الحريري: “أكتافي عريضة”

في 15 حزيران 2003 إستهدف صاروخان فجرا محطة قناة تلفزيون المستقبل في منطقة الروشة، فأديا الى إلحاق أضرار جسيمة بالمعدات والتجهيزات. وفي أيار عام 2015، وخلال الادلاء بشهادته أمام المحكمة الدولية، روى هاني حمود مستشار الرئيس رفيق الحريري وقائع ذلك اليوم: “رحنا أنا واياه الى قاعة التحرير وخاطبهم بكلمات قليلة: هذا الهجوم ليس موجه اليكم هذا الهجوم موجه اليّ الرسالة وصلت كل واحد يرجع الى شغله”.

في إضافة من كاتب هذه السطور، الذي كان حاضرا في ذلك اللقاء بإعتباره من العاملين في المحطة منذ إنشائها في خريف عام 1992، قال الحريري أمام العاملين في المحطة، وسط الركام الذي أحدثه الصاروخان: “يا أخوان ما حدا يغلط هول (أنهما) موجهان اليّ، بس انا كتافي عراض”.

كلمات الحريري في مبنى التلفزيون أطلقت فورا همّة أعادت المحطة الى ما كانت عليه. وبقيت على همتها الى حين إستشهاد الحريري في 14 شباط 2005.

منذ تأسيس القناة حتى إستشهاد صاحبها قرابة 12 عاما و5 أشهر تقريبا. ومنذ ذلك التاريخ، مرّ أكثر من 14 عاما، والقناة تعمل قبل أن يعلن صاحبها الرئيس سعد الحريري تعليق العمل فيها. وفي البيان الذي أصدره الحريري عزا الخطوة الى “أسباب مادية”.

لا جدال في أن الاسباب المادية لها من القوة سنة 2019، أكثر مما كان للصاروخين عام 2003 اللذين أحدثا دمارا في الممتلكات ولم يبلغا الارادة التي لخصها الرئيس رفيق الحريري بعبارة “كتافي عراض”.

عاش “المستقبل” في كنف مؤسسه 12 عاما، بينما عاش في كنف وارثه 14 عاماً. في حياة المؤسس، كان هذا التلفزيون يشبه رفيق الحريري الذي ينشد الانجاز، فكان له ما اراد. وكان هناك من عمل الى جانب المؤسس مندفعين معه بسرعة تفوق سرعة الصاروخين بداية مع علي جابر ومن ثم مع نديم المنلا. وكان هاني حمود مثار إعجاب دائم من الحريري الذي قال يوما فيه أبان إنتصار القناة في معارضة حكم الرئيس أميل لحود بين العاميّن 1998 و2000: “صار التلفزيون مع هاني غير شكل”.

كان “المستقبل”، عندما حمل سعد الحريري المشعل، تركة رائعة في مرحلة ما بعد 14 شباط 2005. كان رأس حربة في مطاردة قتلة رفيق الحريري وشهداء ثورة الارز.وكان الى جانب أشقائه المكتوبين والمرئيين والمسموعين في قلب إنتفاضة لم يعرف مثلها لا لبنان ولا المنطقة، أي إنتفاضة 14 آذار 2005.وعلى مدى 14 عاما، وكما كانت الانتصارات باهرة، كانت الخيبات قاهرة. وإذا ما شاء المرء ان يقارن بين زمن ولادة “المستقبل” في خريف 1992 وبين بداية خريف 2019 الذي يشهد تعليق العمل فيه سيرى تغييرا هائلا. نتمنى لسعد الحريري “كتفين عريضين” ليبقى في ساحة رفيق الحريري.

ahmad.ayash@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*