الرئيسية / home slide / الخرافة والتزوير والتاريخ الحقيقي .. السِجّل المبين لحكاية فخر الدين

الخرافة والتزوير والتاريخ الحقيقي .. السِجّل المبين لحكاية فخر الدين

صقر أبو فخر
العربي
01092020

تمثال فخر الدين المعني في باحة مكتبة بعقلين في جبل لبنان (lebanonfiles)

التاريخ أحد العناصر الأكثر أهميةً في تشكيل الهوية القومية لشعب من الشعوب، غير أن الهوية ترتبط، أحيانًا، بالأهواء السياسية والأيديولوجية، أي أنها تُصنع وتُخترع. وصناعة وطن، بحسب أرنست رينان، تقوم، في حالاتٍ كثيرة، على تزوير تاريخه الخاص، وتلفيق الوقائع وابتداع التفسيرات، وهو ما ينطبق تمامًا على تاريخ لبنان الذي دأب المؤرّخ الراحل كمال الصليبي على وصفه بأنه “تاريخ توافقي”، أي أنه ليس تاريخًا حقيقيًا وصحيحًا، بل تاريخ تواطئي، على غرار ما فعله فؤاد أفرام البستاني في مجموعة “البدائع”، وتواطأ معه في “بدائعه” تلك المؤرخ أسد رستم (عن رينان وتزوير التاريخ أنظر: حوار مع هنري لورنس وآفي شلايم، لوموند دبلوماتيك – الطبعة العربية، كانون الثاني/ يناير 2011). أما المؤرخ والصحافي إسكندر رياشي فيقول إن “جميع المؤرّخين الذين كتبوا للبنان تاريخًا قبل المسيح بألف سنة، وبعد المسيح بألف سنة، كانوا مُخْتَلِقِين فلكيين ابتدعوا سِيَراً وأبحاثًا وروايات أملتها عليهم تخيلاتهم وبعض القرائن المبهمة التي لا يمكن أن تكون قاعدة صحيحة لكتابة التاريخ” (أنظر كتابه المزدوج: “قبل وبعد و رؤساء لبنان كما عرفتهم، دمشق: دار أطلس، 2006، ص 15). ويضيف إسكندر رياشي: “ما كانت الشعوب التي حول لبنان تجد فيه من الخيرات والسعة لتطمع فيه، وتخاطر بالقتال لأجله فتحاول اكتساحه وامتلاكه، إذ إنه كان جبلاً ليس فيه مراعٍ لغير الماعز، وليس فيه قطعان غير الدببة والذئاب. وما كان الفاتحون الآتون من الغرب للشرق، أو من الشرق للغرب، يمرّون بسواحله إلا مرور طريق. وإذا أقاموا فيه، لم يكن ذلك طويلاً، ولم يكونوا بأجمعهم يطمئنون إليه، لا من جهة الإعاشة، ولا من جهة الطمأنينة من عصاباته المتحصنة في مغاوره، وأغلبها مؤلف من قطاع طرق لا يعرفون شريعة ولا شفقة” (المصدر السابق، ص 14).

كلمة “أمير” ليست لقبًا نبيلًا كما الحال في الإقطاع الأوروبي، بل رتبة عسكرية

يؤكّد كمال الصليبي أن المؤرخين المسيحيين زوّروا تاريخ لبنان (أنظر مذكراته الموسومة بعنوان “طائر على سنديانة”، عمّان: دار الشروق، 2002، ص 250)، وزوّروا الأنساب وتواريخ العائلات (صقر أبو فخر، الهرطوقي الحكيم: حوار مع كمال الصليبي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012)؛ والتزوير تحوّل إلى عقيدة بقوة الشيوع والتكرار. ولا أحد من الطوائف اللبنانية الأخرى كتب تاريخًا غير الموارنة، خصوصًا في الحقبة المبكّرة. وكان أول من شقّ هذه الطريق وعبّدها طنوس الشدياق في كتابه، “أخبار الأعيان في جبل لبنان، (بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 1970)، وحيدر الشهابي في كتابه، الغرر الحسان في أخبار أبناء الزمان (بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 1969) وهذان المؤرّخان كتبا ما كتبا على اعتبار لبنان إمارة مثل إمارات أوروبا في عصر الإقطاع. ثم عمدا إلى جعل العائلات المتنفذة في المقاطعات التي ضُمت إلى بعضها في ما بعد، وسُمّيت “متصرفية جبل لبنان”، على غرار آل بوربون في فرنسا، أو آل هوهنزوليرن في ألمانيا، أو أسرة ميديتشي في توسكانيا، وزعما أن آل شهاب ومعن وبحتر أمراء مثل الأمراء الأوروبيين.

والحقيقة أن تلك الأُسر مجرّد عائلات متغلبة، وظيفتها كانت جباية الضرائب للدولة الحاكمة، المملوكية مثلًا ثم العثمانية. وكلمة “أمير” ليست لقبًا نبيلًا كما الحال في الإقطاع الأوروبي، بل رتبة عسكرية؛ فيُقال “أمير عشرة” أو “أمير أربعين” أو “أمير مئة”. وحتى اليوم، في تسلسل رتب الضباط في الجيوش العربية، هناك الضباط الأمراء، أي الذين لهم حق الإمرة، ويأتي قبلهم الضباط القادة، وقبلهم الضباط الأعوان. ولم تكن هناك أي إمارة درزية في ما عُرف باسم “جبل لبنان”، أو حتى في جبال الشوف، كي يرثها المعنيون من آل بُحتر؛ فهذه قصة موضوعة اخترعها المؤرخ حيدر الشهابي، إبن عم “الأمير” بشير الشهابي، وسايره فيها مؤرّخون راحوا يردّدون أن الناس اجتمعت في مرج السمقانية من أعمال الشوف بعد وفاة المير فخر الدين في سنة 1635، وعقدوا الولاية، أي اتفقوا على أمير منهم يتولى الإمارة هو، للأمير ملحم المعني. والمؤكد أن أولئك الأعيان لم يجتمعوا في مرج السمقانية، ليبايعوا أميرًا أو حاكمًا ولا مَن يحزنون، بل اجتمعوا لينظروا في مقدار الضرائب التي سيدفعونها عن فخر الدين المعني الذي أعدمته الدولة العثمانية بتهمة التمرد والتعامل مع الأعداء (صقر أبو فخر، الهرطوقي الحكيم، مصدر سابق، ص 100). ويقول كمال الصليبي في هذا الحقل: “كنتُ في السابق أتكلم عن الإمارة اللبنانية، واتّبع غيري في الاعتقاد بأن هذه الإمارة ظهرت وتوطّدت أركانها للمرة الأولى في عهد فخر الدين بن معن. فلما تَوسّعَتْ معلوماتي عن طريق البحث وممارسة المنهج التاريخي العلمي، تبين لي، بما لا يقبل الشك، أن ما كنتُ اعتبره، في البداية، إمارةً لبنانية، حسب التقليد المألوف، لم يكن في أساسه إلا التزامًا سنويًا قابلاً للتجديد لجباية الضرائب للدولة العثمانية في بعض المناطق من جبل لبنان” (أنظر الحوار معه في مجلة “الفكر العربي”، بيروت: كانون الثاني/ يناير 1980).

خرافة “الإمارة اللبنانية” وخرافة “الأمير” فخر الدين المعني هما من الخرافات المؤسّسة للكيان اللبناني الحديث، على منوال خرافة الأصل الفينيقي للمجموعات اللبنانية الحالية، وعلى غرار حكاية أليسار ابنة ملك صور وحيلة جلد البقرة في قرطاج، وحكاية قدموس وأبجدية جبيل وأخته أوروبا التي اختطفها الإله زيوس، علاوة على الحكايات المشوّقة، مثل معركة عنجر بين فخر الدين ووالي دمشق، ويوسف كرم وصراعه مع الدولة العثمانية، وعامية أنطلياس بزعامة طانيوس شاهين، وحكومة بشامون الاستقلالية التي قاتلت الإنتداب الفرنسي. والحقائق العلمية التاريخية التي استقرّت اليوم تؤكد أن أبجدية جبيل هي أبجدية أوغاريت نفسها، لكنها معدّلة أو مختصرة من 30 حرفًا إلى 22 حرفًا. وكل ما فعله قدموس (وهو، على الراجح، نكديموس الثاني ملك أوغاريت الذي غادر مملكته إلى بلاد اليونان من ميناء جبيل بعد الزلزال الذي أحرقها وخرّبها في عام 1365 ق. م.) هو أنه نقل تلك الأبجدية من أوغاريت إلى اليونان، وكانت جبيل تقع في النطاق الحضاري لأوغاريت. ولا ننسى أن أوغاريت هي Gublo، أي جبل، وجبيل هي Gubla. وكان يُعتقد، إلى عهد قريب، أن مدينة “بيروتي” الواردة في النصوص الأوغاريتية هي نفسها بيروت الحالية. وقد تبيّن أن “بيروتي” هي مدينة مجاورة لأوغاريت، تقع على رأس إبن هانئ حاليًا، وتبعد عنها أربعة كيلومترات. وقد بُنيت “بيروتي” (مدينة الآبار) عند رأس خليج بحري، مثل بيروت تمامًا، يؤمن رسوًا آمناً للسفن التجارية (عدنان البنيّ، “قصر الملكة في بيروت الأوغاريتية”، صحيفة الحياة، 24/11/1998). وفي هذه الحال تجب إعادة النظر في تاريخ بيروت كي لا يختلط تاريخ المدينتين، وكي لا يذهب سدى جهد الآثاريين في لبنان وهم يفتشون عبثًا عن السور الفينيقي لمدينة بيروت، وعن مدرسة الشرائع الرومانية اللذين لم يعثر عليهما قط، على الرغم من الحفريات المكثفة بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية في سنة 1990، وبعد الشروع في إزالة ركام الأتربة في وسط بيروت.

