الرئيسية / أضواء على / الحل يبدأ بالتربية… نمّوا النفوس المُستقلة

الحل يبدأ بالتربية… نمّوا النفوس المُستقلة

ندى أيوب
النهار
23112018

 

من أرشيف “النهار”.

يقول السيد موسى الصدر، في حديث له نشر في “النهار” عام 1977 “إنّ تعدد الطوائف، إذ كان يشكل عازلاً أو ضعفاً أو خطراً، فإنّه أيضاً إذا أدى في النهاية إلى تبادل المعارف والتجارب والحضارات، ومن ذلك ينتهي إلى قوة الوطن… فالخطر ليس إذاً في تعدد الطوائف بل في تحوّل هذا التعدد إلى السلبية”. وأي خطرٍ أشد من نظام تربوي يربط علم الاجتماع التربوي حاله بحال السياسة والاجتماع والاقتصاد في البلد، ويعتبر فلافسة #التربيةمؤسساته وسائط إيديولوجية بيد النظام السياسي لتعبر عن أفكاره وتعيد إنتاج شروط استمراره. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تطغى على المجتمع اللبناني سمات تخدم نظامه السياسي الطائفي الطبقي، كالذهنية الطائفية، العصبية، الزبائنية، غياب المواطنية… وتنعكس حكماً على سلوك المجموعات في انتمائها الفئوي الضيق على حساب الانتماء إلى الوطن ليصبح الارتهان للخارج، الذي يشبهها إيديولوجيا وثقافياً ويخدم مصالحها، سهلاً كما هي الحال اليوم.

يضعنا هذا الواقع أمام “احتلال داخلي” تكرّسه وتغذيه نفوس ليست حرّة، وهو أشد صعوبة وتعقيداً من احتلال عسكري خارجي لعدوٍّ واضح، ليصبح#الاستقلال الذي نحتفل اليوم بذكراه الخامسة والسبعين ضبابياً مضعضعاً. ولمّا كان الحل يبدأ بالتربية على اعتبار الإدارة المدرسية تتولى إدارة مصنع تربوي فكري يُعنى بإعداد أجيال المستقبل، لا بد أن نبحث عن امكانية التربية بذهنية مغايرة لتلك #الطائفية، تُعلي من شأن المواطنية وتُعِدُّ مواطنين ملتزمين بالكيان اللبناني.

المواطنية في صلب الدين؟

يرى دكتور الفلسفة ونائب عميد كلية الإلهيات والأديان في جامعة “المعارف” كمال لزّيق، أن “نقطة الصفر هي السلطة التي تقرّ نظاماً تربوياً مع الوقت، يعيد فرز الطبقة السياسية، وهي سلطة تكوّنت على أساس تركيبة البلد من لبنان الكبير إلى 1943 وما زلنا نعيش ضمن إطارها على المستوى السياسي وبالتالي التربوي، نظام في ظاهره علماني لكنه، مضموناً، طائفي. وعلى الرغم من توحيد كتاب التربية الوطنية في كل لبنان، والذي يفترض أن يربى على المواطنة، ننتج مواطنين مختلفين، مما يعني أن الطائفية هي السبب”، مع حرصه على “التمييز بين #الدينوالطائفية بمعناها السلبي، أي التعصب والتخويف من الآخر والانعزالية. أما الدين الأصيل، الذي يكون العقل فيه أصلاً، يفرض علينا بدء الحوار مع الآخر على قاعدة احتمال الصواب والخطأ لكل منا، والتنبّه لمساحات اللقاء الكثيرة مع الأديان الأخرى، فتصبح المواطنة التي نبحث عنها جزءاً من الدين في هذه الحالة”.

