الحريري في حلف حكومي “رخو”… و”اللقاء التشاوري” وداعاً؟


رضوان عقيل
النهار
20122018

على الرغم من القول ان أزمة تأليف الحكومة في لبنان داخلية، لا يرى البعض ان هذا الأمر في ايدي اللبنانيين مئة في المئة، وان يكن نظامهم يتمتع بسمات قوية جراء وجود مقومات مذهبية صلبة، وان لم تبن وطناً مستقرا لكنها تحافظ على استمراريته ومن دون ان يقع. وتثبت متابعة ولادات الحكومات الاخيرة هذا الواقع السياسي المرير، وما حكومة الرئيس تمام سلام الاخيرة إلا خير مثال على ذلك. وبات التأخير في التأليف تقليداً لبنانيا موروثاً، وهذا ما يحصل مع حكومة الرئيس سعد الحريري، أقله في الاشهر الاربعة الاخيرة حيث غرق الجميع منذ بداية الاستشارات في عدم توحيد المعايير واسقاطها على الافرقاء، وتم التعامل معها على طريقة ابناء القرى في الارياف، عندما كانوا يتقاتلون على معدل توزيع جر المياه الى حقولهم، ونسوا انهم على ارض واحدة مهددة. وتوقفت أكثر القوى عند مسألة “الشكليات” على قول الوزير السابق رشيد درباس، والغرق في تضييع الوقت ابان مواعيد الاستحقاقات وما بعدها، لتكون الحصيلة مزيدا من الإنفاق وتضييع الفرص وتهديد يوميات اللبنانيين “ولو من رصيد سمعة لبنان الاقتصادية والسياسية”. ولا يتوانى عن وصف ما يحصل بـ”الجريمة الوطنية الكبرى والمتمادية”. ويؤيد الرئيس نبيه بري “رجل الدولة الذي يحسن تدوير الزوايا”، علما أنه لم يكن هناك من طائل لتضييع كل هذا الوقت لو تم الاستماع اليه طبقا لخريطة الطريق الحكومية التي وضعها وفق المخرج الذي رسمه للمعنيين بالتأليف، والذي اكتشفوه متأخرين.

وعند “اتفاق الكبار” في التوصل الى هذا المخرج، أصبح من الصعب وضع العراقيل في طريقه حتى لو اعترض البعض من الستة على احد الاسماء المطروحة. وقد تمكن اللواء عباس ابرهيم من تفكيك هذه العقدة مستفيدا من خبرته في حقل التفاوض، بعد حصوله على ثقة كبيرة من الرئيس ميشال عون واحتضان من الرئيس نبيه بري و”حزب الله”، بمباركة من الحريري.

وبعد حسم خيار السير بتشكيل الحكومة، بدأ الحديث عن حسابات الربح والخسارة و”تقريشها” في حسم ما بعد الحكومة. وتمكن “حزب الله” أولا من إصابة هدفين بحجر واحد، إذ منع الوزير جبران باسيل من نيل الثلث المعطل، وقدم للحريري هنا خدمة غير مباشرة، وفرض في الوقت نفسه وزيراً من سنة المعارضة وأجبر الرئيس المكلف على قبوله في ماكينة مجلس الوزراء الذي سيتحرك بأجنحة عدة قد تصل الى حد التنافر في الكثير من المحطات المنتظرة والملفات الساخنة.

وعند ساعة الجد في جلسات الحكومة، سيشعر الحريري بأنه سيتحرك من خلال حلف رخو وأقلوي من حيث العدد، حيث لن تكون له “المونة السياسية” على أكثر من 12 وزيراً من بينهم حصته. وسيعاني الكثير لانه سيكون “منقوص التمثيل” في مشهد الحكومة التي طال انتظارها والتي لم تولد بشروطه. وسبق له ان تلقى سلسلة من الخسائر بدأت معالمها قبل الاتفاق على قانون الانتخاب وسيره به، والذي أفقده جملة من المقاعد في عقر داره السياسية، بدءاً من صيدا الى بيروت وصولا الى طرابلس والبقاع الغربي. ولم ينج من هذه الكأس المرة الا في عكار. والمطلوب منه اليوم التنقل بين التنازلات، وهذا ما حصل معه في تشكيل الحكومة، وان كان الرجل يغلب بحسب قوله مصلحة البلد ونهوض اقتصاده فوق كل الاعتبارات ولا يضع الامور في موازين الربح والخسارة. وهو يعرف موقعه جيدا على اساس ان مناوئيه لا يستطيعون الاستغناء عنه في السرايا الحكومية. ولم يتجرأ معارضوه على القول له “لا نريدك”، لصعوبة العثور على شخصية سنية تستطيع مواجهته. وكان الرئيس المكلف يستطيع قلب الطاولة امام الجميع لو اعتذر وذهب الى منزله.

وقد نجح الرجل في جمع الحاضرة السنية من حوله من رؤساء الحكومة السابقين ودار الفتوى والمجلس الشرعي، والتي شكلت له خطوط دفاع كان من الصعب اختراقها. واستفاد ايضاً من عوامل عدة علماً ان “اللقاء التشاوري” سبب له ازعاجاً ولم يحسن التعامل معه.

وبعد طيّ صفحة التأليف يدور سؤال عن مستقبل “اللقاء التشاوري” للنواب الستة، ولا سيما أن جملة إشارات أخذت بالظهور لا تشير الى أنهم سيبقون في صفوف هذا الكتيبة النيابية التي لم تنجح في تحويلها كتلة متراصة متماسكة، نظرا الى عدم وجود رأس واحد يديرها على غرار بقية الكتل المكتملة الأوصاف. وان هذا “التجمع المخلوق” بحسب تعبير درباس الذي يحترم حضورهم في مناطقهم، غير قادر على الاستمرار، على اساس ان هناك فروقا بين الولادتين الطبيعية والاصطناعية.

ومن الواضح أن لكل عضو من الستة حساباته الخاصة، لكن فيصل كرامي سيكون من اكثر المتضررين، إذ ذهب بعيدا في التصويب على الحريري، على عكس جهاد الصمد الذي حيّده قليلا، وكانت انتقاداته تستهدف باسيل أكثر. وثمة حملة ستستمر في الشمال من باب التضييق على كرامي. ولم يكن ينقصه الا التوجه الى الجاهلية لتقديم التعازي للوزير السابق وئام وهاب، علماً انه تلقى سلسلة من النصائح طلبت منه عدم التمادي في معارضة الحريري. ويواصل النائب عبد الرحيم مراد مساعيه لتوزير نجله حسن، فيما سيواصل “حزب الله” الحفاظ عليهم قدر الامكان ليواصل استثماره السياسي عبر وجوه أثبتت حضورها في الانتخابات، ليتم تكريس هذه المصلحة للحفاظ على وجودهم في استحقاقات مقبلة، وان كانت الاعتبارات الانتخابية عند كل واحد منهم تختلف عن الآخر.

لكن بعد تأليف الحكومة، ثمة من سيقول وداعاً لهذا الفريق.

radwan.aakil@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*