الحرية ٣ – الحرية المفقودة: أفكار البدع والتجديد

الفضل شلق
نقلا عن مدونته
فايسبوك

قال أحد مفكري القرن العشرين عن “الثقافة” أنها كل ما يفعله الانسان ولا يستطيع الحيوان أن يفعله. يمكن قول الأمر نفسه عن الحرية عند العرب. هي ما يستطيع العرب فعله والتفكير فيه ويمتنعون عن ذلك. مجتمع يمتنع على التحرر، ويحرّم البدع، ويحرّم الشك. مجتمع ينكر حرية المعتقد. تعرف دساتيرنا حرية المعتقد بأن للجميع الحق بذلك. ما لم تقله الدساتير أن الأجدر هو فصل الحرية عن المعتقد.

 المعتقد يقرره “ورثة الأنبياء”. ثقافتهم مكرورة مجترة. يكرهون الابداع والبدع. كل بدعة ضلالة وكل ضلالة بالنار. حديث متحوّل. حتى الأحاديث المتواترة يجوز الخروج عليها عند الضرورات. النبي ليس أعلم بشؤون دنيانا. وكان يعرف ويقول ذلك. أما كان النبي المبتدع الأكبر في التاريخ؟ سيان سواء كان ذلك موحى إليه أو لا. هو خرج على مجتمعه. لما لا نقلده في الخروج عن المألوف؟ اختصر “العلماء ورثة الأنبياء” الدين في الحلال والحرام، وأهملوا المباح والمكروه والمستحب (كما كان أبو حنيفة يقول). علماً بأن معظم الحياة البشرية يخضع لاعتبارات المباح لا للمقدس ولا للحرام. لما يقال ويكتب الكثير في الحلال والحرام ولا يقال شيء تقريباً في المباح علماً بأن المباح هو معظم الحياة البشرية؟ هل صار مجتمعنا طفلاً بحاجة الى من يلقمه قنينة الحليب كل يوم بضع مرات ليعلم منها الأحكام الصحيحة؟ دين يقتصر على المقدس (الحلال والحرام) يستبد بنفسه ويجعل نفسه غير قابل للتطوّر والتقدم، بالأحرى فاقد القدرة على كل منهما؛ مجتمع عاجز يبرر لعجزه، وهو مسرور بنفسه.

لسنا قادرين على ممارسة الحرية ما دمنا نرفض الغزو الثقافي الغربي، أي ما دمنا نرفض الأخذ بالثقافة الغربية، بعجرها وبجرها. المسألة أسهل من ذلك بكثير. نبذل الكثير من الوقت والجهد والتفكير في الممانعة ضد ثقافة الغرب (ثقافة العالم). فكأننا نفرض العزلة على أنفسنا؛ كأننا نفرض الدونية على أنفسنا؛ كأننا حكمنا على أنفسنا بالهامشية. نمارس العنصرية على أنفسنا. فكأنه لا يكفينا ما يمارسه العالم ضدنا من عنصرية بدعوى الحرب على الإرهاب وحرب التكفير. صرنا خارج التاريخ. ما معنى ذلك؟

أن نصير خارج التاريخ معناه أن نرفض الخروج الى العالم، وأن نرفض الانخراط فيه. تنظر الى نفسك، ترى أنك تستهلك كل ما يستهلك العالم من أدوات، وأنك تمارس في بيتك وعائلتك كل ما يمارسه العالم. هل تعتقد أن ما يشاهده أولادك وأحفادك على شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي لن يؤثر فيهم، ولن يعيد تشكيل حياتهم الاجتماعية؟ وربما كان ذلك أكثر من توجيهم الاجتماعي الأخلاقي.

العالم يغزونا ثقافياً، ونحن نرفضه. ألا يشكل ذلك تناقضاً؟ ألا يبعث ذلك على التساؤل والشك؟ نحن مضطرون الى الخروج الى العالم. لا بل العالم يأتي إلينا. ينخر أدمغتنا وعظامنا. نرفضه فكأننا نستسلم له ولثقافته. هو يفرض نفسه علينا. نستوعبه بعجره وبجره فيكون موضوعياً أن نأخذ منه ما يناسبنا ويكون موضوعياً أننا لا نأخذ منه إلا ما نحتاج. مجتمعاتنا مفتوحة الآن للغزو الثقافي الغربي بسبب ممانعتنا لهذه الثقافة. تؤدي الممانعة الى عدم البحث في موضوع هذه الثقافة وتأثيراتها، فنترك لها الساحة وهي تستبيح مجتمعنا.