خرافتا “الإمارة اللبنانية” و”الأمير” فخر الدين المعني من الخرافات المؤسّسة للكيان اللبناني الحديث، على منوال خرافة الأصل الفينيقي للمجموعات اللبنانية الحالية

من الحكايات الخرافية المشوقة Fairy Tales حكاية يوسف كرم التي صاغها مؤلفوها كي تجعله بطلاً استقلاليًا في وجه العثمانيين، حتى قبل أن يظهر اسم لبنان تعبيرا إداريا (متصرّفية جبل لبنان). والصحيح أن يوسف كرم لم يحارب العثمانيين ألبتة، وكل ما أراده هو أن يتولى جباية منطقة كسروان بعد ثورة الفلاحين في سنة 1858. وغضبَ لأن الدولة العثمانية لم تعيّنه في هذا المنصب، وظل يتقاضى راتبًا من اسطمبول حتى وفاته، تمامًا مثل المير بشير الشهابي الثاني الذي استمر في تقاضي راتبه من الدولة العلية، منذ هزيمته وسفره إلى مالطا ثم إلى اسطمبول حتى وفاته. وعلى هذا النحو، كُتبت قصة طانيوس شاهين التي أُغرم بها الشيوعيون، واعتقدوا أنه زعيم ثورة فلاحية (عامية أنطلياس) ضد بعض مُلّاك الأراضي المحليين (آل الخازن وآل حبيش). والصحيح أنه مجرّد بيطري من آل سعادة في ريفون، حرّضه البطريرك بولس مسعد على آل الخازن، وساعده على تأليف جماعةٍ من الأشقياء المسلحين؛ وهؤلاء أوقدوا حركة احتجاجية عنيفة في 1/10/1858 بناءً على ما اتفق عليه أهالي بلدة عجلتون، بعد اجتماعهم في منزل صالح جرجس صفير بزعامة إلياس المنيّر، وراحوا يهاجمون منازل آل الخازن، وتمكّنوا من طردهم من منطقة كسروان في 19/1/1859. وكان طانيوس شاهين جبانًا coward بحسب كمال الصليبي (صقر أبو فخر، الهرطوقي الحكيم، مصدر سابق، ص 169)، ومات منبوذًا في 3/2/1895. والإثنان، يوسف كرم وطانيوس شاهين، تزّعما حركتين شعبيتين ضد الأعيان الموارنة، وضد ثقافة المدينة التي بدأت تتغلغل في الجبل، بعد مجيء مسيحيي دمشق إلى بيروت، غداة الحوادث الطائفية في سنة 1860، وبعد هبوط بعض الموارنة من الجبل إلى بيروت، مثل آل الخازن، واتصالهم بسوق الحرير في مدينة ليون في فرنسا، وفي السوق العالمية آنذاك.

يمكن أن تضاف إلى الحكايات الخرافية قصة معركة بلدة بشامون عشية استقلال لبنان في سنة 1943 التي يمكن إيجازها بالتالي: عندما اعتقل الفرنسيون الرئيس بشارة الخوري (الموالي للانكليز وللجنرال سبيرز) ورياض الصلح (على غراره)، واستاقوهما إلى قلعة راشيا، هبّ الأمير مجيد أرسلان وحبيب أبو شهلا، واعتصما في بلدة بشامون الجبلية، وأعلنا من هناك حكومة الاستقلال المناوئة لسلطات الانتداب الفرنسي. وانتهت تلك الحركة الاحتجاجية مع إطلاق بشارة الخوري ورياض الصلح ومَن معهما من سجن قلعة راشيا بعد سقوط شهيد وحيد، هو سعيد فخر الدين، برصاص الجيش الفرنسي. لكن اسكندر رياشي يهزأ بمعركة بشامون ويقول: “هو موقف سينمائي فريد في بابه […] لأن الأمير [مجيد أرسلان] في بشامون لم يفقس بارودة، ولم يقتل أحدًا […]. وحرب بشامون بأجمعها كانت معنوية من نوع حرب النظارات، فخلق لها الأمير بمراجله، وحبيب أبو شهلا بحيله ومناوراته، أسطورة جميلة أضحكت العالم وأعجبته وأطربته كثيرًا” (إسكندر رياشي، قبل وبعد، مصدر سبق ذكره، ص 88). ومن جانب آخر، حاول بعضهم أن يفند حكاية الشهيد الوحيد للاستقلال (سعيد فخر الدين المنتمي إلى الحزب السوري القومي) فنبش معلومات عن سقوط 14 شهيدًا و25 جريحاً في طرابلس في المواجهة مع الجيش الفرنسي في 13/11/1943، أي أن حكاية بشامون، كما هي متداولة، غير عادلة وغير صحيحة، ويجب نزع مثل ذاك الامتياز عنها وتصحيح الرواية التاريخية، بإضافة معركة طرابلس إلى سجلات الوقائع اللبنانية. والحقيقة أن تظاهرة طرابلس تلك لم تندلع من أجل استقلال لبنان، بل احتجاجًا على اقتياد الفرنسيين الزعيم عبد الحميد كرامي، بثياب نومه، إلى قلعة راشيا، لا لأنه من دعاة استقلال لبنان، بل لمناوءته الاحتلال الفرنسي الذي كان يريد فصل لبنان عن سورية. وعبد الحميد كرامي كان من دعاة وحدة سورية ولبنان كما هو معروف.

مهما يكن الأمر، فإن فخر الدين (الثاني)، وبعده بشير الشهابي الثاني، هما ألمع شخصيتين في تاريخ البلاد الذي صار اسمها لبنان، وهما، في الوقت نفسه، شخصيتان مخترعتان إلى حد بعيد. يقول جورج هارون: “أسطورة فخر الدين لجأ إليها القوميون اللبنانيون عندما كان لبنان الكبير ضمانًا للوجود المسيحي السياسي في الشرق الأوسط” (جورج هارون: “هل توحّد لبنان مع فخر الدين المعني الثاني”، سلسلة “دراسات القضية اللبنانية رقم 19، 1977). ويرى المؤرّخ جواد بولس أن لبنان الحديث هو استمرار لهوية قومية قديمة (وهي، في رأيي، هوية متخيلة وموهومة وخرافية في آن)، فيما رأى الأب لامنس اليسوعي أن في صراع السريانية (لغة السكان المسيحيين السوريين) مع العربية (لغة الفاتحين المسلمين) ما يماثل صراع فخر الدين المعني المرتبط بالغرب مع الدولة العثمانية الإسلامية (الأب لامنس، سورية: موجز تاريخي، بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1921). والأنكى أن هناك مَن يحاول فبركة تاريخ فلسطيني على غرار التاريخ اللبناني المفبرك، بإضفاء صفات بطولية على تجربة ظاهر العمر الزيداني. ومن مخاطر تلك المحاولة البائسة أنها تُسقط الحاضر على الماضي، وتخترع أبطالًا وهميين، الأمر الذي يُفسد التاريخ الحقيقي والصحيح. ولا أدري، على وجه الدقة، هل إن رواية ابرهيم نصرالله “قناديل ملك الجليل” (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2011) هي صدى لمثل تلك الفكرة غير التاريخية؟

لبنان تعبير جغرافي

لبنان جبل في الشام من أعمال حمص، مثله مثل جبل عكار مثلاً. وكان جبل كسروان وجبل الشوف ووادي البقاع تابعين دائمًا لولاية دمشق (كان الشوف، في بعض المراحل، يتبع صيدا). ولبنان، بحسب طنوس الشدياق، جبل بين طرابلس وبعلبك ممتد في فينيقيا من سورية الثانية. ودائمًا كان جبل لبنان تابعًا لباشوية طرابلس (كمال الصليبي، بيت بمنازل كثيرة، بيروت: مؤسسة نوفل، 1990، ص 92)، ونطاقه الجغرافي مقصورٌ على جبة بشري والمنيطرة وبلاد البترون وبلاد جبيل لا غير، وكل ما صار لبنانيًا لاحقًا لم يكن كذلك قبل مئة سنة ونيف. إذاً، لبنان تعبير جغرافي، ولا خصوصية تاريخية أو قومية له، تمامًا مثل جبل عامل أو جبل حوران أو جبل العلويين. وكل ما في الأمر أن بعض الطوائف سكنت تلك الجبال: الشيعة في جبل عامل، أخلاط من الشيعة وغلاة الشيعة في جبل كسروان، الدروز في جبال الشوف، وفي الجبل الأعلى بالقرب من حلب، ثم في جبل حوران في ما بعد، والعلويون في جبال النصيرية (الجبل الأقرع وجبل موسى). ولم تستعمل كلمة لبنان للدلالة على منطقة محدّدة إلا في سنة 1861 فصاعدًا مع إنشاء سنجق جبل لبنان (المتصرّفية) الذي ظل تابعًا لولاية دمشق إداريًا، وللباب العالي سياسيًا. ومنذ ذلك الوقت، صار لبنان تعبيرًا إداريًا يُطلق على المنطقة بين جزين جنوبًا وبشري شمالاً من دون بيروت وصيدا وطرابلس وعكار وبعلبك وزحلة وحاصبيا ومرجعيون وصور. وكان الحدث الكبير في تاريخ المشرق العربي هو انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى الذي ترتّب عليه انبثاق دول جديدة بحماية الاستعمارين الفرنسي والانكليزي. وفي هذا السياق، ظهرت دولة لبنان، تعبيرا سياسيا، في 1/9/1920، وجاءت محصلة لعملية لصق جغرافي لمناطق بيروت وطرابلس وسهل عكار وسهل البقاع وسهل مرجعيون بسنجق جبل لبنان، على الرغم من اعتراض سكان تلك المناطق، ورفضهم الانضمام إلى دولة لبنان. حتى أن معظم أعضاء مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان (7 من 12 عضوًا) رفضوا استقلال لبنان عن سورية، وطالبوا بالحكم الذاتي لجبل لبنان في نطاق دولة سورية.

