الرئيسية / أخبار المصارف / الحملة على المصارف

الحملة على المصارف

يجري تصوير التعميم الذي أفرج عن الودائع “الصغيرة جدّا” في المصارف على أنه انتصارٌ للجهات التي فتحت معركة مع القطاع. وفقا للرواية الرائجة، إن هذا التعميم يحرّر ودائع 1.6 مليون لبناني تحتجزها المصارف منذ نهاية الصيف الماضي.

ينطوي هذا التقدير على أخطاء فادحة وأرقام ضبابية. إن المودعين الذين لا يملكون أكثر من 5 ملايين ليرة أو 3 آلاف دولار في نفس الفرع المصرفي، في حساب واحد أو أكثر، هم أقلّ كثيرا من 1.6 مليون مودع، وتدبير مصرف لبنان بهذا المعنى أقلّ أهمّية من الدعاية التي أحيط بها.

ثم إن القول بأن المصارف تحتجز الودائع بالدولار تعسّفا ولا تفرج عنها هو قولٌ مخالف للحقيقة، ولا يمتّ إليها لا من قريب أو بعيد. فالمراجع السياسية الأساسية في البلاد، التي يمكنها أن تخرب البلد بلمح البصر، ينبغي أن تملك المعلومات الكافية لكي تعرف أن دولارات المودعين ليست عند المصارف.

إن القيادي القادر على هدم النظام المصرفي، وحتى السياسي، بإشارة بسيطة من يده يجب أن تكون معلوماته كاملة، وألا يبني مواقفه وأحكامه على الغلط.

أموال المودعين، خصوصا بالعملات الأجنبية، اقترضهم القطاع العام من القطاع المصرفي وهو عاجز عن تسديد هذا الدين. لقد أقرضت المصارف القطاع الخاص ما يعادل 23 بالمئة من موجوداتها، ووظّفت في القطاع العام 70 بالمئة، تقريبا، من الموجودات.

هذا خلل غير صحّي بالنسبة إلى الوظيفة الاقتصادية للمصارف، لكن القطاع الخاص الذي اقترض من المصارف ما يعادل كامل الناتج المحلي القائم، على وجه التقريب، لم يعد قادرا على استيعاب المزيد من التمويل. فهو محكوم بالتراجع المتمادي في النموّ الاقتصادي وتضاؤل الفرص أمام المشاريع الخاصّة، نتيجة الأزمات.

لا رغبة لأحد من غير البورجوازيين أن يتضامن مع البورجوازية، لكن الحملة على المصارف تجاوزت النقد المشروع وبلغت حدّ تهديد الاقتصاد اللبناني بكامله. لا بأس أن يكون هناك اقتصاد لبناني جديد تتنحّى فيه المصارف عن موقعها المميّز والمهيمن، شرط أن تكون الدولة قد أكملت بناء اقتصاد جديد وحديث، أعمدته الأساسية القطاعات الإنتاجية، التقليدية والجديدة. لكن ما يجري الآن هو هدم البناء القائم دون أن يكون هناك بناء بديل.

إن لبنان الوساطة والتجارة لم يؤمّن العدالة لكل اللبنانيين، ولا أشركهم جميعا في نِعم الاقتصاد ومنافعه. لكنه كان لحقبات طويلة اقتصادا ناجحا ومزدهرا قبل أن تبدأ النزاعات السياسية بتخريب كل شيء في البلد.

المخيف أننا لا نعرف إلى أيّ لبنان سنذهب إذا دمّر القطاع المصرفي أو ألحق به ضررٌ كبير، فلم يثبت لنا الناقمون على المصارف أنهم بناة اقتصادات ناجحة ومتطوّرة، ولم يقدّموا خطّة لبناء بلد أفضل. معظم اللبنانيين، في قرارة أنفسهم، يشعرون أن البديل عن الواقع الراهن، بسلبياته، هي مزيد من الفقر ومزيد من التخلّف والفوضى.

ساهمت المصارف في أخطاء المرحلة التي قادتنا إلى ما نحن عليه اليوم، لأنها لم تملك الشجاعة الأدبية لردع الدولة عن المبالغة بالاستدانة، بل سهّلت لها طريق الغرق والانتحار.

ولو وزّعنا المسؤوليات عن الأزمة لكان للمصارف حصّة فيها، ولكنها ليست الحصّة الأكبر، المحفوظة للنظام السياسي بكل تأكيد.

هناك جانب آخر للموضوع. لقد جسّد القطاع المصرفي وجه لبنان الليبرالي وكان أهمّ قناة لعلاقة لبنان بالغرب وبنظامه الرأسمالي، فإذا أضعف هذا القطاع تضعف ميّزة أساسية من مميّزات الكيان اللبناني.

فهل يقبل رئيس الجمهورية بتمادي “حلفائه” في الحملة على المصارف حتى تصل إلى هذا الحدّ؟

دور رئيس الجمهورية هو الحفاظ على الثوابت اللبنانية وبينها الاقتصاد الحرّ وانفتاح البلاد على العالم. فإذا لم يقم بهذا الدور، أي معنى للإصرار على أن يكون رئيس لبنان مسيحيا وقويّاً؟

اضف رد