الحزب ألغى “التمييز” بين عون وباسيل

غسان حجّار
النهار
27122018

لا يستخف أحد بالخلاف الناشئ بين “التيّار الوطني الحر” و”حزب الله”، رغم مساحيق التجميل التي يسعى كل طرف إلى نشرها على وجه “تفاهم مار مخايل”. صحيح أن التفاهم لم يسقط، لكنّه دخل غرفة العناية المركّزة لأنّه في وضع حرج ولا يمكنه بعد اليوم استعادة نضارته. أمور كثيرة تبدّلت بين الأمس واليوم، جعلت التفاهم يفقد صلاحيّته.

لا يهمّني التفاهم في ذاته سواء استمرّ أو سقط كاتّفاق بين فريقين سياسيّين، تهمّني نتائجه، بل تداعياته على مجمل الشأن العام في البلاد. فاتفاق الطرفين لم يصب دوماً في مصلحة البلد، لأنّهما تواطأا لتأخير تأليف حكومات متعاقبة، وأخّرا معاً الاستحقاق الرئاسي. وخلافهما اليوم لا يصبّ أيضاً في مصلحة البلد، لأنّه يؤدّي إلى تعطيل، كما في عمليّة التأليف الحكومي. والنتيجة لا حكومة للبنان.

مصادر الحزب تصرّح عن “العقدة الباسيليّة” ثمّ تُسارع إلى النفي، ومصادر “التيّار” تردّ ثمّ توعز إلى مناصريها بالتزام التهدئة، ما يؤكّد أنّهما صارا على طرفي نقيض، وان الرسائل التي لا تبلغ مسامعهما مباشرة، تصل عبر المصادر المجهولة المعلومة.

هدف التيّار المُعلن إصلاح وتغيير، والفعلي بلوغ قصر بعبدا، وهو حلم رافق العماد ميشال عون منذ العام 1988 ولم يبرحه. الحزب يريد تحقيق ضمانات أوسع في السلطة. لا يمكنه أن يتخلّى عن سلاحه بلا ضمانات ظنّ أن الرئيس ميشال عون هو الوحيد القادر على توفيرها بما له من تمثيل واسع في أوساط مسيحيّة وشيعيّة، وأيضاً سُنيّة، وإن بنسبة أقل.

لكن هذا التأييد تآكل بعض الشيء من جراء تفاهمه مع “حزب الله”، إذ استغلّ خصومه السياسيّون هذا التفاهم لإطلاق النار عليه ونجحوا في استقطاب الأكثر تعصّباً داخل المجتمع المسيحي. أضف إلى أن “التيّار” خلع ثوبه العلماني، مطالباً باستعادة حقوق المسيحيّين في السلطة، وهو مطلب مُحقّ. لكن رفعه أدّى إلى تراجع تأييد التيّار في أوساط غير مسيحيّة، إذ أظهره حزباً طائفيّاً.

وأدّت مواقف رئيس “التيّار” الوزير جبران باسيل إلى “نقزة” تارة لدى الشيعة، وتارة لدى السُنّة، وغالباً لدى الدروز، وأضيفت إليها أزمة اتفاق معراب الذي سقط عمليّاً بالضربة الباسيليّة.

التباعد بات واسعاً، في مجالات كثيرة. الرئيس عون يريد بناء أفضل العلاقات مع المجتمع الدولي والانفتاح على واشنطن وباريس ودول الخليج العربي، في المقابل يريده الحزب أن يكون نصيراً لإيران وسوريا في ظل مقاطعة دوليّة لهاتيك الدولتين.

عمليّة تقاسم الحصص الوزاريّة، بعد الافتراق في الانتخابات النيابية، تكشف عن اتّساع هامش عدم الثقة. والخطير الطارئ في مسار هذه العلاقة أن الحزب كان يميّز دوماً ما بين الرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل ويعبّر عن استيائه من الأخير، واتّكاله على ضمان سيّد العهد، لكنّه في تقويم أخير، وبعد دراسة عميقة، بات يرى أن لا فارق بين الرجلين وأن ما يردّده أو يقوم به باسيل، إنّما يعبّر عن رئيس الجمهوريّة. وهنا يقع التباعد الكبير، كي لا نقول “الانفصال” غير المعلن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*