الرئيسية / home slide / الخندق (2/2): عائلات عادية حائرة بين “الثورة” و”ممرّ الفتنة

الخندق (2/2): عائلات عادية حائرة بين “الثورة” و”ممرّ الفتنة

نهلا ناصر الدين – الإثنين 29 حزيران 2020
https://www.asasmedia.com/news/386383

يكمل “أساس” جولته في الخندق الغميق، في محاولة لسبر أغوار هذا “السرّ” الذي يطلّ علينا بين الحين والآخر كأنّه المنطقة “الشبح”، مع كلّ موقعة “شغب” تحصل في وسط بيروت. نسير ببطء بين الشوارع التي اختلفت بالتسميات وتشابهت بالحرمان، وضمّت بين زواريبها آمال وآلام أكثر من 5000 مواطن ربمّا انحازوا لأهوائهم السياسية أكثر من لقمة عيشهم، لكن تجمعهم خيبة أمل واحدة مع باقي الخنادق في هذا الوطن.


تزعج صيت “الشغب” وشبهته أهالي الخندق. حسن، وهو شاب أربعيني يعمل في أحد مطاعم الأشرفية، ومنتسب لحركة أمل، لا ينكر أنّه يتهرّب من ذكر مكان إقامته الحقيقي أمام الآخرين. يقول “من بيروت”، إلا إذا سأله أحدهم عن التفاصيل، ليس خجلاً من أصله ولا من توجّهاته السياسية، لكن هرباً من “شبهة الشغب” التي تلاحق أبناء “الخندق” منذ انطلاقة ثورة 17 تشرين: “بعد كلّ ليلة حامية في وسط بيروت أسمع روايات غريبة عن المنطقة تتجاوز الواقع بأشواط، ولا يعلم أنّها مبالغ بها إلا أبناء المنطقة على الأرض”. نسأل حسن عما يقوله زملاؤه في العمل ومن يتعرّف عليهم للمرّة الأولى، عندما يعرفون أنّه من الخندق، يضحك ويجيب: “دائماً يتفاجأون ويقولون لي (مش مبيّن عليك إنّك من الخندق) وكأنه يجب أن يُختم على جبيني أنّني من الخندق”.

تزعج صيت “الشغب” وشبهته أهالي الخندق

برأي حسن لـ”أساس” أنّ “حركة أمل وحزب الله اتخذا القرار بإزالة هذه الصبغة التي تلبّست بالخندق منذ ثورة تشرين”، وأنّ “90% من الشبان الذين ينزلون إلى الشارع في ليالي الشغب ليسوا من الخندق، فليس في الخندق هذا العدد الهائل من الشبان، بل يأتون من مناطق مختلفة من الضاحية والأوزاعي، ويدخلون من ناحية بشارة الخوري والبسطة، ويخرجون من جهة الرينغ أو ساحة الشهدا”. هكذا يروي أنّ “الخندق” بات “ماركة مسجّلة” يدخله الراغبون بالقيام بأعمال شغب، بأجندات مختلفة، ويخرجون منه باعتبارهم “شباب الخندق”. لكن مهلاً، هذه رواية غير منطقية. فلماذا يسمح “شباب الخندق” ومرجعياتهم السياسية والميدانية، الحقيقيون بهذا؟

يتحدث حسن عن حواجز أقامها شباب حزب الله وأمل في 14 حزيران الجاري، في محاولةٍ لإغلاق مداخل الخندق، منعاً لأيّ احتكاك أو تجدّد التوتر الأمني وسط بيروت، وهي حواجز ستعود القيادتان لإقامتها في حال شهد الشارع البيروتي أيّ تطوّرات جديدة. قرار لاقى استحسان الأهالي الذين يعيشون هاجس عودة التوتّرات مع كلّ احتجاج.

محمد عساف هو أحد فعاليات المنطقة. يربط أسباب التوترات التي تحصل بالاستفزاز الذي يمارسه بعض المتظاهرين، ويؤكد أن أهالي الخندق لا مشكلة لديهم مع الاحتجاجات المطلبية ولا حتّى مع شعار “كلن يعني كلن”، لكن شرط تطبيقه على الجميع من دون استثناءات: “عندما يقوم المتظاهرون بحرق صور رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله أو الإمام موسى الصدر دون غيرهم، وقطع الطرقات علينا، ومنعنا من الوصول إلى منازلنا وأعمالنا، فلن نقف متفرجين”. ويضيف عساف في حديثه لـ”أساس”: “لديّ 3 شبان، مهندس، وخرّيج ميكانيك صناعة، وخرّيج طيران، لا أستطيع منعهم من النزول إلى الشارع للدفاع عن قناعاتهم ومبادئهم التي تربّوا عليها أمام هذا النوع من الاستفزازات التي لها أن تفشّل الثورة ومطالبها”. وهنا تتعارض رواية محمد مع رواية حسن، الذي فضّل عدم نشر اسمه كاملاً.