لبنان تعبير جغرافي، ولا خصوصية تاريخية أو قومية له، مثل جبل عامل أو جبل حوران أو جبل العلويين

كان نظام الولايات في الدولة العثمانية قد بدأ تطبيقة مع الاحتلال العثماني لبلاد الشام في سنة 1516، فقُسمت إيالة سوريا إلى 11 لواءً، منها لواء دمشق ولواء صفد ولواء صيدا – بيروت ولواء حلب – مرعش .. إلخ. وكانت التقسيمات تتغير بحسب الحاجة إلى تنظيم عمليات السيطرة والإدارة والجباية (يوسف الحكيم، سورية والعهد العثماني، بيروت: دار النهار، 1991). وفي هذا السياق، أُسّس سنجق صيدا في سنة 1660 بعد التمرّدات الدرزية المتكررة، وكان الهدف إبقاء منطقة جبل الشوف تحت المراقبة” (عبد العزيز محمد عوض، الإدارة العثمانية في ولاية سورية، القاهرة، دار المعارف، 1968، ص62).

المقاطعجي والشيخ

خلط بعض الكُتّاب والمؤرخين، خصوصًا الشيوعيون، بين الاقطاعة، أي ما يقتطع من الأرض، والنظام الاقطاعي كما عرفته أوروبا. والإقطاعة، أو المقاطعة، ليست إقطاعًا، بل منطقة يتحمّل فيها أحد رؤساء العائلات المتنفذة جباية الضرائب من السكان بالمقطوعية، ثم توريد ما يُجبى إلى خزانة الدولة.

“خلعة الإمارة” كانت تُباع بالمزاد العلني، خصوصا في عهد والي عكا أحمد باشا الجزّار”

والمقطوعية هي مقدار الضريبة المفروضة على السكان، والتي يقرّرها الوالي استنسابيًا. والمقاطعجي، عمليًا، هو الوسيط بين الفلاحين والحرفيين وأصحاب التجارة والوالي، ويدعى الملتزم، أي ملتزم جباية الضرائب، أو المتسلم، أي الذي يتسلم مهمة الجباية. ولهذا الملتزم أو المتسلم راتب نقدي، يدعى “ساليانة”. وكانت الدولة العثمانية تعين حكام الألوية بطريقة الضمانة، أي دفع مال مخصّص للخزينة السلطانية، والباقي يُنفق على الجند والخدم ونحوهما. وكانت تنتدب بعض الولاة لخدمة الجردة، وهي مرافقة الحجاج إلى مكّة وتأمينهم من غزوات البدو. وكي يتربّح أولئك الولاة من أعمالهم، كانت الدولة تمنح الاقطاعات إلى الأمراء (ميرالاي)، وهؤلاء يسلمونها إلى المقدّمين والمشايخ بطريقة الضمانة والمال المقطوع أي المقطوعية (عيسى إسكندر المعلوف، تاريخ الأمير فخر الدين المعني الثاني، بيروت: دار الحمراء، 1997). وهذا النظام هو ما يسمّى “الإلتزام الجبائي” الذي يُجدّد سنويًا، فإن لم يكن الملتزم مَرْضيًا عنه نُزع منه الالتزام، ومُنح لأحد المتنفذين من عائلته. لذلك ظهر الأمر للمؤرّخين كأنه توريث. وفي نظام الالتزام الجبائي كان على كل أمير (ميرالاي) أن يجدد إمارته (إمرته) في كل سنة، فإذا وافق الوالي على ذلك يخلع عليه “خلعة الإمارة”. و”خلعة الإمارة” كانت تُباع بالمزاد العلني، خصوصا في عهد والي عكا أحمد باشا الجزّار”، حتى أن “الأمير” بشير الشهابي الثاني اتفق، في إحدى المرّات، مع الجزار على أن يدفع له خمسين كيسًا في كل شهر (600 كيس في السنة). ثم، في ما بعد، جاء منافسان له من آل شهاب، وعرضا على سليمان باشا خليفة الجزار، تسعة آلاف كيس تدفع طوال 15 سنة. بمعدل 600 كيس في السنة، علاوة على مئتي كيس سنويًا عبارة عن الضريبة القديمة” (أنظر: مسعود ضاهر، الانتفاضات اللبنانية ضد النظام المقاطعجي، بيروت: دار الفارابي، 1988، ص30). وقد أطلق بعض المؤرّخين على هذا الطراز من الالتزام اسم “الإقطاع الضريبي”. وكانت الدولة العثمانية، في بعض مراحلها، تُجري مزايدة عليه، ومَن يدفع أكثر يتسلم التزامه، ويصبح مسؤولاً عن جباية الضرائب من سكان المنطقة المنصوص عنها في وثيقة الالتزام. وبالتدريج، صارت الإقطاعات الضريبية تُمنح مدى الحياة، وتُورّث لأبناء الملتزم، وتحوّل بعضها إلى ملكيةٍ بعد حوادث سنة 1860 الطائفية وبعد تغيير النظام (فيليب خوري، أعيان المدن والقومية العربية، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1993، ص50).

صارت الإقطاعات الضريبية تُمنح مدى الحياة، وتُورّث لأبناء الملتزم، وتحوّل بعضها إلى ملكيةٍ بعد حوادث سنة 1860 الطائفية

بين منطقة الكورة في الشمال وجبل الريحان في الجنوب (متصرّفية جبل لبنان) كان هناك 24 مقاطعة، وكل مقاطعة لها ملتزم يجبي ضرائبها (طنوس الشدياق، أخبار الأعيان في جبل لبنان، مصدر سبق ذكره). ومن أبرز تلك المقاطعات: كسروان (اسم الجمع بالفارسية لاسم “خسرو” أو كسرى بالعربية)، المتن، الأشواف، الجرد، الغرب، المناصف، الشحّار، بلاد جبيل، بلاد بشارة، إقليم التفاح، إقليم الشومر، إقليم الخروب… إلخ. ومن أشهر الملتزمين الذين كانوا يتغيرون بين حقبة وأخرى آل معن (ملتزمو ضرائب الشوف)، آل أرسلان (الغرب والجرد والمتن)، آل عساف (كسروان)، التنوخيون (بيروت وبعض الغرب)، الشهابيون (حاصبيا وراشيا)، آل الخازن (كسروان)، حبيش (غزير)، الدحداح (فتوح كسروان) الضاهر (الزاوية). وبعد انهيار المعنيين (ثم الشهابيين)، خصوصًا بعد معركة عين دارة بين القيسيين واليمنيين في سنة 1711، رُفّع اللمعيون إلى رتبة ميرالاي وسُلّموا المتن، وتولّى آل مزهر جزءًا آخر من المتن وصاروا مقدّمين، وآل جنبلاط صاروا بكوات وتسلموا الشوف، وآل تلحوق باتوا مشايخ بدورهم وتسلموا الجرد. والمشيخة في جبل لبنان أربعة أصناف: مشيخة السيف التي كسبها أصحابها بقوتهم وغزواتهم مثل آل حبيش. ومشيخة العلم، وهؤلاء يكونون في العادة فقراء، لكن، لأنهم يعلّمون أبناء “الأمراء” والمقدّمين، كانت لهم وجاهة ما.

ومشيخة الأكل (أو البطن)، وهؤلاء مُلاك أرض ميسورون، كانوا يقيمون الولائم ويعزمون الضيوف لتدعيم وجاهتهم مثل آل الجميّل وطوق وكيروز والخوري. ومشيخة الصلح مثل مختار القرية أو بعض رؤوس العائلات العادية التي كان شأنها مقصورًا على السعي بالصلح بين العائلات الكبيرة المتنازعة. ومن مشايخ الصلح هؤلاء آل حرب في تنورين، وهم من أصول عراقية.

بعد انهيار المعنيين (ثم الشهابيين)،  رُفّع اللمعيون إلى رتبة ميرالاي وسُلّموا المتن، وتولّى آل مزهر جزءًا آخر من المتن وصاروا مقدّمين، وصار آل جنبلاط بكوات وتسلموا الشوف، وبات آل تلحوق مشايخ بدورهم وتسلموا الجرد

مهما يكن الأمر، من غير الممكن إقامة التماثل بين الإقطاع الأوروبي وما يسمى اعتباطًا “الإقطاع العربي” استنادًا إلى ملامح ظرفية مشتركة، فالإقطاع نظام اقتصادي – اجتماعي – سياسي ظهر في أوروبا، وله تراتبيته الثابتة؛ فالملك هو رأس النظام، وللأمراء شأن في الحكم والسياسة والمشورة والقيادة والجيش، وهم يمتلكون إقطاعاتٍ خاصة بهم، يعمل فيها فلاحون أقنان لهم نظام في التبعية والحقوق. أما “المقاطعجية” في لبنان، أي ملتزمو جباية الضرائب بالمقطوعية، فلم يكن لهم رأي أو مشورة في شؤون البلاد وسياستها، وكل ما عليهم هو استخدام قوتهم لفرض الهيبة، وجعل عمليات الجباية متيسرة. وفي نظام الإقطاع الأوروبي، تُعتبر ملكية الأرض مقدّسة، ولا يجوز انتزاعها من المالك، ويكون الملك هو السيد الأعلى الذي يحمي جميع مالكي الإقطاعات ما داموا يطيعونه. وحق ملكية الأرض ثابتٌ ومقدّس، وتنتقل الملكية إلى الابن الأكبر توريثًا كي لا تتفتت بين الورثة الآخرين. وهناك خلطٌ جوهريٌّ بين المقاطعجي ملتزم الجباية في هذه المقاطعة أو تلك، والإقطاعي الأوروبي الذي يملك الأرض، ويقوم برعاية الفلاحين الأقنان معًا. وما برح هذا الخلط موجودًا في الكتابات التاريخية؛ فالملكية الخاصة في العصور الاسلامية كانت دائمًا عرضةً للمصادرة، فيما الحاكم يقطع الأرض لمن يشاء، وينتزعها ممن يشاء، ويمنعها عمن يشاء، والحجة أن الأرض لله، وللخليفة من بعده. وهذا يُترجم إلى أن ملكية الرقبة في مسألة الأرض تعود لدولة الخلافة حصرًا (إقرأ: دولة الخليفة)، وللناس حق الانتفاع فحسب. والملكية تخضع لمزاج الحاكم وحده، والأرض تُقتطع لا لضرورات اقتصادية أو عسكرية، بل تُقطع بحسب أهواء الحاكم؛ لأقاربه وأزلامه. ومالك الأرض عندنا ليس سيد الأرض Lord بل الحاكم وحده هو سيد الأرض والدولة وسيد الرعية معًا.

خلطٌ جوهريٌّ بين المقاطعجي ملتزم الجباية في هذه المقاطعة أو تلك والإقطاعي الأوروبي الذي يملك الأرض

في نظام الرّق الروماني كان صاحب الأرض يقيم في المدينة Polis حيث تُصنع السياسة Policy، ويتقاضى الجزء الأكبر من إنتاج الأرض التي يعمل فيها الأرقاء. وحين انتقل المجتمع الأوروبي إلى نظام الإقطاع، صار الإقطاعي يقيم في إقطاعيته بين الفلاحين، ويقتطع جزءًا مهمًا من أرضه، ويتركها للفلاحين، ليعملوا عليها لقاء جزءٍ من الغلة، وبعض أيام السخرة في قصوره. وكان ذلك الاقطاعي الأوروبي يعيش في ضِياعه حياة دعة واسترخاء ومتعة ولذة؛ فالفلاحون يحصدون المواسم ويجنون غلال الأرض، والوكلاء يديرون عملية الإنتاج والتبادل، والإكليروس يباركون الفلاحين، ويمنحونهم البركة الإلهية، ويمنعونهم من أي احتجاجٍ طبقي، لأنه يخالف إرادة الرب. ولهذا انصرف الإقطاعيون إلى الشعر والموسيقى والمسرح والنحت والغناء والعمارة والصيد والشراب والنساء ومؤامرات القصور. ولذلك أنتج عصر الإقطاع أعظم الفنون، وأبدع أشكال العمارة، وأروع المؤلفات الموسيقية، وأرفع أنواع المسرح، وأرق الشعر؛ فالفنون الراقية وليدة التنعّم والتحضر والرقي، لا نتاجًا للقبائل المتنافرة والعائلات المتناحرة والرثاثة الاجتماعية. لنتذكّر أن النظام المقاطعجي في أنحاء ولاية سورية، ومن ضمنها ما صار يُعرف باسم “لبنان”، لم يورثنا، منذ زمن فخر الدين المعني، إلا قيم البرطيل والبخشيش والخاطرشان والإكراميات والمعلوم والمرقوم والمرهوم (الدراهم مراهم) والبهورة ومسلك الأرزقية والقبضايات والأزلام والمحاسيب وسرسرية العائلات والطوائف، وهو ما برح مستمرًا، خصوصًا في دولة لبنان.

سلالة آل معن

المشهور أن آل معن يتحدرون من معن بن ربيعة، نزيل الجبل الأعلى بالقرب من مدينة حلب. ومعن هذا صاهر الأسرة التنوخية أصحاب معرّة النعمان، وحارب الصليبيين بالقرب من أنطاكيا في سنة 1117 ميلادية. ولما هُزم في تلك المعارك فرّ، في سنة 1120، إلى سهل البقاع، ثم انتقل وعائلته إلى جبال الشوف. وتنتمي سلالة آل معن إلى مذهب السُنّة، على الأرجح، لا إلى طائفة الدروز، على الرغم من الكتابات التاريخية الشائعة (نائل أبو شقرا، تاريخ لبنان: أزمة نص ومصطلح وهوية، بيروت، إصدار خاص، 2004). وهذا الأمر ليس مستغربًا؛ فأمراء الدروز، أي جباة الضرائب في مناطق الدروز، ليسوا دروزًا دائمًا أمثال آل شهاب السُنّة الذين هبطوا وادي التيم من مدينة شهبا (في محافظة السويداء اليوم قبل أن يستوطنها الدروز)، وتصاهروا مع آل معن (السُنّة)، وصاروا أمراء على الدروز، أي آمرين عليهم. ومثل آل جنبلاط (جانبولاد) الأكراد السُنّة الذين جاءوا بقيادة أبناء علي جانبولاد إلى البقاع بعد فشل ثورة والدهم ضد العثمانيين في سنة 1607، واحتموا بفخر الدين، وتصاهروا مع سلالته، وصاروا “أمراء” على الدروز، وملتزمي جباية الضرائب في منطقة الأشواف (الشوف السويجاني وقاعدته بلدة بعقلين والشوف الحيتي وقاعدته بلدة المختارة). ويشير محمد أمين إبن فضل الله المحبي إلى أن أصل آل معن أكراد، وهم سُنّة، وأن الجد الأول لهم هو معن الأيوبي، وكان يقطن جهات حلب. وبنو معن هؤلاء نزلوا جبال لبنان بأوامر من طغتكين صاحب الشام، وهبطوا الشوف الذي كان قفرًا في سنة 1120، وجعلوا بعقلين مقرًا لهم (راجع: المحبي، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، بيروت، د. ن، د. ت). ويقول فيليب حتي إن فخر الدين أنشأ مسجدًا في نابولي واستقدم إليه مؤذنًا (فيليب حتي، تاريخ لبنان، بيروت: دار الثقافة، 1985، ص 460)، الأمر الذي يؤكد سُنّية فخرالدين.

ويُستدل على ذلك أيضًا بتعدد زوجات فخرالدين (أربع) وبناء الجوامع (مثل جامع دير القمر)، وطلب إمارة الحج لولده، ومصاهرة الشهابيين السُنّة وآل سيفا السُنة (ابنة فخر الدين ست النصر تزوجت حسين بن يوسف سيفا، وبعد ترملها تزوجت شقيقه عمرو. وابنته فاخرة تزوجت أحمد الحرفوش الشيعي)، وكذلك توريث الحكم للشهابيين بالمصاهرة (عيسى إسكندر المعلوف، تاريخ الأمير فخر الدين المعني الثاني، مصدر سابق، ص41). وأشار فؤاد أفرام البستاني وأسد رستم، ناشرا كتاب الخالدي الصفدي عن فخرالدين، إلى أن علماء السُنّة اتهموا فخرالدين بالزندقة والخروج على قواعد السُنة وأحكام الملة، الأمر الذي يعني أنه كان سُنّيًا (وجيه كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل، بيروت: دار الطليعة، 2000، ص 132، الهامش 3).

