“الحزب” و”القوّات” و”الاشتراكي” أخطأوا أم أصابوا؟

“الموقف هذا النهار” اليوم سيتناول مجموعة أحداث ومواقف بعضها قديم يلقي ضوءاً على الحاضر وما سبقه وربّما على ما سيعقبه، وسيُعلّق على معظمها وسيذكر في هذا المجال زعماء وأحزاب وتيّارات وجهات، ولكن بكل تهذيب لأنّ “أصول المهنة” تفرض على كاتبه وأخلاقه ذلك.

نبدأ باستقالة وزراء “حزب القوّات اللبنانيّة” من الحكومة قبل وقت قصير من بدء الاحتجاج الوطني اللاطائفي الأضخم في التاريخ الحديث للبنان. وهنا لا نناقش رئيسه سمير جعجع في الأسباب التي دفعته إلى قرار الاستقالة. فالكثير منها صحيح لكنّنا نناقش توقيته. فهو أمضى شهوراً يُعارض من داخل الحكومة رئيسها الجزئي فعليّاً أيّ الرئيس ميشال عون، ورئيسها الفعلي “حزب الله”، وحليفه صاحب التمثيل المسيحي الأكبر داخلها الوزير جبران باسيل، وأخيراً رئيسها الرسمي سعد الحريري. ولم تلقَ اعتراضاته اهتماماً من أخصامه في السياسة ومن “حلفائه بالأسم”. اقترح عليه مُعارضون في حينه الاستقالة منها لكنّه أصرّ على البقاء فيها. وأعلن ذلك أكثر من مرّة معتبراً أن هدف أخصامه إخراجه منها وإضعافه في ساحته الشعبيّة. لكنّه وفي “ساعة سمّاعة” كما يُقال فاجأ مُحازبيه ومُحبّيه وأعدائه وحلفائه “الاسميّين” باستقالة وزراء حزبه مثيراً بذلك “زعل” رفاقه وشارعه، وفرح أعدائه وإن كانوا في وضع لا يمكنهم من الابتهاج لأنّ النقمة الشعبيّة واللاطائفيّة عليهم وعلى قيادتهم كانت في الأوج. وهذه القيادة اعتادت الصمت المتعمّد أمام الموجة العاتية وإن لأيّام عدّة تحاشياً لمواجهة قد لا تكون ضروريّة. والأسئلة التي تُطرح هنا كثيرة منها: هل كان جعجع يشمّ رائحة تحرّك شعبي قوّي ضدّ الحكومة ولاحقاً ضد النظام؟ وهل غيابه “الطويل” نسبيّاً في كندا حال دون متابعته التطوّرات كما يجب أو كما كان يفعل؟ وهل يُلام مساعدوه وأركان حزبه ووزرائه إمّا لعدم ملاحظتهم “اكفهرار” الأجواء وملامح العاصفة الشعبيّة الآتية والعواصف الأعتى التي قد تعقبها؟ وهل نصحوه ولكنّه لم يقتنع مثل كل الزعامات اللبنانيّة الحزبيّة وغير الحزبيّة الممتلكة الحقيقة كلّها؟ وألم يكن أفضل له التنسيق أكثر مع “حليفه” الحزب التقدّمي الاشتراكي واتخاذ موقف موحّد بالاستقالة أو بغيرها عند بدء الاحتجاج الوطني الشعبي الأوسع في تاريخ لبنان؟

