الحريري في بيروت أو الرياض أو باريس… الأمر سيّان!

هل لا يزال رئيس الحكومة سعد الحريري في بيروت، هل هو في الرياض أو باريس، وهل لا يزال رئيساً للحكومة؟

لولا انتخابات طرابلس الفرعية، لما سمعنا بأن في لبنان رئيساً للحكومة، رغم أنه تحرك بصفته رئيساً لتيار المستقبل كي يؤمن عودة النائبة ديما جمالي الى المجلس النيابي. صالح خصومه وذهب الى بيت الوزير أشرف ريفي، وجال في عاصمة الشمال ليؤمن استمرار حصة المستقبل عددياً. ما عدا ذلك، غياب تام عن المشهد السياسي، لا حضور ولا ممارسة فعلية لدور رئيس الحكومة، إلا حين يتذكر أحد خصومه أو حلفائه من الطائفة السنية، أن هناك صلاحيات لرئيس الحكومة، يجري التعدي عليها، فيرفع صوته مطالباً بالتمسك بها.
ولأن الحريري كما يقول حلفاؤه الجدد في العهد «لم يبق له غيرنا»، يمسكه أطراف العهد من اليد التي توجعه، وهو يحتاج الى أقل من ذلك كي يستمر رئيساً للحكومة، يعقد جلساتها في بعبدا معظم الأحيان بطلب من رئيس الجمهورية، ولا يردّ له طلباً ولا يرفع صوتاً معترضاً. يعقد اجتماعات عمل مع مستشاريه والمقربين منه، يستقبل الموفدين الغربيين والعرب، يدور حول نفسه، فلا يجد مخرجاً من المأزق الذي وضع نفسه به. بات يعرف أن الثقة الغربية، بعد العربية، به تراجعت، وأن ما سمعه من الأميركيين في الآونة الأخيرة، كان يفترض أن يترجم ولو عبر إشارات محدودة. لكن ما حصل العكس. إذ اتجه الحريري أكثر فأكثر نحو المقلب الذي لا يرى الأميركيون فيه خيراً، ولم يحفظ من رسائلهم سوى رغبتهم في استقرار لبنان.
منذ أن عاد عن استقالته السعودية، والحريري فاقد للبوصلة السياسية، لا يعرف الى من يلتجئ وإلى من يستند في تحصين موقعه، خسر تدريجاً صقوره واحتفظ بالحمائم، وهم لا يملكون القدرة على شن معركة. والدوران في حلقة مفرغة، استنفد نفسه، وخصوصاً في مرحلة شد الكباش الحالية. لأن سلسلة ملفات أساسية وخطيرة مطروحة على الطاولة، لا يبدي الحريري فيها رأياً حاسماً وقاطعاً، بل ينتظر ما يصدر عن القصر الجمهوري.
الأكيد أننا لسنا في نظام رئاسي، لكن واقع الأمر هو أن البلد يعيش على هذا الإيقاع، فما يحصل في موضوع الموازنة والرواتب والشائعات والإضرابات المتتالية وكهرباء المنصورية، والخلاف بين القضاء والأمن الداخلي الموالي له ويتبع لوزيرة المستقبل ريا الحسن، وتعويم أمن الدولة لمصلحة دهم وزارة الخارجية مع كل ما جرى فيها، ومبنى جريدة «الأخبار»، حتى لو كان الحريري على خصومة معها، يفترض أن يكون على مشرحة مجلس الوزراء مجتمعاً، طالما أن عيون الأجهزة الدولية تنصب عليه وتتعامل معه بوصفه رئيساً للسلطة التنفيذية. ملفات البلد الكثيرة لا تناقش عبر لقاءات ثنائية ولا حتى أمنية أو روحية. فبكركي ليست المرجع الصالح لحل أزمة الكهرباء، كما أن أمن الدولة ليس هو المرجع الصالح لتنفيذ ما يطلب منه إلا لأنه أصبح جهازاً أمنياً تابعاً مباشرة للعهد. حتى إن أجهزة أمنية وعسكرية تقف الى يمين العهد وليس إلى يساره، لم تنظر الى ما جرى بعين إيجابية، لأن ذلك ينعكس على صورة العهد مباشرة.

تحميل مسؤولية تقوقع الحريري إلى حزب الله أو إلى العهد ليس في محلّه


لكن القطبة المخفية في كل ذلك، هي الصلاحيات التي يبدو أن رئيس الجمهورية يعتقد أنه يستعيدها ومعه رئيس التيار الوطني الحر ووزير الخارجية جبران باسيل، في صورة غير معلنة وغير مكتوبة في النص الدستوري، الذي طالما دعا عون الى تعديله. يستكمل عون ــــ وباسيل ــــ مسيرة الانتخابات و«عودة التوازن» واستعادة الصلاحيات والمناصفة في التعيينات، وفرض الحضور المسيحي من رأس الهرم حتى قاعدته، مستفيداً من تغطية مسيحية يؤمنها له البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في هذه المرحلة التي يواليه فيها، ومن غياب المعارضة السياسية الفعلية، طالما أن العهد يردد مراراً أن المعارضة اليوم ليست شاملة ولا سياسية ،هي معارضة لشخص باسيل فحسب. يستفيد الطرفان من تغييب الحريري نفسه، فيتقدمان عليه بأشواط، مهما كانت نتيجة وانعكاسات ما يقومان به، سواء على الصعيد المسيحي أو السياسي العام. حتى لو تخطّيا الخطوط الحمر، فإنه لا مشكلة طالما أن الجميع مطمئن أن لا رئيس حكومة قادر ــــ بالمعنى الفعلي ــــ على خوض مواجهة مكلفة في هذه المرحلة الداخلية والإقليمية الحساسة. تبعاً لذلك، ينكفئ الحريري تماماً، فلا يقدم على خطوات ولا يفتعل مشكلة، ولا يمارس رئاسة الحكومة إلا بالمقدار الذي يسمح لنفسه به، لا أكثر ولا أقل. هو أداء بات ينعكس تردداً على الأجهزة المقربة منه وعلى الوزارات التي اختارها بعناية، لأن أي وزارة لا تستند الى جدار ثقة وإلى من يغطيها سياسياً، تتحول تدريجاً الى وزارة تصريف أعمال. وأي جهاز لا يتمتع بالحصانة الكافية وبالتغطية السياسية معرّض لأن يتحول مكسر عصا دائماً. هي حال الحريري اليوم ووزارته والأجهزة المحسوبة عليه. خطورة غيابه لا تكمن في تراجع دور رئاسة الحكومة، وقد سيطرت طويلاً على المشهد السياسي منذ الوجود السوري، بل في انتظام عمل المؤسسات وإعادة التوازن الى السلطة الفعلية. وتحميل هذا التقوقع الى حزب الله أو إلى العهد ليس في محله. فالاثنان، وكل من موقعه، يلعبان لعبة سبقَ أن لعبها بنفسه وقبلها والده. الفارق هو أن لا أحد يريد إبعاده كلياً عن الساحة السياسية، فكلاهما يحتاجان إليه، وهو ارتضى أن يؤمن التغطية لهما. ما عدا ذلك، الحريري في بيروت أو الرياض أو باريس، الأمر سيّان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*