الرئيسية / أضواء على / «الحِذاءُ المُتَجَمِّدُ»… صورةٌ تحكي عذابَ أطفالِ المخيَّمات

«الحِذاءُ المُتَجَمِّدُ»… صورةٌ تحكي عذابَ أطفالِ المخيَّمات

 

 

عبدالدائم السلامي
القدس العربي
30112018

على أسوارِ حديقة لكسمبورغ في باريس أقام المُصوِّر الصحافي رضا دغاتي، الفرنسيُّ ذو الأصل الإيرانيّ، معرِضا فنيّا بعنوان «حُلم الإنسانية» تضمّن صُورا التقطتها كاميراتُ أطفالِ مخيّمات اللاجئين، بعد أن دَرَّبهم على فنّ التصوير الفوتوغرافي في ورشات خاصّة أقامها لهم في مخيّمات في العراق وسوريا وأفغانستان ورواندا. وكانت غايتُه أن يُمكِّن هؤلاء الأطفالَ الذين شرّدتهم الحروب، من لُغٍة كونيّة يُخاطبون بها العالَم وينقلون إليه معاناتهم اليومية، ويَحْكونَ بها قصصَهم وهم يواجهون مصائرَهم. لقد نشأت فكرة رضا دغاتي لتدريب أطفال المخيّمات على فنّ التصوير الفوتوغرافي عام 1983، عندما لاحظ أنه صار من المستحيل على وسائل الإعلام إرسال صحافيين إلى أفغانستان لخطورة الوضع فيها، وقد رأى أنه من الضروري أن يُدَرِّب الأطفالَ في مخيّمات اللجوء ومناطق الحرب على التصوير الفوتوغرافي ليُقدِّموا للعالَم الخارجيّ رؤيتهم الخاصّة للأحداث، متى انعدم حضورُ الصحافيّين، وكان هدفه إنشاءَ شبكة بين «مراسلي المخيم» بُغيةَ ربطهم بالإعلام الدولي.

عمل رضا دغاتي مراسلا حربيّا لفترة تزيد عن ثلاثين سنة تنقّل خلالها بين الدُّول التي عاشت حروبا أو مجاعات أو صراعات أهلية ناقِلا منها صورا تُعَدُّ شهاداتٍ بليغة عمّا بلغه عنف الإنسان تجاهَ أخيه الإنسان، وهو أمرٌ جعله يوصَفُ بكونه مواطنا عالميّا، ورسولَ سلام، فهو لا يلتقط صورَه بحيادٍ، وإنّما يتخيّر مشاهِدَها وزوايا التقاطها لتكون مُحرِّضة على السِّلْمِ، وداعية إلى التسامُح والتعاطف الإنسانيّ والحُلم بعالم أكثر أخوّة وانسجاما، وهذا ما منحها شهرتَها العالمية، حيث تناقلتها وسائل الإعلام الكبرى على غرار «نيوزويك» والـ»ناشيونال جيوغرافيك» و«التايمز».

يسرد رضا دغاتي ظروف التقاط هذه الصورة التي راجت بكثافة في الصحافة العالمية بقوله إنّ الطفلة مايا كانت هناك، تقف أمام الخيمة. تفرض نفسها بوجودها الصَّبور والصَّامت.