يمارس الاستبداد حريته. يثقل كواهلنا. لا نمارس حريتنا. نستسلم للغرب كما للاستبداد. لم يكن الاستبداد قادراً على التحكم فينا لو لم نكن موضوعاً قابلاً للاستبداد. نحن نتوق للتحرر من الاستبداد، لكنه يتغلّب علينا في كل مرة تنزل جماهيرنا الى الساحات العامة مطالبة بإسقاط النظام. يعود نظام أسوأ من الذي سبق.

الحرية سعي دائم. بحث عن المعنى والمغزى: معنى حياتنا الراهنة، ومغزى المصير. هي بحث داخل الذات، إن كنا نجد بقايا هذه الذات. عندما صعد الغرب كان كل مواطن فيه يبحث داخل الذات عن الذات. صعد الغرب بسبب هذا البحث وما أنتجه من شكوك وريبات. في هذا الوقت كنا نحزم حقائبنا للسفر خارج الذات. كأننا لم يعد لدينا شيء نقوله. وهل قلنا الكثير خلال مئات السنوات الماضية؟

البحث في المعنى يتطلّب الغوص في الذات وإعادة البحث في كل متاعها، وربما التشكيك بكل ما فيها من بضاعة. ما كان يصلح منذ ألف عام، لم يعد يصلح اليوم. مسلمات الأمس تدعو الى الضحك اليوم. أما زال الكثيرون فينا يشككون بمعجزات الغرب مثل الذرة والوصول الى القمر.

البحث في المغزى يتطلّب البحث في المصير. هل المستقبل سيكون إعادة لما مضى؟ وهل الماضي هو الذي حدث؟ كيف نتأكد من ذلك؟ ندعي العيش حسب السلف الصالح. وهل كان السلف الصالح غير ما نحن عليه من السلوك النفعي والرغبة في الاكتناز؟ والاستئثار بما هو للغير؟ هذا التفوق الأخلاقي المفترض للسلف الصالح يدعونا الى تقليدهم. تقليد ماذا؟ هم راكبو الخيل ونحن نركب السيارات. هم أخذوا نصيبهم من العطاء، ونحن نناضل من أجل حقوقنا. لن نستطيع تقليد السلف الصالح إلا بالخروج على مجتمعنا. إذا قلدنا النبي. ألم يكن هو الخارج الأكبر على مجتمعه؟

تمرّد النبي على مجتمعه وتبعه أصحابه، ثم تبعهم التابعون، وتابعو التابعين. لماذا لا نقلدهم في التمرّد؟ لماذا لا يصير كل منا مثل طرفة بن العبد الذي خرج على قبيلته فنبذته، فصار مثل “البعير المعبّد”؟ هو واحد من الشعراء الصعاليك الخارجين على مجتمعهم. وهم الذين هيأوا الجو النفسي بين سكان الجزيرة العربية تمهيدا لظهور الإسلام.

نخرج من أنفسنا. نتغلب عليها. نصنع هوية جديدة لنا. لا نستطيع البناء إلا بما هو موجود. نعيد تشكيله. نجعل أساسه التمرّد لا الاستسلام. نصنع المصير لا الاستسلام له. المصير سيصنعه أحد ما. الأفضل أن نصنعه نحن من أن يصنعه أحد غيرنا. الحرية هي هذا الانقلاب على الذات: إخراج ما في النفس من عفونة، وإخراج الوحل من قاعها. أم أننا نصفّق مع الهائجين فرحاً بالانتصار الإفتراضي ونحن مهزومون. والهزيمة تعشعش في حنايا دماغنا.

الخروج من أنفسنا هو خروج الى العالم، واندماج فيه، وانهمار على ما فيه من معرفة. المعرفة التي لدينا لا تساوي شيئاً كم عود كبريت نصنع في العام؟ لا نعرف صنع أعواد الكبريت. فكيف ننظر الى أمجاد فتوحاتنا.

