“الحزب” يخسر من مؤيّديه… وحلفاء يطالبون بـ”الحياد”

خلال تأبين سليماني في الضاحية (نبيل اسماعيل).

من المفاجئ، وسط زحمة الواقع المأزوم الذي يعيشه “حزب الله” وفي ظلّ الصدمة التي أحدثها مقتل قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني في صفوفه، أن يعمد أحد المحلّلين الاستراتيجيين المحسوبين على “بيئة الحزب” إلى توجيه سهام الانتقاد إليه وإلى أمينه العام السيد حسن نصرالله. إذ قال المتحدّث في دردشة خاصة: “موقف حزب الله من الانتفاضة والثورة في لبنان لم يكن مرضياً إطلاقاً حتى للبيئة المساندة له، رغم التقدير للشهداء الذين دافعوا عن لبنان. هذه المواقف أحدثت لي مشكلة شخصية مع الحزب. لم يرضوا، لكننا نرضي ضميرنا. قوة الحزب ليست في الصواريخ فحسب بل في البيئة الحاضنة التي كانت تحلّقت حوله منذ 2006. هذه البيئة الحاضنة لم يجدها الحزب الى جانبه، لأن الموقف من الانتفاضة لم يكن مرضياً، إثر ما حصل في النبطية وعلى جسر الرينغ وفي أكثر من مكان. بيئة حزب الله التي أنا منها وأنا ابن الجنوب، بدأت تتململ وبدأ يخسر فيها. لذلك وضْعه غير مريح من البيئة ومن الذين يقفون ضدّه منذ الأساس في لبنان ومن الحصار الأميركي القوي والعقوبات”.

هذا الموقف الذي لا بدّ من التوقّف عنده، خصوصاً انه قيل بُعيد مقتل سليماني، من شأنه أن يطرح علامات استفهام فعلية حول مدى الضغوط التي يواجهها “الحزب” من بعض مؤيّديه قبل معارضيه، إذ لا يخفى أن شريحة من بيئته، لم تكن راضية إطلاقاً عن طريقة تعامله مع المنتفضين، ويعبّر عن ذلك صراحةً مؤيّدون ومتعاطفون مع “الحزب”، ومنهم من ينقل كواليس الاختلافات في الآراء داخل البيئة الواحدة.

ولا شكّ في أن واقعة اغتيال سليماني أعادت شدّ العصب في صفوف بيئة “الحزب”، لكن ثمّة من ضمن هذه البيئة أيضاً مَن يتخوّف من السير نحو المجهول ونحو مزيد من التردي في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد، وهي تساؤلات محبطة ويائسة، مرسومة على جبين عنصر الشباب العامل خصوصاً.

وبالانتقال من البيئة الحاضنة الى الحلفاء السياسيين، أيّ انطباعات يمكن رسمها من الخطاب العالي السقف الذي أطلقه نصرالله عقب اغتيال سليماني؟ وأي مواقف يمكن تسطيرها في أجواء الحلفاء البارزين من الكيفية المثلى لضرورة تعامل لبنان مع الصراع الناشب؟

مصدر نيابي بارز في “التيار الوطني الحرّ” يقول” لـ”النهار” إن “البلاد تمرّ بمرحلة صعبة جدا على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والمالية. نريد أن يكون لبنان محيّدا عن الصراعات لأن ليس في استطاعته تحمّل أكثر مما تحمّله، وليس في استطاعتنا تحمّل الضغوط التي تعيشها البلاد في ظل الوضع الصعب. ويُعتبر التيار الوطني الحر فريقاً سياسياً منفتحاً وغير منغلق، لأن الانغلاق ليس من مصلحة لبنان، والتيار يريد مصلحة الوطن. لذلك نريد أن تتحلحل الأوضاع لا أن تتعقد، مع التأكيد أن المسيحيين هم مع الحياد. أما خطة الحكومة المطلوبة من الدول الغربية خصوصا وبعض دول المنطقة، فلا بدّ من أن تظهر في البيان الوزاري. وينتظر التيار تأليف الحكومة حتى تُرسم خطة العمل واستراتيجية الحكومة في المرحلة المقبلة خصوصا في ما خص النأي بالنفس”.

الى ذلك، وفي معلومات لـ”النهار” يُنتظر عقد اجتماع لأعضاء “التكتل الوطني” لمناقشة التطوّرات وتسطير المواقف المناسبة.

المشهد المترابط من المدن الايرانية مروراً بالعراق ووصولاً الى لبنان عقب مقتل سليماني، لم يلقَ قبولاً واستحساناً أو استساغةً في صفوف فئات واسعة من اللبنانيين. وكان لافتاً ما ذكره أحد المناصرين المعروفين والبارزين لـ”التيار الحرّ” عبر مواقع التواصل، اذ وصف الصراع على أرض العراق بـأنه “الاحتلالين”، مطالباً بالحياد. وذكّر في موقف آخر بأن المسيحيين “وجِدوا على هذه الأرض منذ 6 آلاف سنة”.

قراءة مشهد الانطباعات العامة ودلالاتها التاريخية والمطالبة بالحياد، يدخل في تفاصيلها المؤرّخ الدكتور عماد مراد، فيقول لـ”النهار” إن “علاقة المسيحيين بالغرب وطيدة جدّاً من الناحيتين التاريخية والاستراتيجية، لكن العلاقة ما بين المسيحيين اللبنانيين والغرب، وبخاصة أوروبا، هي علاقة ثقافية – بنيوية، بمعنى أن مسيحيي لبنان يعتمدون على الغرب لبقائهم في هذه الأرض منذ أيام المماليك والسلطنة العثمانية، اذ كان الموارنة يعتمدون على ملوك قبرص لمواجهة المماليك واستمر هذا الدعم من الغرب (ثقافي، مالي، عسكري) من الفرنسيين بشكل مباشر، وأصبحت بيروت مركزاً للتجار الفرنسيين الداعمين للوجود المسيحي في الشرق. في الحرب الأهلية بين اللبنانيين منذ 1975 حتى 1990، كان مسيحيو لبنان الذين دافعوا عن كيان الدولة لبقائه ضدّ الفصائل الفلسطينية يستمدّون قوّتهم من الغرب. وهنا تطوّرت العلاقة الى أبعد من أوروبا ووصلت الى الولايات المتحدة الأميركية. اليوم هناك نقاط مشتركة ومختلفة عن السابق. حزب الله وعلاقته العقائدية والاستراتيجية بايران ينظر اليها المسيحيون نظرتين: نظرة مؤيدة للدفاع عن النفس، ونظرة معارضة كلياً باعتبار أن لبنان لا يخضع لدولة شرقية ولا يمكن أن يكون جزءاً ذائباً في العالم الشرقي الاسلامي، بل إن سيادة لبنان واستقلاله مقدّسان عند المسيحيين أصحاب الكيان المسيحي الذي انضمّ اليه في ما بعد المسلمون، اذ كانت ركيزة الكيان بداية مارونية – درزية، ثمّ انضمّ الأرثوذكس والكاثوليك فالشيعة والسنّة”… فهل يكون التشبّث بالكيان والحياد والمحافظة على الانفتاح خلاص اللبنانيين أجمعين؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*