وعن إقامة هذا المعرض يقول الفنان رضا دغاتي إنّه ظلّ خلال فترات التدريب قريبا من هؤلاء الأطفال إلى حدِّ الإحساس بمعاناتهم وفرحهم، و«بفضل هذه الأبجدية الكونية، أي التصوير الفوتوغرافي، خلقتُ فيهم الجُرأةَ على سَرْدِ ذكرياتهم كبَشَرٍ عالقين في اضطرابات العالم. ولا تكتفي الصور المعروضة بتقديم مشهدٍ حزينٍ عن ظروف الأطفال المُشوَّهة، وإنّما هي تحاول أن تُبرِز البسمةَ من وراء الدموع، والجمالَ من وراء التراجيديا، والحياةَ من وراء الموت. وما هذا المعرض إلاّ قِصَّةُ الأُسْرة البشرية التي هي أُسْرتُنا. وفي الواقع، لقد أصبح من الممكن الآن لأي شخص أن يصير لاجئا». وقد أشاد الصحافي لوران غودي بهذا المعرض في قوله: «علينا أن نُجيدَ قراءة نظرة اللاجئين المُثبَتة في الصُّور. يوجد لدى أغلبهم عمق سحيق، شيء مَّا غائمٌ ومشروخٌ. العيون هي غالبا صافية ورائعة، ولكنها تحمل حزنا عميقا. يبدو لي أن البلادَ التي غادروها موجودةٌ هناك داخل عيونهم، وهذا هو ما يَهِبُهم ذلك العمقَ في النظرة، إنه المنفى الذي يظهر في النظرة، وإنّنا لَنَجِدُ في نظرة العين كلَّ ما عاشه الشخصُ».
ولعلّ أشهر صورة من الصور التي رسمها الأطفالُ المشاركون في ورشة التدرّب على فنّ التصوير الفوتوغرافي في مخيّم اللاجئين السوريّين في العراق هي صورة «الحذاء المتجمِّد» التي رسمتها مايا رُستم، الطفلة السورية التي لم تتعدَّ الثانية عشرة من عمرها. ويسرد رضا دغاتي ظروف التقاط هذه الصورة التي راجت بكثافة في الصحافة العالمية بقوله إنّ الطفلة مايا كانت هناك، تقف أمام الخيمة. تفرض نفسها بوجودها الصَّبور والصَّامت. «كانت أوّل الواصلين إلى ورشة التصوير الفوتوغرافي في يومها الثاني، حيث ظلّت تُلاحظ وتستمع إليّ بانتباهٍ. وعند نهاية اليوم، وقبل أن تلفَّ الليلةُ الباردةُ منطقةَ المُخيمِ ويذهب الجميع للعثور على ما يشبه منزلا يتراصون فيه بعضا إلى جوار بعضٍ، اقتربتُ منها وسألتها عن سبب إصرارها على حضور دروس الورشة. فحَدَّثَتْني عن أصداء الحرب، وعن الطريق الطويل والحارق للهجرة الجماعية، وعن الشمس التي تحرق جلودَ الناجين، وعن إرهاق الهروب، ثم عن المخيم، وعن خيامه المصفوفة، وعن الارتياح الذي يمنحه الإيمان الدائم لأهلها بحياة جديدة في مكان آخر. ومرّت الأيام، وبدأ يغمرها شعورٌ هائلٌ بالملل والاختناق من وُجودٍ يوميٍّ هو لا يزيد عن كونه مجرَّدَ بقاءٍ باهتٍ على قيد الحياة. سألتها عن سبب حضورها، وذَكَّرَتْني إجابتُها بالأسباب التي دفعتني، عندما كنت طفلا في تبريز الإيرانية، إلى الهروب إلى فنّ التصوير الفوتوغرافي واعتمادِه سبيلا إلى رواية حكايتي. قالت لي مايا رستم: «أريد أن أتعلم التصوير لأنني به أتمّكن من جعل العالم قادرا على رؤية ما أشعر به وما أعيشه». وقد حفزتني إجابتها على أن أشتري ألات تصوير أخرى لزيادة حجم المنتفعين بدورة التصوير الفوتوغرافي، لقناعتي بوجود أطفالٍ آخرين لهم الإصرارُ نفسه الذي لدى الطفلة مايا. وفي مساءٍ مَّا غادرت مايا مع كاميراتها. وكانت مُهِمَّتُها أن تُصوّر مشاهد ليلية من حياة المخيَّم. احتضنت مايا كاميراتها مثلما يحتضن المرء كنزا وهرولتْ وسط صفوف الخيام، لكن في صباح اليوم التالي، لم تحضر مايا. قلقتُ من غيابها، وسألت عنها. لم يكن هناك أحد يعرف خيمتها. وبدأتُ الدَّرْسَ. وفجأة ظهرت مايا، تقدمت نحوي بخجل وإحراجٍ. فسألتها عن سبب تأخرها. ولكنها لم تقل كلمة واحدة، وخفضت رأسها. كنت منشغلا بمتابعة عملِ تلامذةٍ آخرين، ولكني كررتُ السؤالَ: «لِمَ تأخرتِ؟» وبدون أن تنبس بكلمة، قدمت لي كاميراتها وأَرَتْني صورةَ الحذاء المتجمِّد. ثم أضافت بنبرة تكادُ لا تُسمَعُ: «لقد تجمَّد حذائي، واضطررتُ إلى الانتظار كامل الصبح ليذوب جليدُه وأتمكن بعد ذلك من ارتدائه». ولم أشعر يوما بارتباك مماثلٍ لارتباكي أمام القوة الرمزية للصورة التي التقطتها الطفلة مايا رستم».

٭ كاتب تونسي

اضف رد