الرئيسية / home slide / الدولار كسلاحِ دمارٍ شاملٍ

الدولار كسلاحِ دمارٍ شاملٍ

ساطع نور الدين|الأحد14/03/2021
Almodon.com

إذا كان من عبرة يمكن إستخلاصها من وقائع الاسبوع الماضي، فهي أن لبنان لن يصمد حتى نهاية ولاية الرئيس ميشال عون أو حتى انتهاء ولاية مجلس النواب الحالي، كما كان متوقعاً، ولن يتمكن الغضب الشعبي العام المعبِّر عن نفسه في بعض الشوارع والتقاطعات من وقف الانهيار المتسارع للدولة ومؤسساتها ووظائفها الحيوية، كما كان مأمولاً.

لم يعد سعر الدولار الذي خرق في الايام الماضية حواجز نقدية ونفسية شاهقة، مؤشراً إقتصادياً أو سياسياً. بات الآن أشبه سلاح دمار شامل تستخدمه شبكات السلطة وخلاياها المتصارعة في ما بينها، في واحدة من أقسى المعارك السياسية التي يشهدها لبنان، وتهدف الى إقتلاع الخصم وتصفيته نهائياً، حتى ولو كان الثمن تجويع الغالبية الساحقة من اللبنانيين وإفقارهم.

المصارف الخاصة ليست جزءاً من هذه الشبكات السياسية والامنية، صارت شبكة مستقلة قائمة بذاتها، دويلة ضمن الدولة، لا تحتاج الى حلفاء سياسيين يخوضون معاركهم الانتخابية، كما لو أنهم على عتبة يوم القيامة. أصبح هؤلاء المسؤولون والسياسيون عبئاً على هذه المصارف، بعدما كانوا في الاشهر الاولى من الأزمة، شركاء في عملية النهب المنظمة لودائع اللبنانيين، وتهريبها الى الخارج.

المصارف الخاصة، هي اليوم أقوى قوة داخلية. وهي بتواطؤها مع الصرافين تحولت الى ما يشبه المليشيا التي تتحكم برقاب اللبنانيين ولقمة عيشهم، ولا يجرؤ أي مسؤول او سياسي على إخضاع عملياتهم ومضارباتهم المالية للتدقيق والمراقبة والمحاسبة، في ما يبدو أنه دليل على بداية تفكك ذلك الحلف التاريخي المقدس بين السياسي وبين المصرفي، الذي كان من أعمدة الهيكل اللبناني على الدوام.

الدولار يطير، والمصارف تحلق عالياً، وهي اليوم تنظر بإحتقار إضافي الى الطبقة السياسية، وأدائها السيء، بل الخطر، الذي يضخم بشكل غير مقصود دور ذلك القطاع الحيوي، الذي لم يشهد حتى الآن أي عملية إصلاح، عدا بعض عمليات إعادة الانتشار، ولم يعد يشعر بالحاجة الى أي إصلاح، طالما أن كل ما حوله من قطاعات سياسية واقتصادية وعسكرية يتهاوى بسرعة مذهلة.

تشعر المصارف على الارجح أنها اليوم بمثابة الشاهد الملك، الذي يتفادى الجميع دعوته الى الشهادة لكي لا يتسبب بإدانة العدد الكبير من المتهمين السياسيين الواقفين في قفص الاتهام.. الذين قدموا مثالاً فريداً ، ومفاجئا للعالم كله، على نقص الاحساس بالمسؤولية، حتى عن أنفسهم وعن جمهورهم الخاص، الذي يرزح كما الغالبية الساحقة من اللبنانيين تحت وطأة واحدة من أسوأ الازمات المعيشية على الاطلاق.

كان يعتقد أن تفكك ذلك الحلف السري بين السياسي والمصرفي هو أسوأ ما يمكن أن يحصل للبنان، حتى تبين أن المصارف تمكنت أخيراً من إجبار المسؤولين الحاليين على رسم خطوط التماس في ما بينهم خارج القطاع المصرفي وبمنأى عنه..حتى صار من مصلحتها أن  تحتدم المعارك السياسية الى حد تنفيذ عمليات تصفية متبادلة، لكي تتمكن من إستعادة أرباحها السابقة، ولكي تظل بمنأى عن المسؤولية عن الازمة.

المصارف تتفرج اليوم، بل تستمتع بذلك الصراع الضاري بين الرئاستين الاولى والثانية، والذي يخفف تلقائيا من التزاماتها المالية، ويؤدي بالتالي الى إسترداد جزء كبير من أرباحها وودائعها، ويعطل الى حد بعيد الدور الرقابي والتوجيهي الذي يفترض ان يقوم به مصرف لبنان المغيب أصلاً. ولا تجد الرئاستان اللتان تخوضان ذلك الصراع بمفعول رجعي قديم، وأثر مستقبلي بعيد، حرجاً في تحويل الرئاسة الثالثة الى مجرد حلبة، أو الى حجة لا أكثر.

في الوسط بين هذه الديناصورات السياسية والمصرفية، وقف الغضب الشعبي، حائراً، مشوشاً، عاجزاً عن العثور على قنوات جماهيرية للتعبير عن نفسه، بغير قطع الطرقات، الذي يسيء الى مشاهد ثورة 17 تشرين 2019 الباهرة، ويفرغها من محتواها الاهم، بل يثبت مرة أخرى فشلها في الاستفادة من ذلك الصراع الحاد بين شبكات السلطة وخلاياها السياسية والمصرفية ..الذي ينذر بتهديم الهيكل قبل الانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة، وبشكل لن تنفع معه أي عملية إعادة ترميم جديدة.

الاسبوع الماضي، قدم أدلة دامغة على فراغ السلطة وتفككها، وقوة المصارف وتفوقها، وبؤس الثورة ويأس جمهورها. الاسابيع المقبلة حافلة بإدلة إضافية على ان الدولار بات يستخدم كسلاحِ دمارٍ شامل.