تنتمي سلالة آل معن إلى مذهب السُنّة، على الأرجح، لا إلى طائفة الدروز، على الرغم من الكتابات التاريخية الشائعة

لم يكن المعنيون عائلةً تتوارث السلطة، بل مجرّد عائلة متغلبة في منطقتها، يلتزم زعيمها جباية الضرائب من السكان القاطنين في نطاق التزامه. وذلك النطاق كان يتوسع أو يتمدّد كلما أثبت الزعيم ولاءه وجدارته. ومن رؤساء هذه العائلة شخص محيَّر، وليس له تاريخ واضح أو مشهود غير النقش الموجود في مسجد بلدة دير القمر، أي فخر الدين عثمان الذي بنى ذاك المسجد في عام 1494. والمعروف أن فخر الدين لقب لشخصٍ يدعى عثمان المعني، وليس اسمه، لأن العادة درجت على تقديم اللقب على الإسم؛ فكل محمد هو شمس الدين أو أبو القاسم، وكل اسماعيل هو أبو الفداء. وعلى سبيل المثال، اسم صلاح الدين الأيوبي؛ فصلاح الدين لقب ليوسف بن أيوب وليس اسمه الأول. وفخر الدين عثمان المعني هو أمير الأشواف من أعمال صيدا واسمه عثمان (البطريرك إسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنة، جونية: مطابع الكريم الحديثة، 1976). والذي خلع عليه زوراً اسم فخر الدين الأول هو فؤاد أفرام البستاني، ومعه أسد رستم، حين نشرا كتاب أحمد الخالدي الصفدي لبنان في عهد الأمير فخرالدين المعني الثاني (بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 1969)، وهو كتابٌ مشكوك كثيرًا في نسبته إلى الخالدي الصفدي، ثم خلعا على فخر الدين المعني بن قرقماز لقب “فخر الدين الثاني”، وأضافا إلى هذه الحكاية خرافة استقبال السلطان سليم وفدًا من سوريا كان من بين شخصياته “فخرالدين الأول” الذي ألقى بين يديه خطبة بليغةٍ جعلت السلطان سليم يمنحه لقب “سلطان البر” و”أمير عربستان”.

يقول الدكتور كمال الصليبي: لا يوجد فخر الدين الأول ليكون هناك فخر الدين الثاني (الهرطوقي الحكيم، مصدر سابق، ص 139). كذلك لا يوجد أي مستندٍ ينص على أن أحد السلاطين العثمانيين أنعم على ما يُزعم أنه “فخرالدين الأول” بلقب “سلطان البر” (عبد الرحيم أبو حسين، لبنان والإمارة الدرزية في العهد العثماني: وثائق دفتر المهمة، بيروت دار النهار، 2005، ص 19)، فهذه من تلفيق المؤرخين اللبنانيين. أما علي الزين فيقول إن فخر الدين عثمان توفي في عام 1507، أي قبل عشر سنوات من الفتح العثماني. وبالتالي، فإن حكاية لقائه السلطان سليم في عام 1517 ملفقة تماماً (راجع: علي الزين، للبحث عن تاريخنا في لبنان، بيروت: دار الفكر الحديث، 1973). ويصرّ عيسى إسكندر المعلوف على أن فخر الدين الأول هو الذي التقى السلطان سليم، فأقرّه على الشوف وسمّاه “سلطان البر”، لكنه يضيف إن الدولة العثمانية منحته اللقب لقاء مئتي ألف ليرة (عيسى اسكندر المعلوف، تاريخ الأمير فخر الدين المعني الثاني، مصدر سبق ذكره، ص 228). بينما يتخطّى إسطفان الدويهي معضلة وفاة فخر الدين قبل الفتح العثماني بعشر سنوات، ليقول إن قرقماز بن يونس بن معن هو الذي التقى السلطان سليم إبّان فتح الشام وليس فخر الدين، وكان ذلك حين حضر ملتزمو المقاطعات السورية إلى ديوان السلطان سليم في دمشق، وأعلنوا الطاعة والمبايعة، فثبّت التزامهم وسلم قرقماز بن يونس المعني بلاد الشوف (إسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنة، مصدر سبق ذكره، ص 394). أما نيقولاي إيفانوف فلا يذكر فخرالدين ولا قرقماز ألبتة (راجع: كتابه الفتح العثماني للأقطار العربية: 1516-1574 – ترجمة يوسف عطالله، بيروت: دار الفارابي، 1988).وفي معركة مرج دابق وقف بنو بحتر التنوخيون (أمراء الغرب) إلى جانب المماليك، ووقف بنو معن (أمراء الشوف) في موقف المتفرّج في البداية، ثم قدّموا الطاعة للفاتحين الجدد، بعدما مالت كفّة المعركة إليهم. وبدخول العثمانين إلى سورية، بدأ انحسار شأن التنوخيين، وصعود شأن بنو معن (فيليب حتي، تاريخ لبنان، مصدر سابق). والواضح، في هذا السياق، أن ما يُدعى فخرالدين الأول، أو قرقماز، خان المماليك الشراكسة، وانضم إلى العثمانيين في معركة مرج دابق، فكافأه السلطان بإبقائه في موقعه. وكذلك فعل فخر الدين الثاني الذي خان الدولة العثمانية بالتآمر مع توسكانيا. وما زالت السياسة في لبنان تجري على هذا النحو.

كمال الصليبي: لا يوجد فخر الدين الأول ليكون هناك فخر الدين الثاني. ولا يوجد أي مستندٍ ينص على أن أحد السلاطين العثمانيين أنعم على ما يُزعم أنه “فخرالدين الأول” بلقب “سلطان البر”

من الروايات الملفّقة والمؤسسة للتاريخ اللبناني قصة السطو على خزانة السلطان التي ردّدها إسطفان الدويهي وغيره من المؤرخين اللاحقين. تقول الرواية: في سنة 1585 مرّت بلبنان قافلة عثمانية تحمل خراج مصر وفلسطين في طريقها إلى الأستانة، فوثب عليها قوم أردياء (بحسب الدويهي) بالقرب من جون في عكار، وفتكوا برجالها ونهبوا أموالها. ووصلت المعلومات إلى إسطنبول، تتهم آل معن وآل حبيش بنهب خزانة السلطان، وخشي يوسف سيفا ملتزم طرابلس وعكار شر العاقبة، فاتفق مع حليفه ابن فُريخ ملتزم البقاع على إلصاق التهمة بقرقماز المعني، فسَيّر الباب العالي حملةً عسكريةً لتأديب المعنيين وحلفائهم بقيادة مصطفى باشا والي الشام، فهرب قرقماز إلى مغارة قريبة من قلعة شقيف تيرون بين بلدتي نيحا وجزّين، فاهتدى إليه قائد الحملة، إبراهيم باشا، وأشعل حطبًا على باب المغارة، فمات قرقماز اختناقًا تاركًا ولدين، هما فخر الدين ويونس، في عهدة والدتهما الست نسب التنوخية التي لم تلبث أن سلمتهما إلى الحاج كيوان ضو من دير القمر، فهرب بهما إلى آل الخازن الذين خبأوهما في قرية بلّونة الكسروانية. هذه هي الرواية الشائعة، مع أن إسطفان الدويهي يزعم إن خال فخر الدين، الأمير سيف الدين التنوخي، أخذ ابني أخته إلى الشوف، وبعد ست سنين عاد إلى بلدته عبيه في منطقة الغرب، وولى فخرالدين على الشوف (الدويهي، تاريخ الأزمنة، مصدر سبق ذكره، ص 447 و 448). والحكاية كلها مزوّرة، فلا سطوَ على خزانة السلطان، ولا حرق للحطب على مغارة نيحا، ولا إخفاء لولدي قرقماز في بلونة، ولا مراجل الحاج كيوان ضو، ولا غير ذلك من حكايات العائلات الهذيانية، فخزانة السلطان لعام 1585 وصلت إلى إسطنبول كاملة. وتقدم “وثائق دفتر المهمة 1546-1711” (أموري دفتري) وصفًا دقيقًا لمحتوياتها (عبد الرحيم أبو حسين، لبنان والإمارة الدرزية في العهد العثماني، مصدر سبق ذكره، ص 30 و31)، ولا يوجد أي أثر مكتوب لحادثة السطو المخترعة في وثائق دفتر المهمة، إلا في المصادر اللبنانية. وحكاية حرق الحطب على باب المغاور تتردّد في مصادر كثيرة مختلفة، فهي ترد لدى يوسيفوس في كتابه “حروب اليهود”، حين عمد فيليكس قائد الإغريق إلى إحراق الحطب على باب المغارة التي التجأ إليها متيا بن يوحنان المكابي بعد تمرّده (فوزي بعلبكي، “مؤرّخو لبنان وتلفيق موت قرقماس المعني”، مجلة “فكر” – بيروت، العددان 75 و 76، شباط- أيار/ فبراير – مايو 2001). وحتى موت قرقماز غير مؤكّد؛ فعيسى اسكندر المعلوف يقول إنه مات قهرًا (المعلوف، تاريخ الأمير فخر الدين، مصدر سبق ذكره، ص 48). ويورد عبد الرحيم أبو حسين أنه مات في أثناء فراره أمام المهاجمين (أبو حسين، لبنان والإمارة الدرزية، مصدر سبق ذكره، ص 30)، فيما يؤكّد المؤرخ الألماني فرديناند وستنفيلد في كتابه “فخر الدين أمير الدروز” أن قرقماز قتله بالسم أحد خدّامه الذي كان عميلاً للدولة العثمانية. وهناك رواية تقول إن مصطفى باشا والي دمشق هو من قتل قرقماز. لكن المؤكّد، في معمعان هذه المعلومات المتضاربة أن قرقماز كان عاصيًا متمردًا، وليس ثائرًا على الدولة العثمانية. أما قصة تهريب الحاج كيوان وَلَدَي قرقماز إلى قرية بلّونة فكلها مُخْتَلَقة وموضوعة ومزورة، وربما اخترعها آل الخازن (راجع: كمال الصليبي، الهرطوقي الحكيم، مصدر سبق ذكره، ص 140). أما الحاج كيوان فهو كيوان بن عبدالله بن نعمة ضو من دير القمر (أصل عائلته من قرية حاقل في جبيل)، وكان أزعَر نشالاً، وهو من الانكشارية المحلية (اليارلية) الذين كانت الدولة العثمانية تستخدمهم في ضبط التمردات وقمع الاضطرابات وتسيّبهم على الناس لترهيبهم. وقد قُتل الحاج كيوان في سنة 1620، وخلفه في مركزه أبو نادر الخارن. ويؤكد المحبي أن فخرالدين هو الذي قتل الحاج كيوان في 16/11/1623 بعد عودته من توسكانيا (المحبي، مصدر سابق). أما بلونة فلم تكن في ذلك الزمن قرية حتى يختبيء فيها ولدا فخرالدين، بل مجرد مزرعة غير مأهولة ألبتة.

فخر الدين بالعدسة المقرّبة

فخر الدين المعني بطل خرافي مصنوع استندت إليه فكرة “القومية اللبنانية” الخرافية بدورها. وتلك الخرافة لم يخترعها، على الأرجح، الدروز، وهم جماعته، بل الموارنة الذين احتكروا كتابة تاريخ لبنان في الحقبة التأسيسية، أمثال إسطفان الدويهي وطنوس الشدياق وحيدر الشهابي، ولاحقًا جواد بولس وغيره. واللافت أن الكتاب المنسوب إلى أحمد بن محمد الخالدي الصفدي، والذي يستند إليه معظم مَن كتب في تاريخ لبنان، لا توجد فيه كلمة “لبنان” على الإطلاق. كما أن “من الأكيد أن فخر الدين في زمانه لم يستعمل كلمة لبنان مرة واحدة بمدلول سياسي، ولم يعتبر نفسه لبنانيًا، إذ كانت عبارة جبل لبنان، في عصره، تشمل فقط جبة بشري وبلاد جبيل والبترون دون كسروان والمناطق الدرزية” (راجع: وجيه كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل، مصدر سابق، ص 126). وفي هذا الميدان، نبّه أحمد سامح الخالدي الطالب كمال الصليبي عندما التقاه في سنة 1941 بقوله: “عندما يأتي اليوم الذي تكتب في التاريخ لا تكذب كما فعل المؤرخون اللبنانيون عادة. أكتب الحقيقة على واقعها، فقل، مثلًا، إن فخر الدين كان عاصيًا على الدولة العثمانية، ونال عقابه عندما قُبض عليه أخيرًا، واقتيد إلى القسطنطينية حيث قُتل، ولا تقل إنه كان بطلاً يقاوم الظلم العثماني ليجعل من لبنان دولة مستقلة، وهو الذي ربما لم يلفظ كلمة لبنان مرة واحدة في حياته” (كمال الصليبي، طائر على سنديانة، مذكرات، عمّان: دار الشروق، 2002).

فخر الدين المعني بطل خرافي مصنوع استندت إليه فكرة “القومية اللبنانية” الخرافية. والخرافة اخترعها الموارنة الذين احتكروا كتابة تاريخ لبنان في الحقبة التأسيسية

المعروف أن المتسلم عمر باشا الختمنجي، أو الكتمنجي في مصادر أخرى، وصل إلى طرابلس في سنة 1621 ومعه “مكاتيب وأختام إلى الأمير فخر الدين تأمره بأن يكون مساعدًا لمتسلمه [أي مساعدًا للختمنجي] إذا عاصاه [متسلم عكار] إبن سيفا” (البطريرك إسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنة، مصدر سبق ذكره، ص 481). إذاً حتى سنة 1621 لم يكن فخر الدين أكثر من ملتزم جباية ضرائب ومساعدًا للمتسلم الختمنجي. وهو يظهر في وثائق “أموري مهمة دفتري”، أي سجل الأعمال العامة، ملتزمًا إحدى مقاطعات سورية، أي سنجق صيدا – بيروت، وله رتبة محدّدة هي “أميرالاي” أو أمير لواء. وسنجق صيدا – بيروت كان يمتد، على ساحل البحر، من صيدا حتى جسر المعاملتين. وقد سُميّ ذلك الجسر جسر المعاملتين، وطوله نحو عشرة أمتار فقط، لأن العابر فوقه يخرج من معاملة صيدا ليدخل في معاملة طرابلس، وكان يُجري معاملة الخروج وكذلك معاملة الدخول في المكان نفسه، تمامًا مثل محلة “الدخولية” في بلدة فرن الشباك التي كانت نقطة الدخول من ولاية بيروت إلى سنجق جبل لبنان، وفيها تُجبى رسوم البضائع الداخلية والخارجية. ويؤكّد كمال الصليبي أن فخر الدين لم يكن أكثر من سنجقدار (عُين في عام 1590)، ولا علاقة له بالشوف ألبتة (صقر أبو فخر، الهرطوقي الحكيم، مصدر سبق ذكره، ص 137). ويضيف الصليبي شارحًا: “فخر الدين كان ملتزمًا جباية الضرائب في سنجق صيدا – بيروت، وبعد ذلك التزم الجباية في بيروت وصيدا وصفد، ثم في بيروت وصيدا وصفد وعجلون، أي أن الدولة العثمانية كانت توسّع له نطاق التزامه. وعندما كبر رأسه قام بالعصيان، فاعتقلته السلطات، وساقته إلى الأستانة، فحوكم وأُعدم. هذه هي قصة فخر الدين” (راجع: الهرطوقي الحكيم، مصدر سابق، ص136).

عن كمال الصليبي: عندما كبر رأس فخر الديم المعني، قام بالعصيان، فاعتقلته السلطات، وساقته إلى الأستانة، فحوكم وأُعدم

كانت الإيالة أو الولاية (مثل ولاية سوريا) تُقسّم إلى ألوية (أو سناجق)، ولقب حاكم الولاية باشا، أو بكلربكي (بك البكوات)، ورتبته ميرميران (أمير الأمراء). أما ملتزم اللواء فيُسمى سنجق بكي (بك اللواء)، ورتبته مير لواء (أميرالاي). وكل لواء ينقسم إلى أقضية، ويُنصّب لكل قضاء قاضٍ. والقضاء بدوره ينقسم إلى نواحٍ (علي الزين، للبحث عن تاريخنا في لبنان، مصدر سابق، ص174-177). ورتبة “مير” أو أمير اللواء هي رتبة عسكرية وليست لقبًا ملوكيًا كما كانت الحال في أوروبا. وكان العثمانيون، بدلًا من أن يدفعوا أموالاً إلى هؤلاء المتنفذين، يمنحونهم التزامًا لجباية الضرائب، ويمنحون آخرين التيمار والزعامت. والتيمار هو الالتزام الذي يقل عائده عن عشرين ألف أقجة، بينما الزعامت هو ما يتراوح عائده بين 20 ألفًا ومئة ألف أقجة. وعندما اندلعت الحرب بين الصفويين الفرس والعثمانيين عُين فخر الدين أمير لواء صفد في عام 1598 لغاية محددة هي منحه سيطرة مباشرة على شيعة جبل عامل الموالين للصفويين.

يصف طنوس الشدياق فخر الدين بأنه كان يبذل المال الكثير، لينال ما يريده، مثلما فعل عندما طلب إمارة الحج لأحد أولاده. أما عيسى اسكندر المعلوف فيقول، نقلًا عن جورج سانديز في كتابه “رحلة إلى الشرق”، إنه زيّف كمية عظيمة من الريالات الهولندية، ورمى بها في الأسواق أجورًا لعماله، حتى صار من المحال تصريف أي ريال هولندي في صيدا، ولو كان من الذهب الإبريز لعدم الثقة بتلك الريالات، وإنه جمع قناطير مقنطرة من الذهب والكنوز بالإرهاق والاختلاس من الرعية، ومن النازلين عنده، وكان يتقاضى من الأشياء خُمس دخلها، وكان المسيحيون واليهود يدفعون سنويًا ريالين عن كل فرد مال عنق، أي ضريبة رؤوس، وريالاً عن كل رأس مواشٍ. وكانت رعاياه تتركه لكثرة مظالمه، وكان جشعه مفرطًا، فإذا مات أحد من التجار أو الصُّناع وغيرهم يستولي على موجوداتهم، ويحفظها عنده كأنه وارث لهم. وإذا قبل فدية عنها مالًا، وأرجعها إليهم، فكأنه أكرمهم (عيسى إسكندر المعلوف، تاريخ الأمير فخر الدين المعني الثاني، مصدر سابق، ص 233).