الخروج الى العالم يستدعي جرأة الاقتحام. الاستسلام لله والتسليم به، لا يعنيان الاستسلام للعصر ومن يحكم العصر. الجرأة في أن نتخلى عما عندنا وأن نعلن أو نؤمن أن العالم سهل المنال. نخاف العالم فنتقوقع في أنفسنا. ننعزل ونمعن في الهزيمة والاستسلام للعدو. ما كان العدو كبيراً لو لم نكن صغاراً خائفين مذعورين. من التحرير الى مقاومة التطبيع. ألا نرى في ممانعة التطبيع إقرارا بالهزيمة واعترافاً بالعدو وتخلياً عن الحق المسلوب (قبولاً بالتخلي عما حق لنا من دون الاعتراف بذلك)؟

هل نقاوم أنفسنا؟ أم نرى في مقاومة الغير الوجه الوحيد المقبول؟ ألا نعتبر أن مقاومة النفس، ومقاومة ما في داخلنا، هو شرط كل مقاومة الخارج؟ ألا نرى في مقاومة الخارج أشكالاً تتكرر عاماً بعد عام وتؤدي الى النتيجة ذاتها؟ الدرس الوحيد الذي تعلمناه من التاريخ هو أننا لا نتعلم من التاريخ. الماضي غير التاريخ. الماضي لم يعد موجوداً الوجود للتاريخ وحده. التاريخ هو غير ما تعودنا عليه. هو غير المألوف. هو الجديد الذي نبتكر. هو المستقبل الذي نصنع. متى نبدأ بصنع تاريخنا، أي مستقبلنا؟

الحرية هي أن نصنع التاريخ، نصنع المستقبل ولا نستسلم للماضي. نجد حريتنا في السعي الدائم، في العمل والإنتاج، لا انتظار ما يأتي من السماء أو من هبات الأرض، كالنفط وغيره. أن نعمل باتقان. الاتقان ليس أول العمل هو آخر العمل (هو كما كان يقول أحد أساتذتنا آخر 5% من الشغل في أي مشروع). نحن لا نتقن أي شيء سواء كان فكرياً أو مادياً. لا نجيد بناء أي مشروع اعماري ولا إنتاج كتاب يروي القليل بالمعرفة. علينا، أو على بعضنا على الأقل، أن نصبح رهباناً معرفيين. المعرفة في سبيل المعرفة. الفن في سبيل الفن. أما قامت الحضارة الغربية على ذلك؟

الحرية أن نختار من نحن، لا أن يقال لنا هذا أنتم. الحرية هي أن نصير غير ما نحن عليه. أن نصير غير نحن. أن نصير نحن جديدة، مغايرة لما سبق. لا خوف أن نخرج من أنفسنا. ما دمنا موجودين ستكون هناك نفس لنا، وذات لنا، وهوية لنا. المهم أن نصنع كل ذلك. هذا هو معنى الحرية.

الحرية لا تحصل بمجرد أن نقول للحاكم: أسقط. الحرية هي أن نغيّر ما بأنفسنا. هي في هذا التغيير، وفي أن يكون طوعياً لا مفروضاً من خارج الذات.

شعوبنا تنشد الحرية. منذ العام 2010-2011 والتظاهرات في الشارع. تطوّر بعضها الى حروب أهلية شنتها الثورة المضادة التي تدعمها الأنظمة الحاكمة. لكن المظاهرات في الشارع، وهي على أهميتها، طالت السطح السياسي. حتى ولو زال النظام القمعي فهذا لا يعني تحقّق الحرية. المطلوب أكثر من تغيير الحاكم الطاغية وإسقاط نظام القمع. فهذا لا يغطي إلا الجانب السياسي. المطلوب تغيير في وعي الجماهير وفي الثقافة الشعبية. الحرية لا تُعطى ولا تُمنح. هي تُكتسب في كل فرد وضمير لكل واحد منا. شرط الحرية التفلت من كل العلاقات الأولية (العائلية، والإثنية، والعشائرية، والقومية). شرط الحرية الوحيد هو الفرد القائم بذاته الذي لا يقيم علاقة إلا مع الدولة، لا مع السلطة ونظام الحكم. لا يصير هؤلاء الأفراد مواطنين إلا بالدولة. ولا يصير نظام الحكم دولة إلا عندما تصير هذه الدولة إطارا ناظما للمجتمع. يصير الفرد حراً بإعطاء الأولوية للسؤال على الجواب، للعام على الخاص، المصلحة على الأنانية، للنظرية والفلسفة على المعلومة والخبر. الظن يصنع المعرفة. غلبة الظن تصنع اليقين؛ بالمعرفة يصير المرء حراً. بتكريس العقل للمعرفة، والمعرفة للعمل والسعي والإنتاج.

