الرئيسية / home slide / الحملة على مجمّع ABC مذهبية لا حقوقية

الحملة على مجمّع ABC مذهبية لا حقوقية

05-02-2022 | 00:35 المصدر: “النهار”

غسان حجار @ghassanhajjar

مجمع “أ ب ث”.

بعدما أبلغت ادارة مجمع “#أ ب ث” اصحاب احد المحال التجارية الموقتة في الاروقة، رغبتها في عدم وجود فتاة محجبة بين البائعات، انطلقت حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتهم المجمع التجاري ب#العنصرية والطائفية وغيرهما من الصفات والنعوت الطائفية ايضاً، والعنصرية تماماً. لا اريد ان اتوقف كثيرا عند بيان التوضيح الذي اصدرته ادارة المجمع بأنها “تحترم جميع الاديان، ولكنها تفضل عدم اظهار الرموز الدينية”، لانها في الاساس حرة في ادارتها الخاصة لمشروعها وفي تحديد اللباس المعتمد وانظمة العمل والدوام وغيرها دونما اعتراض إلا اذا خالفت الانظمة القانونية.

ولا يهدف هذا التعليق الى الدفاع عن ادارة المجمع التجاري، ولا الى التحامل على المحجبات، فالادارة حرّة بملكها، ولباس المحجبات مقدَّر في ما هو التزام ديني لا شأن للآخرين به ايضا، لانه يتعلق بخيار شخصي لا يجوز التعرض له، تماما كما هو خيار غير المحجبة، وغير المؤمن.
لكن الموضوع يتناول الحريات الشخصية في بلد متعدد، وعلى السائلين ان يبدلوا الادوار ليصلوا الى نتيجة حتمية مفادها ان الحملة، او التحامل ليس في موقعه الصحيح.
كنت افضل ان لا تقع الواقعة في بلد “مرهف الاحساس” المذهبي والطائفي الى هذه الدرجة، لكن وقوعها يُفسح في المجال امام التأمل والتفكير في انماط عيش باتت معقدة في هذا المجتمع المتعدد. واذا كان ايّ تصرّف مماثل يُعدّ متخلفاً في مجال حقوق الانسان عموماً، فان الواقع مختلف تماما في #لبنان، ونحن نتعامل مع الواقع، لا مع المثاليات في جمهورية افلاطونية.

وفي هذا المجال لا بد من اسئلة تؤكد في المقابل عدم احترام المعترضين والمتحاملين، لحرية الآخرين في المأكل والملبس والمشرب.

ومن هذه الاسئلة، هل تقبل محطة تلفزيونية ملتزمة دينياً، ان توظف مذيعة غير محجبة؟ ألا يعني الجواب (وهو كلّا طبعا) انها تحرم انسانة كفوءة فرصة العمل، وتدفعها، اذا كانت محتاجة الى الوظيفة، الى لباس لم يكن في صلب قناعتها؟

وهل يوظف مستشفى اسلامي ممرضات غير محجبات، ولو كنّ مسلمات، في اقسامه المختلفة؟ أين حقوق تلك الفتيات السافرات؟

ثم ماذا عن الحملات الاعلامية، وحملات المقاطعة، لمحال ومتاجر تبيع المشروبات الكحولية، للضغط على اصحابها للتحول الى “الحلال”؟ فهل فيها احترام للآخر المختلف؟ واعرف اصحاب محال، من المسيحيين، امتنعوا عن بيع الكحول، او رفعوها عن الرفوف ليبيعوها سراً، وذلك لعدم خسارة زبائنهم غير المسيحيين، او خوفاً من تفجير محالهم، وقد حصلت اعتداءات كثيرة في غير منطقة سابقا.

وهل يحترم “الآخرون” صيام المسيحيين كما يُطلب الى هؤلاء مراعاة الصائمين في رمضان؟
الاسئلة كثيرة، والوقائع المؤسفة اكثر، في مقابل محاولات للترقيع اكثر من ان تُحصى، وهي محاولات ليس إلا، لانها ليست عملية مدروسة ضمن خطة واضحة تسود فيها الدولة بمؤسساتها وقوانينها، الدولة المدنية التي تساوي فعلا ما بين مواطنيها، وتجعلهم سواسية في كل ما يمتّ الى حياتهم اليومية، وتنظم علاقتهم بالآخر، وتحدد المسارات والحقوق والواجبات، فلا يعود ثمة مجال للتأويل، ولا لإجراءات تتداخل فيها الرغبات الشخصية بالعادات والتقاليد، والعصبيات. عندها لا يمكن مؤسسة ان ترفض او ان تقبل على هواها ووفق مزاجية اصحابها. والى ان يحين موعد الدولة المدنية تلك، ستبقى الامور على حالها وستتكرر تلك الحادثة بأشكال مختلفة.