه بمثابة هدايا للرئيس السوري من اجل تثبيت موقعه والحصول على براءة ذمة اسرائيلية فأميركية، بدلا من حاجته الى الدعم العربي. وما يدحض كليا مقولته هو أن شعوب المنطقة هي التي تقرر مصيرها. وكما ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو تلقى هدايا من الولايات المتحدة ومن النظام عبر سوريا قبيل الانتخابات الاسرائيلية، فإن الاسد يتلقى مقابل هذه الهدايا في تثبيت موقعه على رغم القلق الذي يمكن ان يثيره بالنسبة الى طهران في هذا الاطار.

تتم مراقبة تطورات الاوضاع في كل من الجزائر والسودان على خلفية ما يمكن ان تؤول اليه، ولو ان الامور مضبوطة، لكن النتائج ايا تكن في حدها الادنى، سترسم في اعتقاد الديبلوماسيين المعنيين الاطار لما ستنتهي اليه الثورات او الانتفاضات في الدول التي تستمر في الغليان، كما تلك التي تعاني مشكلات سياسية عميقة. فحتى في سوريا ضمن الاسد بقاءه في المرحلة الراهنة، والانتفاضة في كل من الجزائر والسودان تعني ان التعنت في اعطاء الشعب حقوقه لن يمر بسهولة على غرار ما يظهره الاسد ازاء تقديم تنازلات فعلية للسوريين على المستوى السياسي على الاقل وعدم تسهيله حتى الآن اي حل سياسي، لازدرائه المعارضة السورية وعدم احترام مطالبها. وهو في شكل ما يفسر امتناعه عن تشجيع السوريين على العودة وتقديم التسهيلات لهم من اجل ذلك.

وترى هذه المصادر بعين حذرة ما يجري في لبنان والتخبط في تظهير قدرة السلطة على تخفيف الازمة الاقتصادية، من دون المساس بحقوق الناس، في ظل عجز عن إعداد خطة تبدأ تدرجا من أعلى المناصب وترشيد الانفاق على مستوى الوزارات والانفاق الرسمي وفق ملاحظات كثيرة يبديها ديبلوماسيون على مواقف يعلنها وزراء او اسفار غير مبررة وغير مجدية يقوم بها بعضهم، بما لا يظهر ان هؤلاء يتصرفون على اساس حال الطوارىء التي يفترض ان تحصل في ازمة كالتي يعيشها لبنان وذلك في الوقت الذي يعلن او يتم التمهيد لاقتطاعات من الشعب. فمع ان الاوضاع القائمة تختلف في كل دولة من دول المنطقة، يجب عدم التقليل من اهمية الدومينو الذي يمكن ان يتدحرج ليطاول بعض الدول ومنها لبنان، على خلفية معاناة اقتصادية واجتماعية انطلاقا من ان النوم على حرير ان الدول الخارجية حريصة على استقرار لبنان ومنع انهياره لا يفترض ان يعني بأي حال أن هذه الدول ستتدخل من اجل منع الانهيار، لكنها حريصة على ألا يحصل ولا تريده، والامور تبقى رهنا بالمسؤولين في الدولة.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*