ونُتابع مع الزعيم الدرزي الأبرز رئيس التقدّمي الاشتراكي وليد بك جنبلاط فنقول بداية أنه أحسن في البقاء في الحكومة حتّى يوم الاحتجاج المذكور، بوصفه زعيماً وحزباً أسّسه الشهيد كمال جنبلاط وذلك للدفاع عن الناس ولتبنّي مطالبهم المُحقّة (مع تناسي العشوائيّة والمتناقضة منها) في مجلس الوزراء بعد مهلة الـ 72 ساعة التي أعطاها لنفسه رئيس الحكومة سعد الحريري للبقاء أو للاستقالة، أو ربّما للتوصّل إلى تفاهم مع القوى الفاعلة المتمسّكة به في السرايا يُبقيه في موقعه أيّاً تكن الضغوط. وأحسن بوضع ورقة من 14 بنداً وبطرحها في الجلسة قبل يومين. لكنّه لم يُحسن بقبوله قرارات مجلس الوزراء، التي فيها من الوعود أكثر ممّا فيها من القرارات التنفيذيّة، والتي تعكس حرصاً على إخراج الناس من الشارع بعد توحّدها المبدئي جدّاً وإعادتها إلى الفئويّة من أجل الاستمرار في التحكّم بها. كما لم يُحسن ممثّله الصاعد بقوّة الوزير وائل أبو فاعور عند تبريره بعد الجلسة القرارات، وإن مع كلام قليل هجومي على من يهجم عليهم الناس منذ “ستّة” أيّام، بدا أن هدفه تبرير البقاء في الحكومة. ربّما كان الزعيم الأبرز الذي لا يخاف من شيء شعر بنوع من المسؤوليّة يدفعه إلى البقاء في الحكومة. وهنا يعتقد البعض أن ابن جنبلاط ورئيس اللقاء الديموقراطي تيمور كان يمكن أن يُقرِّر مع نوّابه سحب وزيريهما من الحكومة. والسحب قد يكون اعتكافاً وقد لا يكون ضروريّاً تقديم استقالة مكتوبة وبذلك يُرضي حزبه الناس ويبقى حاجة للحكومة والقوى الفاعلة فيها.

هل من تعليق في “الموقف هذا النهار” اليوم عن “حزب الله” الجهة الأقوى في البلاد، ولا سيّما في ظلّ الاستمرار المؤكّد لــ”الثنائيّة الشيعيّة” التي تُشكِّل “حركة أمل” ضلعها الثاني؟

يعرف “سيّده” وعاملون مُهمّون فيه احترام كاتبه له أوّلاً لتحريره لبنان من الاحتلال الاسرائيلي ولسعيه الدائم إلى إبقاء الوضع الداخلي هادئاً من دون أن يضعف ذلك أولويّة قراره وقوّة قبضته محليّاً وفي المنطقة. لكنّهم يعرفون الاختلاف معه في قضايا أخرى عدّة والصدق في أطروحاته. وانطلاقاً من ذلك نتناول هنا تبريراً قدّمه أمينه العام السيّد حسن نصرالله إلى المليون ونصف مُحتج ومُتظاهر ومن كل المذاهب والطوائف لعدم استقالة الحكومة ولعدم حلّ مجلس النوّاب هو أن البديل من كل منهما يحتاج إلى وقت طويل جدّاً وإلى أنّ النتائج قد لا تختلف عن الحاضر. وهو قد يكون مُحقّاً في ذلك. لكنّه أليس هو نفسه من أعلن مسؤوليّة “الحزب” عن فراغ رئاسي قارب الثلاث سنوات لأنّه تمسّك بترئيس حليفه العماد ميشال عون الجمهوريّة اللبنانيّة؟ وهل كان الفراغ يومها غير خطير لأنّ لحزبه فائدة منه، وسيكون الآن خطيراً لأنّه يشكّ في أن تكون التطوّرات في غير مصلحته وإن جزئيّاً؟

في النهاية لا بُدّ من ذكر قصّة حصلت منذ عقود لا تنكأ جروحاً قديمة لكنّها يجب أن تُنبّه الناس كلًهم إلى مسؤوليّاتهم، وهي الآتية: “عتب زعيم انتقل إلى “دنيا الحق” من زمان على صديق له في منطقته لا يزوره في حين كان يزور خصماً سياسيّاً سابقاً له مُقيماً في البلدة نفسها كان احتلّ موقعاً مرموقاً في البلاد قبل عقود. فكان جوابه له: “أنت “رأّست” من أقوم بزيارته بعدما “قوّصته” ولم تصبه في مرحلة قديمة”، ثم تحالفت معه وتعاونت معه وصرتما أصدقاء”. والمغزى من هذه القصّة هو أنّ غالبيّة القوى التي “تُقوّص” على الرئيس عون اليوم مباشرة أو بواسطة الآخرين وجماعته هي التي “رأّسته”.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*