الرئيسية / home slide / «الحياة حلوة»: رؤية روبيرتو بنيني للواقع في ضوء الأزمات!

«الحياة حلوة»: رؤية روبيرتو بنيني للواقع في ضوء الأزمات!

 كمال القاضي
القدس العربي
01102021

قد يحتم الواقع على المبدع أحياناً أن يذهب بعيداً عن التفاصيل الحقيقية، إذا ما أراد أن يُعيد تجسيد ما عاشه وعاصره، أو ما سمع عنه وقرأه، ولأن للسينما شروط وأحكام فإن الالتزام الحرفي بالواقع يكون صعباً، حيث تصوير الحقيقة يكلف المُبدع ما لا طاقة له به فيكتفي ببعض الملامح الدالة على القصد، إيثاراً للسلامة وابتعاداً عن المساءلة، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقضية تاريخية مُختلف عليها.
«الحياة حلوة» هو عنوان أكثر أفلام المخرج العالمي روبيرتو بنيني شهرة وإثارة للجدل، لأنه يقدم رؤية كوميدية سياسية مراوغة لحياة البطل اليهودي، الذي يعيش آمناً مُطمئناً، لا يعرف إلا الضحك ولا يشغل نفسه إلا بعالمه الشخصي، وطموحة المتواضع في الوصول إلى غايته البسيطة المُختصرة في توفير الاحتياجات الضرورية، من مأكل ومشرب وملبس.
لكن الظروف حسب السياق الفني والدرامي، تضع البطل «جيدو» الشخص البسيط الذي يعمل جرسوناً في طريق إحدى الأميرات، وعبر العديد من المواقف الكوميدية، يقترب الجرسون من الأميرة فيصير مؤثراً في حياتها، وبلا سابق إنذار تتزوج الأميرة من الصعلوك، وتتحول أحداث الفيلم إلى ملهاة طويلة، تمتد بامتداد الزمن الدرامي، ونرى آيات العجب في ما يُطرح مجدداً من معالجات إنسانية وسياسية تمثل حجر الزاوية في رؤية المؤلف والمخرج والبطل روبيرتو بنيني، الذي يُصرّ على استمرار الخط الكوميدي الفانتازي للفيلم، رغم التحولات الجوهرية في الفكرة العامة والسياق والتفاصيل.

يفتح بنيني ملف الهولوكوست، ويشير بكثير من التركيز والذكاء إلى المحرقة وويلات اليهود في المُعتقلات النازية، مُعتمداً بشكل أساسي على دغدغة مشاعر المُتلقي، واللعب على وجيعة الاضطهاد كي يُضاعف من منسوب التعاطف الجماهيري مع القضية التاريخية المتداولة عالمياً والمُتاجر بها في عشرات الأفلام، ولكي يضمن سريان المفعول العاطفي، يسند البطولة إلى طفل صغير في عمر الزهور، فتسير الأحداث وفق مُعطيات المأساة للأب والأم والابن، فثلاثتهم سجناء في المعتقل النازي، الذي ينقلنا إلية بنيني بُمنتهى الخفة، لنُطالع مشاهد الخوف والقلق والتعذيب، ونتابع ما يتطاير من أخبار بين المسجونين عن الذين انصهروا في أفران الغاز والآخرين الذين ينتظرون دورهم! وبأشكال التأثير التقني كافة، من إضاءة وتصوير وديكور يقول بنيني كل ما يُمكن أن يُقال عن أهوال التعذيب والقهر، بلا أدنى استخدام لخطاب مباشر زاعق أو جملة حوارية صريحة تشي بالمعنى، اللهم غير الحوار الفكاهي الساخر المُتبادل بينه وبين ابنه الصغير على الخلفية ذاتها، فضلاً عن الاستخدام الموسيقي البارع في التواصل مع الأم المُعتقلة في عنابر النساء، في المعسكر نفسه عبر آلة الغناء الكلاسيكية الغرامافون، الموجودة في واحدة من الحجرات القريبة من العنابر، وهو بالقطع تواصل يؤكد قصدية الأسلوب الفانتازي التعبيري لأحداث الفيلم، من قبيل التعمية وإخفاء الهدف الرئيسي المُبين بوضوح، وهو إثبات حالة الاضطهاد وترسيخ مفاهيم القمع والقتل والحرق.
وبالفعل يُقتل البطل برصاصة يُسمع صداها بقوة دون أن يظهر القاتل أو القتيل في الصورة، بينما يبقى الطفل مُنتظراً أباه داخل الصندوق الخشبي الذي أخفاه فيه، ولم يخرج منه إلا بعد أن عم الهدوء في المُعسكر النازي عملاً بوصيته له، وهو المشهد التأثيري بامتياز الذي حاز الفيلم بموجبة عدة جوائز كبرى، واعتبروه في الغرب واحداً من دُرر السينما العالمية، حيث انطلت خدعة التناول الكوميدي على الجميع، فجرى التعامل مع الحدوتة السياسية الماكرة بوصفها قصة إنسانية في تغاض مُتعمد عن الرموز المُتضمنة، أو تأييد كامل لها باعتبارها حقائق تاريخية تُبرر الشعور المُزمن للمواطن اليهودي بالاضطهاد، وهي ذاتها الفكرة التي بنى عليها روبيرتو بنيني حكايته في فيلمه عظيم الإنتاج والدعاية والجوائز!
ولعل الجملة التي نطق بها الطفل الصغير بطل الأحداث في مشهد النهاية لحظة وصول الدبابة الأمريكية التي أنقذته من المصير المحتوم قبل الدفع به في أفران الغاز النازية كانت بالغة الدلالة، حيث قال بصوت مرتفع إنها حقيقة، وكان يقصد الدبابة التي طالما راوده حُلم الفوز بها في المُسابقة الوهمية، التي زعم أبوه أنه يشارك فيها أثناء محاولات التخفيف عنه داخل المُعتقل، تلك الجُملة لم تكن عفوية، ولم يكن مقصوداً بها الدبابة المُقاتلة، وإنما كانت إشارة إلى الهولوكوست.

كاتب مصري