التخويف من الآخر برأيه “مصطنع تخلقه الدول ونساعده نحن بعدم وطنيتنا، يتجلى في المؤسسات والتربوية واحدة منها، نتيجة سياسات الدولة الضعيفة الفاقدة للمركزية التي جعلت القطاع التربوي الخاص أقوى من الرسمي، وتالياً عززت قوة التكتلات الطائفية وعرقلت منظومة التربية على المواطنة التي يقوم عليها القطاع الرسمي”. لا يطرح لزّيق محاربة القطاع الخاص إنما تقوية القطاع الرسمي بمدارسه وجامعاته، وضمان حق كل طالب ناجح في البكالوريا بمقعد في الجامعة الرسمية لـ”رفع نسبة الالتحاق بالجامعة اللبنانية التي تتراجع عاماً بعد الآخر، نظراً لضعف قدرتها الاستيعابية، فأين الانصهار الوطني؟” يسأل لزّيق، حاسماً أن الأمر يحتاج إلى قناعة سياسية لدى أصحاب الشأن.

يطرح البعض الاتفاق على كتابَي تاريخ ودين موحَّدَين وملزمَين للقطاعين الخاص والرسمي، كحال كتاب التربية المدنية. يشجّع لزيق الطرح على اعتبار أن “الدين الذي لا يجد في أصله مشكلة مع أي انسان من دين آخر قد يكون الحل للصيغة اللبنانية. فلنبحث عن المشتركات الكثيرة بين الأديان ونقر كتاب دين موحّداً يعرّف الطلاب إلى عقائد وأفكار أديان بعضنا

البعض بلغة دينية تناسب الجميع ولا يرفضها العلماني، حدودها سقف أخلاقي يحكم التعامل مع الآخر، مع تعزيز القطاع التربوي الرسمي. وعندها لا تعود هناك مشكلة باحتفاظ الطوائف بمؤسساتها”.

في بلدٍ متعدد الطوائف وغير الطوائف، لا يرى لزّيق خياراً سوى رسم سياسات تربوية حدودها الصالح العام والمواطنة، كونها الحس الإنساني البديهي ونظام احترام البشر، لافتاً إلى أن “المسار هذا يرسمه منهاج تربوي يبدأ من الروضة وينتهي في الجامعة، يتماهى معه الكادر التعليمي ويؤدي فيه دوراً أساسياً، إلاّ أن نقطة البداية تبدأ بقرارٍ من السلطة السياسية، التي وللأسف تسخّر الدين ورجاله لمصالحها، وفي غالبيتها غير ناضجة أو مرتهنة تحكمها المصالح، والدليل أننا لم نصل بعد إلى مرحلة نبني فيها وطناً ووزارات وسلطة تابعة للبنان فقط. والنتيجة كانت أن تهشَّم استقلالنا وأنتجنا نظاماً تربوياً يخرّج أفراداً على صورة النظام السياسي مع بعض الثغر النابعة من جهود فردية أو جماعية غير ناضجة بعد”.

ثقافة اللاعنف

انطلاقاً من قاعدة تقول إن الاستقلال عملية بناء مستمرة وليس لحظة بذاتها، تدعو الدكتورة والباحثة التربوية أوغاريت يونان اللبنانيين إلى إعادة التفكير وفهم معنى كلمة استقلال، لإعادة بنائه. “لبنان كدولة غير مكتملة، وإن لم تعد خاضعة لاحتلال خارجي الا أنها تعيش احتلالاً لا مثيل له، من طوائف تؤلف شبكة متكاملة متنافسة متضاربة، متغلغلة في النفوس، القوانين، المؤسسات والنظام التربوي وتنظر كل منها إلى الأخرى على أنها خصم لا يشبهها. من هنا نحن أمام نظام بداخله أجزاء تمنع قيام دولة ووحدة واستقلالية”. هكذا تصف يونان واقع الكيان اللبناني الذي يتربى أفراده على حد قولها على “الطائفية وتالياً الخضوع لطرف داخلي كزعماء الطوائف أو خارجي يحميه تحكمه معه علاقة خوف وزبائنية وتزلف، في حين أن الاستقلال ينبع من الداخل من شخصية نشأت على عناصر المقاومة لتثبيت الوجود الذاتي، وبالنتيجة الاستقلال تربية تمهد له ولنظام سياسي جيد أو للتعصب البعيد من الديموقراطية”.

