الرئيسية / مقالات / الخيارات المحدودة في ظل انهيار واقعي

الخيارات المحدودة في ظل انهيار واقعي

لم تكن الرسائل منذ تأليف الحكومة التي وجهت الى الخارج ولا تزال ايجابية، في الوقت الذي تعتقد اوساط سياسية ومعها اوساط ديبلوماسية انه كان افضل لو اعتصم السياسيون بفضيلة الصمت والهدوء لمدة شهرين على الاقل، على خلفية ان لا انتخابات نيابية قريبة يمارسون سياساتهم الشعبوية على اساسها ويحاسبون بعضهم الاخر كما لو انهم ليسوا جميعهم في السلطة ويتحملون المسؤولية بالتكافل والتضامن. اذ ان ما تسمعه هذه الاوساط من سفراء الدول المانحة، يفيد بأن لبنان لا يستطيع ممارسة ترف الدلع في الوقت الذي، وان لم يعلن البلد افلاسه او انهيار عملته، فان الوضع الاقتصادي في حال انهيار بدليل وجود اكثر من نصف الافراد في كل عائلة عاطلين عن العمل، واذا لم يكن ذلك انهيار فماذا يطلق عليه والوضع المالي ليس بأفضل حال. هناك امر جيد ان ثمة دولاً لا تزال تريد اقراض لبنان، استناداً الى ان التجربة التي حصلت في اليونان اعطت درساً يتعيّن على المسؤولين اللبنانيين اخذه في الاعتبار. اذ ان المفوضية الاوروبية والبنك الاوروبي وكذلك البنك الدولي شغلت مكتباً في وزارة المال في اليونان، من اجل مراقبة الالية اليونانية واخراج البلد من انهياره. لذا لا يجب ان يتوقع لبنان اقل من ذلك خصوصاً انه وفي ظل الاستقواء السياسي الذي يمارس، فانه لا يجب توقع دخول اموال عربية الى لبنان كما في السابق. لذلك، فان الاستمرار في المناكفات تحت مسميات شتى وتحت عناوين مراجعة المرحلة الماضية ومكافحة الفساد، لن تفهم الا في اطار استمرار الصراع السياسي، ما يفيد بأن المقاربات التي تتم هي مقاربات اعلامية شعبوية وليست جدية لان الاصلاح لا يتم على شاشات التلفزة وعشوائيا في اطار تصفية الحسابات. وحين تعطى فترة سماح للحكومات في اولى انطلاقتها بين شهرين او ثلاثة، يتعيّن على الاقل على افرقاء الحكومة التزام ذلك.

والخطأ في انطلاق العمل الحكومي، ان كل المقاربات المعتمدة تتم على القاعدة نفسها بدلا من عقد اجتماعات على اعلى المستويات من اجل السعي الى وضع الاحتمالات التي تسمح بأن يكون لبنان محاوراً جدياً وبرؤية موحدة ازاء كل المسائل الشائكة. هذا ويسري على موضوع النازحين وتاليا العلاقات مع سوريا اذ انه في الوقت الذي يعد لبنان اوراقه للذهاب الى مؤتمر بروكسل 3 لاستعراض موقفه من هذا الموضوع، فان مصادر ديبلوماسية تجزم بأن المجتمع الدولي لم يغير مقاربته حتى الآن لموضوع النازحين، وفي حال لم يفعل لبنان فانه سيصطدم بالموقف نفسه من دون جدوى باعتبار انه لن ينال ما يريده كنتيجة في حال كان يبحث عن ذلك. والمشكلة كما تشرحها مصادر ديبلوماسية مخضرمة، ان لبنان يصر على محاولة تغيير موقف دولي يتصل بالعودة الطوعية للنازحين، وهو امر يصرّ لبنان على رفضه في الوقت الذي تعد العودة الطوعية مبدأ دولياً لا يمكن التخلي عنه على غرار القرار 194 المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى بلادهم. فهذا القرار ينص على” وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم…”، وهو الامر الذي حصل ايضاً بعد حرب فيتنام ودعوة الفيتناميين للعودة الى بلادهم. فالمجتمع الدولي لا يعمل سوى على هذا الاساس، ومن العبث ان يضيّع لبنان جهداً كبيراً في السعي الى محاولة تغيير العودة “الطوعية” الى العودة “الامنة” كما يطالب هو، فتبدو ديبلوماسياته في موقع المشاكس دوماً بدلا من السعي الى ايجاد ما يمكن من حلول. وتستعيد هذه المصادر حملات كان يقودها العماد ميشال عون قبل اعوام رفضاً لحق العودة الطوعية في ما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين وفق القرار 194 من دون اي نتيجة. علماً ان المصادر الديبلوماسية تؤكد وفق المعلومات التي تملكها ان الخلافات بين الافرقاء السياسيين على طاولة مجلس الوزراء في العام 2011 لم تسمح بأن تتخذ الحكومة الاجراءات المناسبة لتنظيم اللجوء ومنع الوصول الى ما وصلت اليه الحال راهناً بين آراء كانت تقول باقفال الحدود واخرى باقامة مخيمات على الحدود واخرى برفضها. ان استمرار الخلافات السياسية حول مقاربة الحل لموضوع النازحين لن ينجح اذا لم تكن هناك سياسة موحدة وموضوعية تقنع الخارج بالمساعدة في الحل، خصوصاً ان الدول الخارجية المانحة في شكل خاص تضع العقدة لدى الرئيس بشار الاسد الذي لم يتخذ اي خطوة تسهل عودة اللاجئين او تشجعهم على العودة. وفي ظل اقتناع لا يخفيه خبراء وديبلوماسيون اجانب بأن لبنان قد يبقى يعاني من موضوع النازحين لوقت طويل على قاعدة ان كثيرين منهم لن يعودوا وفق ما تظهر التجارب التاريخية. ولذلك من المهم للبنان الرسمي وفي ظل مقاربة موضوعية لهذه المسألة، ان يتمكن من ايجاد حلول مع النظام من اجل اعادة من يمكن اعادتهم خصوصاً ممن صوّتوا لبشار الاسد لاعادة انتخابه لأن هؤلاء لن ينطبق عليهم تسمية لاجئين ما داموا يستطيعون العودة، في حين ان تسمية لاجىء تصح على من هرب من ظروف الحرب وليس لاسباب اقتصادية. ويخشى في ضوء المقاربات المعتمدة والمتناقضة التي يقف فيها كل الافرقاء على نقيض من هذا الموضوع، ان ينال النظام السوري ما يودّه من كل هذه المسألة، اي التطبيع معه على نحو رسمي وعلني في مقابل عدم حصول لبنان على اي نتيجة فعلية في موضوع النازحين. وهذا احد المحاذير التي يواجهها من يبرر ضرورة التطبيع بعودة النازحين خصوصاً التيار العوني وليس الافرقاء الاخرين حلفاء النظام، باعتبار انه لا يمانع حكماً في التطبيع لكن قد يكون ذلك من دون ثمن اعادة النازحين.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد