الخديوي إسماعيل والسيسي: «مصر حتّة من أوروبا» أم أفضل منها؟

 

 

 رأي القدس
القدس العربي
15122018

من حقّ أي زعيم سياسيّ التفاخر باستقرار بلاده وأمنها والتغنّي بمعدلات التنمية الكبيرة والعدالة التي ينعم بها شعبه، واحترام قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وخصوصاً في هذه الأجواء المضطربة التي تسود العالم، أو إذا كانت المقارنة بين بلدين متقاربين في نظمهما السياسيّة أو أرقامهما الاقتصادية أو بأي قضايا أخرى تمكن فيها الموازنة والحساب والتقييم.
لكن حين يطلب الرئيس المصري من وسائل الإعلام المحلّية مقارنة أوضاع مصر بـ«نظيراتها» في الدول الأوروبية التي تشهد تظاهرات، لإظهار «الفارق الإيجابي لصالح مصر»، وحين يورّط نفسه بمقارنة أسعار الوقود فحسب من دون احتساب الفوارق في الأجور فلا يستغرب أبداً موجة الغضب والسخرية من جموع المعلقين.
وما دام الرئيس المصري قد أدخل نفسه في هذه المقارنة المجحفة فلا بأس إذن من عقد مقارنة أخرى مع زعيم مصريّ سابق عليه، وهو الخديوي إسماعيل، الذي اشتهر بجملة أن «مصر حتّة (أي جزء) من أوروبا»، لنكتشف أن مبالغة الخديوي إسماعيل الجغرافية أكثر جدّية وواقعية من مطلب السيسي المتهافت.
من المعروف أن الخديوي إسماعيل قام، كما فعل السيسي، باقتراض مبالغ طائلة، لكنّ اقتراض إسماعيل كان مبنيا على تقديرات خاطئة حين أدّت الحرب الأهلية الأمريكية عام 1863 إلى عجز شديد في توافر القطن مما رفع أسعار القطن المصري بشكل هائل، كما أن تقديراته للأرباح المتوقعة من قناة السويس عند انتهائها كانت أكبر أيضاً من الحقيقة.
غير أن إسماعيل بدأ حركة بناء كبيرة فحفر قنوات وجسورا وأنشأ بنية تحتية للتلغراف وجعل مصر أكبر دولة في العالم بنسبة كيلومترات السكك الحديد وحسن مياه الشرب وإنارة الشوارع وإمداد الغاز وأنشأ صناعة السكر ومصلحة البريد ووسع التعليم العام وبنى المتحف المصري ودار الأوبرا مما ساهم في بدء حركة السياحة، وحظر العبودية وتجارة الرقيق ودعم ممارسة الحريات الدينية، وقد دفع نصف رأس مال شركة قناة السويس لوقف عمليات السخرة والاستعباد وأدخل إجراءات ديمقراطية عديدة وحسن القوات المسلحة ووسّع البعثات العلمية الخ… من جهة أخرى فقد ساهمت الديون والقروض لاحقا في تعزيز تدخل الدول الأوروبية في شؤون مصر وانتهى الأمر بإقصائها إياه عن العرش وبتحوّل مقولة «مصر حتّة من أوروبا» إلى نقطة توكيد على تناقض وبطلان فكرة أن الاقتراض من أوروبا سيجعلك تصبح مثلها، ولكن مؤرخين يعتقدون أن ذاك التدخّل كان سيحصل على أي حال وأن ما فعله كان مكسبا كبيرا لمصر والمصريين وأنه فتح الطريق لثورة 1919 وإنهاء الاحتلال البريطاني خلال فترة لم تتجاوز 31 عاما.
يصحّ في طلب السيسي مقارنة أوضاع مصر الحاليّة بأوروبا من تفصيل صغير هو أسعار الوقود تذكّر مقولة أن التاريخ يكرر نفسه مرة كمأساة ومرة كمهزلة، فرغم أن حكم السيسي قام أساساً على قروض السعودية والإمارات والبنك الدوليّ، وأن مساعديه حاولوا «تأليف» إنجازات له تشبه إنجازات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (من قبيل فتح تفريعة لقناة السويس كلّفت 8.4 مليار دولار) لكن الحقيقة واضحة تشرحها أفعال وتصريحات السيسي نفسه التي يطالب فيها الشعب المصري بالتبرع لـ«صندوق تحيا مصر» والصبر والانتظار سنوات حتى رؤية «الإنجازات العملاقة» التي سيقوم بها… ربما في أوروبا؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*