مَنَحَ النظام التربوي الطوائف في المادة 10 حرية التعليم الخاص ومنع المس به، وفي المادة 19 منه اعطى الطوائف حقوق دستورية، النضال لتصحيح هذا المسار التاريخي، برأي يونان يتطلب “إما ثورة دستورية أو تربية وتنشئة عامة لتحرير النفوس من التبعية والتعصب والخوف من الاخر ومنافسته> وبما أن المسار الأول هو عمل سياسي وهو الأصعب بدأنا بالتغيير في المكان المُتاح وطالبنا بتجنّب التربية الطائفية”. صحيح أن المناهج الدراسية تضعها وزارة التربية رغم المخالفات في التطبيق، وصحيح ايضاً ان كتابي التربية المدنية والتاريخ موحدان، الا أن “مظلة عليا موزعة على زعماء الطوائف هي التي تقرر ما إذا كان الذي تطرحه لجنة الخبراء المنوط بها التأليف سيُنشَر أم لا”.

في كتاب التربية رفضوا الحديث عن الطائفية وكتاب التاريخ يبدو الاتفاق عليه استحالة أما التعليم الديني فأصبح إلزامياً في المدارس الرسمية في العام 2000 على أن يكون ثمة كتاب موحد للمسيحيين والامر نفسه للمسلمين وليس كتاباً واحداً للبنانيين كما تتمنى يونان قائلة: “نريد كتاباً يعرّف الطالب إلى الاديان كافة كما يتعرّف إلى التاريخ والحضارات وليس كتاباً يعلّمه الدين بالطريقة التبشيرية، لأن الدرس الأول الذي يتعلمه تلاميذتنا عبر مدارسنا ونظامنا التعليمي هو الفصل بسبب الدين وليس الوحدة وهذه النقطة الاخطر”، مضيفة “اذا كانت أهداف التعليم الديني – التربية على الأخلاق وحب الآخر والتسامح والعدل…إلأخ – تتحقق بدون إدخال النص الديني فلنعمل على تحقيقها وإن كان ذلك يوجب تعريف الطلاب إلى أديان بعضهم البعض فليكن، وما الداعي لادخال النص الديني الذي لا يمكن المس به؟، أما اذا كان الهدف تحفيظ النص وترسيخه في عقولهم فلم يعد اسمها تربية ولا مدارس، لأن التربية ليست جموداً ومقدسات وايديولوجيا”.

التحسين من داخل النظام التربوي سعت يونان اليه عبر توقيع اتفاقية مع وزارة التربية في 15 أيار الماضي لإدخال ثقافة اللاعنف إلى المناهج من صفوف الروضة حتى الثانوي، وتعرفها يونان بالقول: “هي ثقافة مواطنية تعلي الحس بالعدالة وضد #العنف بكل تجلياته، ضد جميع انواع التمييز والانتهاكات، ضد الظلم، الحقد، التعصب الخ… والطائفية هي أحد أشكال العنف”. بحسب الاتفاقية، ستدخل ثقافة العنف في كافة المواد عبر أنشطة وتمارين سلوكية نفسية تعيد تأهيل الذات لدى الطالب. تتحدث يونان ايضاً عن التغيير الدائم والاضخم “هو التغيير التربوي في المدارس الذي يأخذه الكادر التعليمي على عاتقه، لكونه تغييراً حراً لا ينتظر قانون، لكونه تسييراً ذاتياً، يمكن ان تمارسه معلمة في صفّها”.

نمّوا النفوس لتكون مستقلة، لتستعمل ذكاء عقلها وقلبها للتمييز، لان التربية على التقوقع في ظل نظام من هذا النوع لن تنتج إلا أفراداً مضعضعين لا يجدون أنفسهم خارج الجزء – الطائفة – في بلدٍ نشأ على فكرة الاجزاء – الطوائف – وليس الوحدة، ولن يؤسس نظامه للعمل الجماعي والمواطنية إلا بعد تحرره من الاجزاء التي تهيمن وتحتله داخلياً ومن الارتهانات الخارجية من خلال نضال سياسي اجتماعي مدني استراتيجي مُخطط وليس فوضوياً.

اضف رد