تغنّى الأخوان رحباني بمعركة عنجر في مسرحية فخر الدين، وغنّت فيروز من ألحانهما: “بيي راح مع العسكر، بيي راح راح وبكّر، بيي عمّر بيي علّا، حارب وانتصر بعنجر”

صوّر مزيفو التاريخ اللبناني معركة عنجر في سنة 1613 أنها قومية بين فخر الدين اللبناني ووالي الشام. والحقيقة أنها ليست إلا مجرد معركة أهلية محلية بين المعنيين وحلفائهم الشهابيين، وبين الحرافشة وحلفائهم آل سيفا (علي الزين، للبحث عن تاريخنا، مصدر سابق). وقد تغنّى بها الأخوان رحباني في مسرحية فخر الدين، وغنّت فيروز من ألحانهما: “بيي راح مع العسكر، بيي راح راح وبكّر، بيي عمّر بيي علّا، حارب وانتصر بعنجر”. ولا أدري ما هو معيار الانتصار ومقدار البطولة لدى فخر الدين الذي، ما إن علم بقدوم أحمد باشا الكجك بعشرة آلاف جندي (كان جيش فخر الدين بحسب الخرافة اللبنانية الشائعة يتألف من عشرين ألف مقاتل) حتى جزع وانهارت عزائمه واصطكت ركبتاه، وهرب إلى صيدا، ومنها بالبحر إلى ليفورنو في توسكانيا، وبقي في المنفى حتى عام 1619، فعاد إلى موطنه بعد توسله العفو عنه. أما الفصل الأخير في حكاية الميرالاي فخر الدين المعني: في سنة 1633 ارتفعت الشكاوى ضد فخر الدين إلى السلطان مراد أحمد، وكان أبرز الشاكين أحمد باشا الكجك (الصغير بالتركية). وبناء على المعلومات المؤكدة عن تحالف فخر الدين مع التوسكانيين أخصام الدولة العثمانية، أمر الصدر الأعظم خليل باشا بتجريد حملة عسكرية، بقيادة أحمد الكجك، لإنهاء تلك الحال، فهاجمت الحملة وادي التيم معقل الشهابيين حلفاء المعنيين، ودحرت قوات علي إبن فخر الدين عند حاصبيا. وكان فخر الدين، في تلك الأثناء، ينتظر النجدة من أمير توسكانيا. ولما لم تصل إليه النجدة، فرّ من أمام عسكر أحمد باشا الكجك، والتجأ إلى قلعة نيحا (شقيف تيرون)، واعتصم فيها مع نسائه وأولاده (حيدر ومنصور وبلك). وعندما اهتدى الكجك إلى مخبئه، عمد إلى ذبح الأبقار في عين الحلقوم التي تروي القلعة بالمياه، ففسد الماء، فهرب فخر الدين بأسرته ليلاً إلى مغارة جزين. وتمكّن الكجك من نقب الصخر على فخر الدين. وعندما وصل النقابون إلى المكان الذي كان يجلس فيه، انهارت الأرض تحته، فصاح فخر الدين هلعًا: “الله ينصر السلطان”، واستسلم للكجك الذي استاقه إلى قلعة دمشق، ثم أرسله إلى الأستانة مع أولاده الثلاثة. وأمام السلطان مراد أقسم فخر الدين أنه لم يتنصر، وليس له أبناء أو أخوة أو أبناء أخوة أحياء ليرثوه، فأمر السلطان بإطلاقه، مع أبقائه في الأستانة، لينظر لاحقًا في أمره وفي أمر من يتولى بعده التزام الأراضي التي كان يلتزمها فخر الدين. وفيما كان السلطان مراد يغادر الأستانة لمحاربة الصفويين، بلغه أن ملحم ابن يونس المعني (ابن شقيق فخر الدين) شقّ عصا الطاعة على الدولة العثمانية، وقتل والي دمشق حكمت باشا، ونهب بعض المدن مثل صيدا وصور. فغضب السلطان مراد، واستقدم إليه فخر الدين وقرّعه على كذبه بعد قسمه بأنْ ليس له مَن يرثه، وأمر بقتله، فشُنق على باب السراي في 13/4/1635 (عيسى اسكندر المعلوف، تاريخ الأمير فخر الدين، مصدر سابق، ص 207-213).

الفصل الأخير

كان ميناء بيروت شديد الأهمية لتجارة إمارة البندقية مع بلاد الشام في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وكان البحتريون الدروز الذين حكموا بيروت في تلك الفترة قد أصابوا أرباحًا كثيرة جدًا من تلك التجارة (صالح بن يحيى، تاريخ بيروت وأخبار الأمراء البحتريين من بني الغرب، بيروت: دار المشرق، 1969، ص 35). وكانت تجارة البندقية، في معظمها، تمرّ بميناء بيروت، فيستورد البنادقة القطن والقمح والمنسوجات والمصنوعات الحرفية والجلود من سوريا، ويزودون مَن أراد، خصوصًا الدروز، بالسلاح، على الرغم من أن الدولة العثمانية كانت تمنع تصدير القطن والقمح. وحتى تجار دمشق لم يتورّعوا عن تهريب القمح إلى البنادقة، وكانوا يشترون منهم السلاح، ثم يعيدون بيعه من الدروز (عبد الرحيم أبو حسين، صناعة الأسطورة: حكاية التمرّد الطويل في جبل لبنان، بيروت: دار الساقي، 2019، ص 46). وقد كان الفتح العثماني للقسطنطينية والشام ومصر كارثةً على تجارة البندقية، وعلى شركائها في المشرق العربي. وتطلع البنادقة مراراً إلى السيطرة على ميناء بيروت، من خلال تحالفهم مع بعض الدروز، حتى أن قراصنة من البندقية تجرّأوا على مهاجمة الميناء للاستيلاء عليه بعد أيام معدودة من وفاة السلطان سليم الأول في 21/9/1520، وقد تواطأ بعض الدروز من آل معن مع هجوم أولئك القراصنة. ولمّا فشلت المحاولة، هاجم العثمانيون بلاد الدروز في سنة 1523، وقطعوا رؤوس المتواطئين، فبلغت حمولة أربعة جمال، وصادروا الكتب الدينية السرية، ونُقلت إلى دمشق (عبد الرحيم أبو حسين، لبنان والإمارة الدرزية في العهد العثماني، مصدر سابق، ص 28). وسِجّل التمرّدات الدرزية ضد الدولة العثمانية طويل، وقد بدأت وقائعه في سنة 1518 (تمرّد محمد بن الحنش ضد السلطان سليم الأول واشتراك علم الدين سليمان بن معن معه).

تجرأ قراصنة البندقية على مهاجمة ميناء بيروت للاستيلاء عليه، بعد أيام من وفاة السلطان سليم الأول

وتكرّر الأمر في السنوات 1520 و1574 و1583 و1584. وفي عام 1585 قاد إبراهيم باشا حملة تأديبية ضد الدروز، وتمكّن من مصادرة مئات البنادق منهم، وأرغمهم على دفع الضرائب المتأخرة، وقتل كثيرين منهم، وأرسل رؤوسهم إلى اسطمبول. والسبب الرئيس لهذه التمرّدات هو الضرائب ورفض نزع السلاح. ولعل تلك التمرّدات تفسر، علاوة على أسباب أخرى، انخفاض أعداد الدروز في مناطقهم الأساسية كالشوف والغرب والجرد والمتن، والذي عوّضه انتقال الفلاحين الموارنة من جبل لبنان التابع لسنجق طرابلس والتابع بدوره لولاية دمشق، إلى كسروان والمتن في البداية (في عهد المماليك)، ثم إلى الشوف والغرب. وهذه الهجرة المارونية، وتزايد عدد الموارنة في الشوف والغرب، يفسّران، إلى حد بعيد، اندلاع الصراع الدموي بين الدروز والموارنة في سنة 1860.

في 1585 قاد إبراهيم باشا حملة تأديبية ضد الدروز، وتمكّن من مصادرة مئات البنادق منهم، وأرغمهم على دفع الضرائب المتأخرة

بسبب التمرّد الدائم للدروز، امتنع ملتزمون كثيرون عن التقدم لنيل التزام جباية الضرائب. ومَن غامر ونال الالتزام عجز لاحقًا عن استيفاء الضرائب وإرغام الدروز على دفعها. واللافت أن الدروز لم يتمرّدوا على المماليك ألبتة (أسلاف العثمانيين في حكم سوريا) لأن دولة المماليك كانت تقيم علاقات تجارية ممتازة مع البندقية، وكان ميناء بيروت معبرًا لهذه التجارة المزدهرة، ويقع تحت سيطرة آل بحتر التنوخيين. لكن، بعد الفتح العثماني عام 1517، ثم سيطرة العثمانيين على جزيرة قبرص في 1570، وهزيمة التمرد الدرزي في 1585، بدأ الضعف يدبّ في أوصال إمارة البندقية. وبالتدريج، راحت توسكانيا تحل محل البندقية في التجارة والسياسة. ولم تلبث أن وقعت معركة ليبانتو في سنة 1571 التي انتصر الأسطول الإيطالي فيها على الأسطول العثماني. وهنا استيقظت نزعة التدخل الأوروبي في المشرق العربي التي كانت قد خَبَتْ موقتًا منذ جلاء الفرنجة عن بلاد الشام في أواخر القرن الثالث عشر. وقد اعتبر المؤرخ فرناندو بروديل معركةَ ليبانتو “نهاية عقدة نقص حقيقية لدى العالم المسيحي” بعد سقوط القسطنطينية (أبو حسين، لبنان والإمارة الدرزية، مصدر سابق، ص 33).

