الرئيسية / مقالات / الدولة المدنية: فكرة متحولة

الدولة المدنية: فكرة متحولة

 د.شفيق ناظم الغبرا 
القدس العربي
28112019
https://www.alquds.co.uk/

اكتسبت فكرة الدولة المدنية تفسيرات متناقضة في فترات مختلفة، إذ تغيرت عبر الوقت. لقد عبر عن المصطلح في أواخر القرن التاسع عشر المصلح الإسلامي «محمد عبدو». إذ أكد أن الدولة في الإسلام ليست دينية، وذلك من منطلق أن الدولة الدينية ودولة رجال الدين غير موجودة في الإسلام. أراد عبده أن يؤكد أن الحكم يقوم على أسس مدنية وأن السلطة الروحية والزمنية ليستا سلطة واحدة. فكرة مدنية الدولة في ذلك الوقت كان الهدف منها حل أزمة الدولة العثمانية ونظام الحكم القائم على الخلافة في أواخر القرن التاسع عشر. إن الذي حرك ذلك الاجتهاد لدى الشيخ محمد عبده هو السعي للحاق بأوروبا التي صعدت على أجنحة الحداثة والتجديد في كل المجالات بما فيها الإدارة والدولة والفلسفة والسياسة والاقتصاد. لقد سبق عبده عصره، فالكثير من أفكاره ستجد لها صدى في بعد عشرات السنين.
لكن فكرة الدولة المدنية تطورت في حركة محمد زغلول الدستورية في مصر في 1919، كان ذلك تطبيقا لأفكار عبده، فقد كان شعار تلك الحركة أن الدين لله والوطن للجميع. لكننا سنجد تطورات أخرى في فهم المدنية بعد الحرب العالمية الثانية وبعد أن وقعت أكثر من دولة عربية تحت حكم الجيش والعسكريين. مع الوقت أصبح مفهوم الدولة المدنية يعني الدولة التي لا يحكمها الجيش، وذلك في إطار التأكيد على الفارق بين حكم مدني وحكم آخر عسكري.
لكن الفكرة أخذت أبعادا أخرى في ظل الصراع المحتدم بين المدارس العربية العلمانية من جهة والدينية الإسلامية من جهة أخرى. حينها بدأت تبرز تصورات توفيقية بين المدرستين، لهذا وجدت تلك الأفكار ضالتها في فكرة الدولة المدنية كبديل عن العلمانية. لقد بدأت مجموعة من التيارات الإسلامية تستخدم تعبير الدولة المدنية، وبدأت قوى أخرى علمانية التوجه تتقبل فكرة الدولة المدنية بصفتها دولة معتدلة في علمانيتها وفي فهمها للدين كما هو في المجتمع. وقد وقع هذا التطور لللالتفاف على التشويه وسوء الفهم الذي رافق انتشار مصطلح العلمانية في العالم العربي.
لكن ما سبق يفرض علينا السؤال التالي: وما الفرق بين الدولة المدنية والدولة العسكرية إن لم تكن هذه الدولة المدنية ديمقراطية ومساءلة وتتبنى قيم الحرية؟ وما الفارق بين حكم عسكري وآخر مدني إن كان ديكتاتوريا وقمعيا؟ على سبيل المثال لم يكن نظام صدام حسين نظاما عسكريا، اذ لم يسبق لصدام حسين أن خدم في الجيش، بينما كان نظام حافظ الأسد أكثر عسكرية بحكم أن الانقلاب الذي قام به ضد حكومة مدنية بعثية كان عسكريا. لكن في الواقع نكاد لا نجد فارقا بين النظامين. فالنظام الديكتاتوري الذي يستفرد بكل القرارات ويخلق دولة أمنية أولا وأخيرا هو نظام قاهر للناس ومولد للظلم ومهووس بهاجس الأمن.

من يطرح فكرة الدولة المدنية في العالم العربي عليه أن يوضح مدى علاقة الدولة المدنية بالديمقراطية والمساءلة والعدالة والحريات. ومن يطرح الدولة المدنية عليه أن يطور فكرة الدولة لتكون دولة تحتكم أساسا للشعب بصفته مصدر السلطات

لهذا فمن يطرح فكرة الدولة المدنية في العالم العربي عليه أن يوضح مدى علاقة الدولة المدنية بالديمقراطية والمساءلة والعدالة والحريات. ومن يطرح الدولة المدنية عليه أن يطور فكرة الدولة لتكون دولة تحتكم أساسا للشعب بصفته مصدر السلطات. إن الدولة المدنية تصبح خارج نطاق التغطية إن لم تكن دوله ديمقراطية ودولة قانون ودولة عدالة.
الدولة شبكة علاقات معقدة، لهذا فاختزالها بالمدنية أو العلمانية أو الإسلامية هو اختزال لا يصيب كبد الحقيقة. الدولة جهاز متداخل مكون من العديد من المؤسسات. فمن مميزات الدولة أن تقع ضمن رقعة جغرافية محددة، وأن تكون لديها سيادة في علاقاتها بالدول الأخرى، وأن يتوفر ضمن حدودها شعب ينتمي إليها في ظل مؤسسات تشكل عمودها الفقري بما فيها الجيش والحكومة ومؤسسات المجتمع المدني.
وبما أن المدنية فكرة حول الحكم فمن الصعب أن نناقش الدولة ومدنيتها بلا نقاش واضح حول السلطة ودورها وطبيعتها. في فهم السلطة مدرستان: الأولى تؤمن بضرورة التركيز على أبعادها الإنسانية وقيمها الممكنة، فتكون بهذا خادمة لسُنن التغيير والعدالة والناس؛ وتقابلها مدرسة أخرى تؤمن بالهرمية والفوقية والحدّ من تمكين المجتمعات. الأسلوب الميكيافيللي هو المسيطر على النظام العربي، إذ يهدف لإبقاء السلطة في يد مجموعة محددة بلا تفاعل مع رغبات الناس، تلك السلطة غير خاضعة لرقابة أو محاسبة، وكما وهو واضح تنتهي بصناعة الفساد.
في معظم البلدان العربية لم تقم الدولة بواجباتها كدولة ذات سيادة، فهي لم تكن فعالة في التنمية وإدارة الثروات والحوكمة، كما ولم تكن الدولة فعالة في التعامل مع الخارج وفق مقتضيات السيادة، كما لم تكن الدولة تحمل قيم لصالح الحريات والحقوق وسيادة القانون.
للدولة واجبات أساسية فهي إما دولة تنموية وتنتج ما يطور المجتمع ويفتح الآفاق أمامه وإما هي دولة ضعيفة غارقة بلعبة المصالح الشخصية، الدولة إما هي ميكيافيلية تخدع مواطنيها وتبحث عن المدى القصير في كل خطوة وتجرهم للإفلاس وأما هي مؤمنة بمواطنيها وتمحور سياساتها نحوهم. مفهوم المدنية لازال قيد التطور. سيبقى السؤال: هل بإمكان فكرة الدولة المدنية ان تتحول نحو دولة كل الناس والحقوق والعمران أم انها فكرة عابرة ستذوب في الدولة الدستورية المساءلة والديمقراطية؟

استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

اضف رد