فمن 17 إلى 21 تشرين، كانت كلّ الناس مشاركة بالثورة “ونحن أيضاً”. يقول غسان، أحد الحاضرين في مكتب عسّاف، وهو مكتب لتسيير أمور الناس كون والده كان مختاراً عن محلّة الباشورة. ويضيف الشاب الثلاثيني: “لكن عندما جاء ربيع الزين ليقطع الطريق ويحرق الدواليب على أنفاسنا، ومعه مجموعة من المترفين وأغنياء البلد، ويشتمون بري ونصر الله، فلن نقف متفرجين على محاولات استفزازنا”. ويحذّر من هذه المحاولات التي قد لا تحمد عقباها فهم يحتكون “بجبل بارود طفران فقير عايف حاله”. وعن القناعات السياسية، يلفت غسان إلى أنّ “أهالي الخندق ينتخبون عن قناعة، يرون البلد في جهة والآخرون يرونه من جهة ثانية. فنحن ننتخب خطّاً وقضية وليس أشخاص، ولو جاء أسوأ منهم سنعيد انتخابهم”.

أهالي الخندق ينتخبون عن قناعة، يرون البلد في جهة والآخرون يرونه من جهة ثانية

تطلّ البطالة بوجهها الشرس على شباب الخندق كغيرهم من شباب لبنان، فتحصد مستقبل عدد كبير منهم، بينما تتنوّع أعمال أهالي الخندق مهنهم بين الطبيب، والمهندس، والموظف، والعنصر في قوى الأمن، والسنكري، واليد العاملة، والأدوات المنزلية، ونسبة كبيرة منهم تعمل في مهنة “فاليه باركينغ” في بيروت.

تتراوح إيجارات المنازل في الخندق بين 400 و700 دولار، وهي إيجارات لم تُصب بعدوى الارتفاع الفاحش، كما هو الحال على بعد أمتار، حتّى في نطاق المنطقة العقارية نفسها. ويخبرنا الأهالي عن المباني القديمة التي أصبحت مواقف للسيارات يستثمرها أصحاب الأموال، وتابعة لبيروت في العقار رقم 2. وعلى سبيل المثال بيعت إحدى المباني في هذا العقار بمليوني دولار أميركي بينما أسعار الشقق في الداخل لا تتجاوز 150 ألف دولار الواحدة.

لم يدخل الخندق مسلسل تصاعد الأسعار البيروتي. الحاج علي، أحد “كبارية المنطقة”، يعلّل ذلك بأنّ مشروع “سوليدير” لم يصل إلى الخندق لأنّ الرئيس الراحل رفيق الحريري كان يعلم أنّ مشروعه سيصطدم بإرادة أهالي الخندق، ويقول: “لو دفع الحريري ثروته كلّها لما كنت سأبيع أرضي، فأنا مالك “ملَكِي” وليس “أميرياً”، اشتريت أرضي بجهدي وتعبي وعرقي ولم تهبني إياها الدولة”.

الغيرة نفسها على الأرض نلمسها لدى حبيب خريس، صاحب مكتب لتعليم قيادة السيارات في الخندق. ينقل لنا أيضاً حرص الأهالي على تعليم أولادهم كلّ الحرص. فقسم منهم يعلّم أطفاله في “مجمع الرئيس رشيد الصلح التربوي الرسمي”، والفئة الأكبر تلجأ إلى تعليم الخاصّ، لا سيما في مدارس الراهبات المجاورة.

خريس لديه ثلاثة أولاد، أحدهم يدرس الهندسة في “الجامعة اللبنانية الدولية”، في سنته الثانية، وبينهم ابنة تقدّمت إلى الشهادة المتوسطة في “مدرسة المروج”، والصغير في الصف الابتدائي الأوّل في “المدرسة الإنجيلية”. ومقتنع خريس، كغيره من سكان الخندق، بأنّ الاستفزازات هي السبب الأول لما يسمّيه “الدفاع عن الأهل والأخوة والمبدأ”. ويؤكد امتعاضه من تصويب البوصلة إلى مكان آخر: “دعونا نأكل ونشرب أولاً، ولاحقاً نبحث بسلاح المقاومة، لنبقى على ما نحن متفقون عليه الآن. وعندما تستوي أوضاع البلد المعيشية نذهب لحلّ النقاط الخلافية فيما بيننا”.

في آخر الطريق باتجاه “الرينغ” يخيّم الطفل الأشقر ذو الشعر الكثيف والسترة الخضراء على المشهد، حيث ترك الفنان الأميركي من أصل كوبي جورج رودريغيز جيرارد هذا “الغرافيتي” على جدران الخندق العتيقة. جدران تركت الحرب الأهلية فيها ما تركت من آثار الرصاص والقذائف. فأرادها الرسّام رسالة حبّ وحياة تظلّ صامدة رغم المتغيّرات في خندق يبدو أن لعنة “التماس” تلاحق أهله مع مرور الزمن…