الرئيسية / مقالات / الحرية الفكرية الإعلامية بترول لبنان

الحرية الفكرية الإعلامية بترول لبنان

 غادة السمان 
القدس العربي
03112019

أياً كانت محصلة التحركات الشعبية الغاضبة في لبنان، من المهم المحافظة على حرية الأبجدية قولاً وكتابة.
فما يخطه الصحافي مثلاً في لبنان يعبر غالباً عن شجاعته وصدقه، بل وعن القدرة على النبوءة حتى بالتظاهرات الحالية، مما يجعل من لبنان (على الرغم من عثراته وكوارثه الأخرى) عاصمة للحرية الشعبية ترفض الفساد الفاجر الفخور بنفسه، لكن حرية القول في لبنان ما زالت مصانة، (حتى لحظة كتابة هذه السطور!)، ولم يستطع أحد المس بها، فصناعة الكمامات لم تصل إلى لبنان على الرغم من المحاولات الكثيرة لجعلها صناعة محلية.. والحرية خط أحمر!

أبجدية بلا أقنعة وفساد فاجر

يكتب مثلاً عبد الوهاب بدرخان تعليقاً على شكر «حزب الله» للبنان برئاساته الثلاث (أي الدولة) وجيشه وشعبه وإعلامه على حسن سلوكهم (!) خلال الفصل الأخير من المواجهة بين «المقاومة» وإسرائيل.. ويجد بدرخان الشكر ملتبساً ومدعاة للقلق. لماذا؟ لأنه يكرس واقع الدويلة» التي تحكم «الدولة»! ويختم قوله: «الدويلة» خرجت أقوى من «الدولة» وأكثر خطراً على لبنان واللبنانيين. وقد اخترت هذا القول وسواه مما نشر قبل الانفجار الشعبي لما فيه من براعة رصد المأساة اللبنانية حتى النبوءة بالتحركات الحالية، كصفارة إنذار.

أفرغتم الخزينة في جيوبكم

يكتب الياس الديري تحت عنوان «.. ولمن يشكو اللبناني البائس» معرياً تعاسة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين حيث اختلطت المسؤولية (بالفلتان). مضيفاً: إن أحداً لم يسمع بقرار أو خطوة أو اجراء في حق ميليشيات المليارات.
أما راجح خوري فيلخص المأساة اللبنانية في عنوان اتهامي واحد بارع هو «افرغتم الخزينة في جيوبكم».

نايلة تويني وصرخة مختزلة

تحت عنوان «لبنان الغارق في السجالات: المطلوب واحد»، تكتب التويني: البلد في أزمة اقتصادية خانقة، ويكاد يواجه خطر الانهيار فيما هو منشغل بما قاله السيد حسن نصر الله وبالعميل عامر فاخوري. وينطبق علينا قول السيد المسيح لمرتا «مرتا يا مرتا، أنت مشغولة بأمور كثيرة والمطلوب واحد» وتضيف: قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله: نحن نخوض معركة كبرى، ومخيمنا تحاول أمريكا وإسرائيل أن تحاصره. قائد مخيمنا اليوم هو الإمام الخامنئي ومركزه الجمهورية الإسلامية الإيرانية…»، وتتابع بشجاعة: يمكن للسيد حسن نصر الله قول ما يشاء، وقوله لا يعني أكثرية اللبنانيين، بل إن الأكثرية تعارضه. صحيح أنه يمسك ببعض القرار الأمني، خصوصاً إدخال لبنان في الحرب، لكنه لا يملك القرار السياسي ولن يملكه في بلد متعدد إلى هذا الحد الانقسامي». وباختصار: حين تطالع معي بعض ما كُتب قبل الانفجار الشعبي تجد نفسك أمام نبوءة بها.

قطر على «صخرة الروشة»

إنها تلك الصخرة الشاهقة في البحر البيروتي ـ منطقة الروشة، وكانت من زمان تدعى «صخرة الانتحار» لأن أحدهم تسلقها ورمى بنفسه من علٍ ليموت منتحراً.. وقد شاهدت (حين كنت في بيروت قبل أسابيع) على تلك الصخرة بالضوء ليلاً شعار مونديال 2022 في قطر، وقد استوحي الشعار من الشال (الوشاح) الذي يرتديه الناس في المنطقة العربية. وأحببت ذلك لأنه يعبر عن روح بيروت المنفتحة لكل عطاء والمعانقة لكل نشاط عربي إنساني حيوي بما في ذلك الرياضي. وذلك لن ينسينا طبعاً المآزق المالية والسياسية التي يعيشها الوطن الحبيب لبنان، لكن قدرته على الاحتضان تظل مثار إعجاب.

فن الكاريكاتير يلخص واقع الحال اللبناني

يعجبني في «القدس الأسبوعي» نشر اسم رسام الكاريكاتير تماماً كما يتم نشر اسم كاتب أي مقال من مقالات الصحيفة.
في بيروت ثمة ظاهرة غير حضارية لم تعجبني، وهي أن بعض المجلات والصحف لا تنشر اسم راسم الكاريكاتير، وفي بعضها يوقع الفنان باسم غير مقروء غالباً.
الكاريكاتير فن راق كما كتابة الأبجدية، بل إنه يمتاز على الأبجدية بأنه ليس في حاجة إلى ترجمة إلى لغة أخرى، ويمكن أن يصل لأي قارئ في العالم بلا مترجم…
وفن الكاريكاتير اللبناني في بعض الصحف بالغ الرقي.
كاريكاتير أرمان حمصي، مثلاً، يعادل مقالاً كاملاً.. أذكر على سبيل المثال كاريكاتيراً له يمثل «معصرة حامض» ضخمة، وعشرات الأيدي تمتد نحو اللبناني (الليمونة) لمزيد من (عصره) مالياً، كما لو كان ليمونة فقط في نظر بعض كبار المسؤولين لا تصلح لغير عصرها!.. ويغيظني في لبنان كثرة المجلات والصحف التي تنشر كاريكاتيراً دون ذكر اسم مبدعه.

طفل نبشوا قبره لأنه سوري!

أتضامن بلا تحفظ مع المنظمات اللبنانية التي تتعاطف مع النازحين/اللاجئين السوريين مطلقة حملة ضد العنصرية. أتفهم ضيق صدور اللبنانيين بأكثر من مليون لاجئ سوري في وطن عدد سكانه ثلاثة ملايين فقط تقريباً، ما يسبب أزمة في اللقمة وفرص العمل. لكن السوري اللاجئ ليس مسؤولاً عن تلك المأساة المشتركة.
كسورية/لبنانية، يؤلمني أن يضيق صدر مقبرة لبنانية بجثمان طفل سوري ويتم طرده منها بعد نبش قبره. وأشكر من قلبي كله ذلك اللبناني الذي تبرع بأرض يملكها لتكون مقبرة خاصة بالسوريين.. وأصلي لعودة السلام إلى الأوطان، فاللاجئ لا يحلم بغير العودة إلى بيته وداره ويعرف المثل الشامي: «من غادر داره قَلَّ مقداره»، وأيضاً «الحجر في مكانه قنطار».

اضف رد