الحل النهائي بعد انتهاء حرب سوريا هو الفيديراليّة!

هل بدأت سوريا الأسد، بدعم مباشر عسكري متنوّع وسياسي، استعادة بعض أرياف حماه وحلب الواقعة تحت سيطرة منظّمات إسلاميّة غالبيّتها مُتشدّدة، تُشكل “جبهة النصرة” وإن باسم آخر أقواها وأكبرها عدداً؟ وهل نجاحها في استعادة خان شيخون يعني أنّها بدأت حملة استعادة إدلب عسكريّاً؟

المُتابعون من قرب لحركة النظام السوري سياسيّاً وعسكريّاً يدعون الأخصام والأعداء والحلفاء إلى عدم التقليل من أهميّة استعادة خان شيخون ومغزاها. فهي تدلّ على قراره الحاسم برفض خضوع الشمال السوري أو بعضه إلى سيطرة تركيا أردوغان أو غيره سواء عبر منطقة آمنة تتّفق على حدودها ودورها فيها مع أميركا أو حتّى مع روسيا، وعلى اعتزامه استعادة الجغرافيا السوريّة التي لا تزال محتلّة سواء من الإرهابيّين أو من الأكراد بشقّيهم التركي والسوري أو من أميركا. لكنّها لا تعني أبداً أنّ هذا القرار الواسع قد بدأ تنفيذه. فالذي بدأ عمليّاً كان معركة قضم تدريجي ناجحة لكلّ الأراضي والمناطق المُحتلّة المُشار إليها. والتطوّر الحاصل حاليّاً هو جعل هذه المعركة أكثر شراسة وتوسيع نطاق القضم فيها، باعتبار أنّ بدء الاستعادة النهائيّة يحتاج إلى الكثير من التشاور والإعداد مع الحلفاء وفي مقدّمهم إيران و”حزب الله” وروسيا وبين هؤلاء والأعداء مثل تركيا والولايات المتّحدة وطبعاً اسرائيل. ويعني ذلك في اختصار أن “الرحرحة” التي يعيشها الرئيس بشّار الأسد والضيّق الذي يُعانيه أعداؤه السوريّون والتنظيمات الإرهابيّة الإسلاميّة الدوليّة وأخصامه الغربيّون لا يزالان حالاً موقّتة. لكن موعد نهاية كلٍّ منهما ليس مُحدّداً بعد. ويُشير ذلك إلى أنّ موعد الحل النهائي للأزمة بل للقضيّة السوريّة لا يزال غير مُحدّد، وإلى أن تحديده قد يستغرق وقتاً طويلاً جدّاً، كما إلى أنّ نوع الحل وصيغته لا يزالان في عالم الغيب أو في عالم التشاور غير الرسمي بين كبار العالم والمنطقة رغم العداوات التي تُفرِّقهم والخلافات والمصالح. فضلاً عن أنّ ذلك يُشير أيضاً إلى أنّ موعد إعادة إعمار سوريا لا يزال في عالم الغيب رغم حماس رجال المال والأعمال وكُبريات الشركات في لبنان والمنطقة والعالم وبدئها إجراء الدراسات استعداداً للبدء بجني الأموال. علماً أنّ هؤلاء يعرفون أنّ كلفة إعادة البناء هي مئات مليارات الدولارات، وأنّها لن تتوافر إلّا بعد حلّ نهائي يوافق عليه المجتمع الدولي. وهذا الأمر لا يزال بعيداً، علماً أنّ إعادة بناء جزئيّة في مناطق سيطرة الأسد ستبقى بدائيّة لأن تمويلها لن يعتمد إلّا على حلفاء الأسد، وهؤلاء لا يمتلكون الأموال اللاّزمة لذلك ولا سيّما في هذه المرحلة. فروسيا ورغم كونها دولة كبرى تكاد تنوء بالكلفة الماليّة لانخراطها في الحرب السوريّة إلى جانب نظامه منذ نيّف وأربع سنوات. وإيران الإسلاميّة عاجزة عن الاشتراك في عمل كهذا ولا سيّما بعد الحصار الشديد والعقوبات الشديدة التي فرضتها عليها أميركا منذ انسحابها من “الاتفاق النووي”، كما بعد تمسّك رئيسها ترامب بإخضاعها من خلال جلبها إلى طاولة المفاوضات حول النووي والصواريخ الباليستيّة على طريقة “جلب المرأة إلى بيت الطاعة” في الدين الإسلامي. انطلاقاً من ذلك كلّه تُرجّح معلومات غربيّة وشرقيّة عدّة متوافرة عند جهات ديبلوماسيّة متنوّعة أن تكون الفيديراليّة في النهاية صيغة النظام السوري بعد انتهاء الحرب. ولهذا الترجيح مُبرّران. الأوّل أن العالم الغربي بشقّيه الأوروبي والأميركي والعالم الشرقي بشقّه الروسي لا يُمانع في الفيديراليّة نظاماً لسوريّا. فأنظمة دول الشقَّيْن معظمها فيديراليّة ولامركزيّة موسَّعة. ولا تتوقّع الجهات المُشار إليها رفضاً من الشرق الصيني لذلك رغم نظامه المركزي الشديد، علماً أنّ ذلك لا يمنع أن يكون تقسيمه الإداري لامركزيّاً أو لا حصريّاً ولكن ضيّقاً. أما المُبرِّر الثاني فهو عدم قُدرة روسيا على خوض حرب “أبديّة” في سوريا، وعلى خوض حرب استعادة الجغرافيا السورية “المحتلّة” من دول وإرهابيّين وإعطائها للنظام الحالي ورئيسه الأسد. فـ”داعش” ضُرِبت “دولة الخلافة” التي أسّستها في سوريا والعراق، لكن عشرات الآلاف من مقاتليه لا يزالون في البلدين. كما أن وجوده “السرّي” في دول العالم ليس قليلاً على الإطلاق. ومكافحته تقتضي تعاوناً دوليّاً صادقاً وإن مبنيّاً على مصالح وعلى تقاسم النفوذ بين القوى الكبرى دوليّاً وإقليميّاً. هذا فضلاً عن أن أوضاعها الاقتصاديّة رغم غناها بالثروات الطبيعيّة لا تسمح لها بالتورّط في مغامرة من هذا النوع، ولا سيّما في ظلّ وجود حليف منافس لها على سوريا وفيها.

ماذا تعني الفيديراليّة السوريّة؟ تعني تولّي الأسد مع أبناء “شعبه” الحكم في منطقتهم وتولّي الأكراد حكم مناطقهم السوريّة، كما تولّي السُنّة وهم الأكثريّة حكم الباقي. طبعاً لا يتحدّث أحد الآن عن مصير دمشق العاصمة الفيديراليّة وفي عهدة من تكون، وعن مؤسّسات الدولة الفيديراليّة السياسيّة والإداريّة والعسكريّة وصلاحيّاتها، إذ لا يزال الوقت مُبكّراً لذلك. لكن ما يمكن الإشارة إليه هنا هو أن “الكانتون” الذي سيكون للأسد وشعبه لن ينعزل ولن يكون فقيراً. ففيه مرفأين وأكثر من مطار وعنده جيش مُدرَّب ومُسلّح جيّداً، فضلاً عن أنّ له حدوداً مع لبنان يستطيع بواسطتها أن يبقى على اتصال مع حليفه “حزب الله” إنطلاقاً من بعض القسم الشمالي منه (عكّار).

كيف ستنعكس الفيديراليّة السوريّة على لبنان ما بعد إنتهاء حرب سوريا وولادة نظام إقليمي جديد في هذه المنطقة؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*