ما يلزم مجتمعاتنا هو إبطال التفكير بين قطبي الحلال والحرام وحدهما، وبين الأمر والطاعة وحدهما. الانضباط لا يعني الطاعة بل الاعتداد بالنفس. لا بالأنا وحدها بل بالآخر الذي يعطي الأمر أو يشارك في النقاش أو في المواجهة. من السهل أن يتحوّل الاعتداد بالنفس الى استكبار أو الى طغيان إذا كان صاحبه في السلطة. دور الاستبداد في مجتمعاتنا لا يقتصر على الطغيان السياسي وحسب. هو كامن في الوعي السائد، في الأبوية العائلية أو العشائرية، الى طغيان الحكام في الدين. والأحكام تختصر التفكير الى ما يتعلّق بالحرام والحلال، وعلى الأرجح بالحرام فقط. نتيجة ذلك أنك إن لم تفعل شيئاً لا تأتي حراماً. وأنت لا تفعل شيئاً حين تطيع من دون أن يكون لك حق، أو واجب السؤال والتمرّد.

لا تأتي الحرية من عوامل خارجية، مهما ساهمت هذه في كبتها. هي حالة داخلية، في النفس، وفي الروح، وفي الضمير. هي نقيض الاستبداد في المجال السياسي، لكنها نقيض جميع أنواع الاستبداد الأخرى. من هذه الأنواع ما هو متأصل في مجتمعنا.

الاستبداد طغيان يفرض نفسه من فوق من خارج المجتمع، الحرية تنبع من تحت، من الضمير. هي حالة اجتماعية وثقافية. النظام الذي يتأسس على الاستبداد لا ينتج دولاً.  لا يستطيع الاستبداد اختراق ضمائر الناس. المجتمعات التي حكمتها الفاشية والنازية بقيت الحرية متجذرة في داخلها، في ضمائر أفرادها. بقيت تشكل دولاً حقيقية منغرزة في نفوس الناس. الاستبداد لدينا تلاقى مع الاستبداد الداخلي (فقدان الحرية في الضمير والنفس والروح)، وشكلا معاً نظاماً استبدادياً ليس فقط في السياسة، بل في المجالات الاجتماعية والنفسية أيضاً. لا يستطيع الطاغية أن يحكم ويتجذّر حكمه من دون أن يلاقي ذلك صدى وتجاوباً مع الناس. تعود ثوراتنا الى حيث بدأت. لهذا السبب تساهم الحروب الأهلية في ذلك. الصراع على السلطة بين الثورة والثورة المضادة هو بين فريقين اجتماعيين. الرجعية العربية أيضاً دعمت الثورات العربية. وضعت الجانب السياسي عى حِدى وخاطبت القوى المعادية للحرية في المجتمعات العربية وفي النفس العربية.

ما حدث في 2010-2011 كان فورة حقيقية. لكنه لم يشكل ثورة المجتمع على نفسه. تساهم الثورة المضادة في منع الثورة على الذات، في داخل الذات، وضد الذات. لو انقلب المجتمع العربي على نفسه لما أُتيح للثورة المضادة أن تنجح في إثارة الحروب الأهلية، وفي إعادة تنصيب الطغاة.

مشكلتنا مع الاستبداد هي في مواجهة النظام السياسي. استكمال الثورة، أي امتدادها الى ما هو اجتماعي وثقافي، يتطلّب ثورة في الوعي، وثورة في الثقافة. وهذا ما تقصّر النخب الثقافية في تحقيقه. لو تلكأت النخب الثقافية في مواجهة أنظمة الاستبداد السياسي، لكنها لم تسعَ الى تحقيق شيء في مواجهة مجتمعاتها. تراجعت المجتمعات العربية نحو تقليدية محافظة، ولم تستطع منع هذا التدهور، أو هي ساهمت فيه. يتمظهر كل ذلك في الدين. وفي الدين صراع بين الحداثة والتراجع الى ما قبل الحداثة. الدين السياسي-الاجتماعي هو الآن في جوهر الصراع بين التقدم والتأخر. يشكل التعليم الجامعي، وما قبل الجامعي، ساحة أساسية في هذا الصراع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*