الرئيسية / home slide / الحُكم آخر الجلسة في قضية «الضاحك الباكي» نجيب الريحاني

الحُكم آخر الجلسة في قضية «الضاحك الباكي» نجيب الريحاني

كمال القاضي
القدس العربي
06112022

يتزامن العرض الأول لمسلسل «الضاحك الباكي» الذي يقدم السيرة الذاتية للفنان الراحل نجيب الريحاني مع الإعادة السنوية لمسلسل «الأيام» الذي ينقل بالصوت والصورة سيرة عميد الأدب العربي طه حسين عبر دراما تلفزيونية مشحونة بالتفاصيل الكبيرة والصغيرة عن حياة الأديب الفذ. ويأتي استدعاء مُسلسل «الأيام» للمخرج يحي العلمي والأبطال أحمد زكي ويحي شاهين ومحمود المليجي وحمدي غيث وصفية العمري وأمينة رزق، ليس من قبيل المقارنة الفنية والإبداعية وإنما لتوضيح نقطة أساسية تختص بطبيعة النص الدرامي وعلاقته التأثيرية بالقصة الواقعية للشخصية المُجسدة على الشاشة.
لقد تفاعل الجمهور مع الحكاية المروية عن طه حسين وقبلها كحقيقة مُسلم بها لأن الخلفية الحياتية لصاحب الرواية كانت معروفة مُسبقاً للغالبية من الناس، حيث تم تدريس رواية «الأيام» المأخوذ عنها المُسلسل لطلاب المرحلة الثانوية، ومن ثم لم يكن بها ما يجهله المُشاهد المصري والعربي وما يقبل التأويل فهي قصة كفاح محفوظة عن ظهر قلب لعالم جليل وكاتب مرموق فقد البصر وهو لا يزال في سن الطفولة، ولهذا كان عنصر التعاطف والتأييد متوافراً بقوة مما سهل عملية الاقتناع الدرامي، فضلاً عن براعة التأليف وإتقان الحبكة الدرامية لكل من أمينة الصاوي وأنور أحمد، وربما يكون ذلك من دواعي نجاح المُسلسل وارتباط الجمهور به منذ عرضة الأول في عام 1979.
وللتأثير الشديد للحالة الدرامية التي خلقها صُناع العمل جميعاً جرت المقارنة الجماهيرية بين «أيام» طه حسين والأعمال الفنية الأخرى المُتصلة بالسير الذاتية، وهي مُقارنة يعقدها المُتلقي بشكل تلقائي باعتبار المُسلسل مقياساً للجودة، وقد وضع هذا القياس مُعظم أعمال السير الذاتية في مأزق شديد بما فيها الأفلام السينمائية، حيث تمت المقارنة أيضاً بين أداء محمود يسن في فيلم «قاهر الظلام» وأداء أحمد زكي في المُسلسل المذكور ودارت رحى الحرب الكلامية بين فريقين أحدهما يؤيد أحمد زكي والآخر يؤيد محمود يسن.
وكلما خرج عمل جديد إلى النور تكررت الحكاية بحذافيرها ما بين مؤيد ومُعارض، تماماً كما حدث في مسلسل أسمهان ومسلسل ليلى مراد ومسلسل إسماعيل يسن وأم كلثوم ويتجدد الآن مع عرض الحلقات الأولى لمُسلسل «الضاحك الباكي» للكاتب محمد الغيطي والمخرج محمد فاضل والأبطال فردوس عبد الحميد وعمرو عبد الجليل ورزان مغربي، فقبل أن تكتمل الرؤية وتتبلور الأحداث انهالت الانتقادات من كل حدب وصوب ووجد البعض في هوجة الهجوم على المُسلسل فرصة لاستعراض العضلات والاشتباك مع صُناع العمل كل بصفته وشخصه وهي آفة التناول السطحي للعمل الفني والتقييم المبني على الانطباع الأولي بغير تدقيق أو تمييز، فما لا يؤخذ كله لا يُترك كله، لكن الرغبة في الهجوم وتصيد الأخطاء تنفي هذه القاعدة وتتعامل بالقطعة مع العمل الفني الذي استغرق وقتاً طويلاً في الإعداد والتحضير قبل خروجه إلى النو .
من المآخذ على المسلسل حسب تقدير البعض أن فردوس عبد الحميد تُجسد فيه دور أم نجيب الريحاني، وهو ما يراه المُحتجون نقطة ضعف جوهرية وتوظيفا غير منطقي للبطلة التي لا يليق بها في عمرها الراهن أداء هذا الدور، وهي جزئية مردود عليها من واقع أعمال الفنانة ذاتها، فقد سبق لها أن لعبت دور أم عزت العلايلي وهي في سن الشباب كبطلة مُطلقة لفيلم «الطوق والإسورة» مع شريهان، حيث جسدت شخصية حزينة، العمود الفقري في رواية الكاتب الكبير يحي الطاهر عبد الله، وحينها لم يستنكر أحداً على العلايلي أن يكون ابناً لمن تصغره بعدة سنوات، إذ كانت الإجادة هي المقياس المعمول به في إسناد الأدوار لأصحابها من الممثلين المُحترفين. ولم تكن هذه هي الحالة الفريدة أو الاستثنائية في السينما أو الدراما التلفزيونية، ففي فيلم «المرأة المجهولة» جسدت شادية دور امرأة عجوز مُسنة ولم يكن عمرها يزيد على الثلاثين عاماً آن ذاك، وعلى العكس تحدث أحياناً المفارقات العمرية في العديد من الأعمال، فالعبرة عادة تكون بمستوى الإتقان لا بمستوى السن.
أما عن عمرو عبد الجليل والتظرف الذي وصف به أدائه فهو الجانب الثاني من الهجوم على المُسلسل في تناس واضح لقدرات عبد الجليل ونفياً تعسفياً لموهبته الكوميدية المُتفق عليها والمُختبرة في العديد من أدواره السابقة السينمائية والتلفزيونية، كما أن عملاً فنياً لمخرج كبير مثل محمد فاضل لا ينبغي تناوله بمستوى تقييمي أقل من مضمونه وقيمته بكثير، لا سيما أن المُسلسل لم تنته حلقاته بعد ولم يثبُت فشله أو نجاحه، وعليه فإن الحكم المُبكر على عدد قليل من الحلقات بالصورة الهجومية المُبالغ فيها هو محض اجتراء وافتراء على الرؤية والمُعالجة والإخراج ومن الأفضل الانتظار حتى الحلقة الأخيرة قبل القطع النهائي بأن المسلسل ورطة فنية وقع فيها فاضل وفردوس فألغت تاريخهما الفني كله!

 كمال القاضي