مؤسس السلالة الجنبلاطية هو قاسم القُصيري الكردي الذي يُلقب “إبن عربو”، وكان أميرًا على أكراد حلب وعلى أكراد منطقة “القُصَير”

ورثت توسكانيا، بزعامة آل ميديتشي، إمارة البندقية في تجارتها مع مدن الساحل السوري ومع المدن السورية الداخلية في آن، وورثت أيضًا مطامعها السياسية، وفي مَقدمها السيطرة على الأراضي المقدسة، وعلى جزيرة قبرص المهمة جدًا لهذه الغاية، وزعزعة السلطة العثمانية في بلاد الشام، فدعمت، في عهد الدوق الأكبر فرديناند الأول (الغراندوق)، تمرّد علي جانبولاد في عام 1605، وتحالفت مع الشاه عباس الصفوي في إيران، ومع بعض المجموعات الطائفية في المناطق العثمانية كفخر الدين المعني. وحظيت توسكانيا بدعم البابا كليمنت الثامن الذي كان يشجع القيام بحملة صليبية جديدة على سوريا تشارك فيها المدن الايطالية مثل البندقية وتوسكانيا وجنوى وبيزا، فضلاً عن إسبانيا وغيرها من الدول المسيحية.

مؤسس السلالة الجنبلاطية هو قاسم القُصيري الكردي الذي يُلقب “إبن عربو”، وكان أميرًا على أكراد حلب وعلى أكراد منطقة “القُصَير”، ولهذا لُقّب “القُصيري”. وإبن عربو، أو قاسم الكردي، الذي قاتل إلى جانب المماليك، قتله السلطان سليم بعد معركة مرج دابق، ودخوله فاتحًا إلى حلب. وفي ما بعد تولّى حسين جانبولاد (جنبلاط)، وهو حفيد إبن عربو، سنجق إعزاز وكلّس لقاء سبعة آلاف دينار ذهبي، وتجهيز خمسة آلاف مقاتل لمحاربة الشاه عباس الأول الذي كان يهاجم الحدود الشرقية للدولة العثمانية. ولمّا بدأ الوضع العسكري للدولة العثمانية يتضعضع جرّاء هجوم الصفويين من الشرق، وجراء تمرّدات بلاد الأناضول وشمال بلاد الشام، انقلب حسين جانبولاد على العثمانيين، وحاول أن يؤسس إمارة له، ومدّ يده إلى توسكانيا لهذه الغاية، وتوقف عن دفع المبالغ التي التزمها إلى الخزانة في اسطمبول، وتملّص من المشاركة العسكرية في مواجهة الشاه عباس الأول، فأثار ذلك كله سخط الصدر الأعظم العثماني الذي أمر باعتقاله وقطع رأسه، وهو ما حصل بالفعل. وقد تولى ابن أخيه علي جانبولاد حشد تمرد كردي جديد في سنة 1604، وتمكّن من الاستيلاء على بعض نواحي حلب، وتحالف مع توسكانيا، وسعى إلى تأسيس إمارة معادية للدولة العثمانية، يدعمها البابا كليمنت الثامن وإمارة توسكانيا، ثم تحالف مع فخر الدين المعني. وما إن انتهت الحرب العثمانية – النمساوية، حتى سارع الصدر الأعظم مراد باشا في سنة 1607 إلى مهاجمة علي جانبولاد، وتمكّن من سحق قواته وإعدامه، وهرب أبناؤه إلى الديار القريبة من ديار حليف أبيهم، فخر الدين المعني، وكان منهم رباح بن علي جانبولاد (جنبلاط) الذي وفد إلى البقاع من حلب في سنة 1630. وقد تزوّج إبن رباح، ويدعى علي، إبنة الشيخ قبلان القاضي، وكانت وحيدة لوالدها الثري، فورثت مع زوجها علي جنبلاط (جانبولاد) دار أبيها وأملاكه، وانتقلا إلى السكن في بلدة المختارة (عيسى إسكندر المعلوف، تاريخ الأمير فخر الدين المعني، مصدر سابق، ص 31).

مع فشل تمرّد علي جانبولاد في سنة 1604، حوّل التوسكانيون والبابا كليمنت الثامن اهتمامهم إلى فخر الدين، ووقّعوا معه معاهدة تتضمن تقديم المساعدة له حين يطلبها، وتقديم ملجأ له ولعائلته في بلادهم، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وأن يصدر البابا أمرًا لمسيحيي سوريا بالانضواء تحت قيادة فخر الدين (أبو حسين، صناعة الأسطورة، مصدر سابق، ص 62). وبالفعل، وجّه البابا رسالةً في هذا الشأن إلى بطريرك الموارنة، وإلى زعمائهم في يناير/ كانون الثاني 1609 (راجع: بولس قرا ألي، فخر الدين المعني الثاني حاكم لبنان ودولة توسكانا، بيروت: د. ن.، 1992، ص 171). وفي تلك الأثناء، عزّز فخر الدين صلاته بقنصل فرنسا في القدس، وبقنصل فرنسا في صيدا، وتلقّى معدات حربية، واقتنى مركبين حربيين، واستخدم فيهما خمسين راميًا من بيروت (عيسى اسكندر المعلوف، تاريخ الأمير فخر الدين، مصدر سابق، ص 229، نقلاً عن مذكرات الأب رباط الموسومة بعنوان “الأسانيد غير المطبوعة لتاريخ النصرانية في الشرق”). ولما انكشفت تلك المؤامرة الخفية، والتدابير العلنية المموهّة بالبضائع وعلاقات التبادل التجاري، هرب فخر الدين في سنة 1613 إلى توسكانيا.

هاجم والي الشام كوتشوك أحمد باشا (أحمد باشا الصغير) فخر الدين وقبض عليه، وساقه إلى إسطنبول حيث أُعدم شنقّا مع أولاده الثلاثة

لحسن حظ فخر الدين، اندلعت في أوروبا حرب الثلاثين سنة (1618 – 1648)، وشُغلت بها توسكانيا والبابا والدول الأوروبية أيما انشغال، وما عادت مهتمةً بدعم فخر الدين أو غيره، بل عرضت على الدولة العثمانية اتفاقية سلام، من بين بنودها الجانبية العفو عن فخر الدين كي يتمكّن من العودة إلى بلاده، لأنه صار هو وحاشيته عبئًا على توسكانيا، وما عاد له أي فائدة سياسية أو عسكرية، فعاد فخر الدين إلى بلاده بموجب ذلك العفو الذي استحصلت عليه توسكانيا من الدولة العثمانية، وأقام ساكنًا وادعًا طوال 15 سنة. غير أن غريزة العقرب تحرّكت بعد هذه المدة، خصوصًا بعد تمرّد الانكشارية على السلطان عثمان الثاني في سنة 1622، واحتلال الشاه عباس الصفوي بغداد في سنة 1623، فأعاد صلته بالتوسكانيين والبابا وإسبانيا، وتولى البطريرك الماروني وبعض الأساقفة والأعيان والرهبانية الفرنسيسكانية ربط ما انقطع (أبو حسين، صناعة الأسطورة، مصدر سابق، ص 72). وفي الوقت نفسه، كان فخر الدين يلحّ على قوزما الثاني أمير توسكانيا بتجهيز حملة عسكرية، بالتعاون مع إسبانيا وفرنسا والفاتيكان، لاحتلال الأراضي المقدسة (فيليب حتي، تاريخ لبنان، مصدر سابق، ص 460). وفي سنة 1633، أرسل فخر الدين رسالتين إلى البابا وملك إسبانيا، حملهما الأسقف الماروني في قبرص، تتضمنان عرضًا ينص على تقديم تسهيلات عسكرية للاستيلاء على جزيرة قبرص المهمة جدًا لاحتلال القدس والأراضي المقدسة، وتقديم ميناء آمن للجيش المسيحي، على أن يكون أخو البابا أوربان الثامن حاكمًا على الأراضي المقدسة، وأن يصبح فرديناند الثاني غراندوق توسكانيا الذي تولى دوقية توسكانيا في سنة 1609 خلفًا لوالده فرديناند الأول، ملكًا على القدس، لقاء دعم فخر الدين في مواجهة العثمانيين، وتزويده بكمياتٍ كبيرة من المعدات العسكرية، والوقوف إلى جانبه إذا حاولت الدولة العثمانية غزو دياره. وبالفعل، التقى أسقف الموارنة في قبرص البابا أوربان الثامن في أوائل سبتمبر/ أيلول 1634 ليعرض عليه التحالف مع فخر الدين على تلك الأسس، إلا أن الزمن كان قد فات؛ فعلمت الدولة العثمانية بتلك المحاولة، وتحرّكت لإجهاض المعاهدة وحماية أمنها، فهاجم والي الشام كوتشوك أحمد باشا (أحمد باشا الكجك) فخر الدين وقبض عليه، وساقه إلى إسطنبول حيث أُعدم شنقّا مع أولاده الثلاثة بتهمة التمرّد وتهديد أمن الدولة ودس الدسائس لدى الدول المعادية. هذه هي قضية فخر الدين المعني بلا بطولات أو خرافات أو زخرفات أو فبركات أو إضافات.