“الحرس الثوري” يتحايل على العقوبات الأميركيّة هل نجح حقّاً في استحداث مصادر جديدة للتمويل؟

محطة لتخصيب اليورانيوم في إيران

دأب مسؤولون أميركيون، بينهم وزير الخارجية مايك بومبيو، على التصريح بأن العقوبات الاميركية قوضت قدرة “الحرس الثوري” الإيراني على تمويل وكلائه في المنطقة، وأشاروا خصوصاً إلى أن طلب الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله من مناصريه التبرع للحزب دليل واضح على نجاح حملة “الضغط الأقصى” التي تعتمدها الادارة الاميركية لتجفيف مصادر الدخل لطهران، الا أن معلومات جديدة أثارت شكوكاً في التقديرات الاميركية.

بشهادة باحثين وخبراء في الشأن الايراني، ألحقت العقوبات التي فرضتها ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب أضراراً كبيرة بالاقتصاد الايراني، وأدت مثلاً الى تقليص صادرات النفط الايراني أكثر مما فعلت عقوبات ادارة الرئيس السابق باراك أوباما مع حلفائها الدوليين مجتمعين.

وفرضت الادارة عقوبات لا سابق لها على “الحرس الثوري”، بادراج التنظيم في اللائحة السوداء للمنظمات الارهابية الاجنبية، لمنع الشركات الاجنبية من التعامل معه، وحظر شراء النفط الخام الايراني. ومع ذلك، نسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” أمس الى مستشارين للحرس وللحكومة الاميركية أن الحرس نجح في تنويع مصادر تمويله، والعثور على مصادر أرباح جديدة، بينها عقود موقعة حديثاً لإنشاء مواقع للبنى التحتية في سوريا والعراق، إضافة إلى توسيع جهود التهريب.

وفي سياق الامثلة على الموارد الجديدة، قال التقرير إن الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على بنك “أنصار” الإيراني في أيار الماضي بحجة أنه الأداة الرئيسية لدفع رواتب “فيلق القدس” التابع للحرس والذي يدير عمليات طهران في الشرق الأوسط ، إضافة إلى رواتب مرتزقة من باكستان وأفغانستان في سوريا. ومع ذلك، أظهرت سجلات المصرف أن ودائعه زادت بنسبة 4 في المئة خلال الشهرين الأخيرين.

كذلك وقعت شركة “خاتم الأنبياء” الذراع الهندسية لـ”الحرس الثوري”، والتي تحقق مداخيل كبيرة له العام الماضي عقوداً لتنفيذ مشاريع بناء وإمداد معدات للطاقة في سوريا

وتتحدث مواقع سورية معارضة عن مشاريع عدة تنفذها الشركة في سوريا، بينها “خط النفط والطاقة” الذي يمتد من العراق إلى الزبداني فلبنان وصولاً إلى الساحل السوري، والذي موّل عام 2013 بقيمة 10 مليارات دولار.

ومن أهم استثمارات الحرس أيضاً، مجموعة الأملاك والفنادق داخل العاصمة السورية وريفها، وكلها استثمارات ضخمة، سواء في الحي التجاري في منطقة البحصة، أو في شارع الأمين أو في أحياء الشاغور والحريقة ومنطقة الحميدية.

كما يستثمر “الحرس الثوري” في الزراعة، في الأراضي المنتشرة في دير الزور وريف دمشق، إضافة إلى مشاريع الطاقة الكهربائية. وحصلت الشركات الإيرانية على عقود لاستثمار أراض في دير الزور وزراعة الحبوب والكاجو.

وهناك استثمارات لإيران في بعض حقول الغاز بمنطقة قارة داخل سوريا، وتوسيع حقل تشرين الحراري في منطقة حران العواميد بريف دمشق، وإعادة استثمار محطة كهرباء بريف اللاذقية. ولديها استثمارات أخرى في قطاع تجميع السيارات وبعض المواد الغذائية الأساسية، وفي معمل الاسمنت بمنطقة عدرا الصناعية.

وأخيراً، أشارت تقارير إلى سعي ايران للسيطرة على مرفأ اللاذقية التجاري للوصول الى المتوسط. ورجحت صحيفة “التايمس” البريطانية احتمال نقل إدارة ميناء الحاويات في اللاذقية إلى إدارة إيرانية مطلع تشرين الأول المقبل.

العراق

وأنشأت “خاتم الانبياء” خطوط أنابيب للنفط والغاز في العراق بين بغداد والبصرة، إضافة إلى محطة لمعالجة المياه.

وينقل تقرير “الوول ستريت جورنال” عن المستشارين ومسؤول سابق في “الحرس الثوري” إن الحرس يجني أيضاً أرباحاً من تهريب الوقود من إيران وتهريب بعض السلع التجارية إليها، بينها أجهزة استهلاكية وسجائر. وكانت الصحيفة أوردت الاسبوع الماضي أن النفط الايراني عاد للتدفق الى سوريا بعد توقف. وفرضت الخزانة الاميركية عقوبات على شركتين نفطيتين مقرهما في لبنان يملكهما رجل الاعمال السوري سامر فوز.

وفي العراق، أبلغ شخص مطلع على التقارير الاستخبارية الأميركية الصحيفة أن “الحرس الثوري” اكتسب دعم عشيرتين مؤثرتين في غرب العراق، وساعدهما في الشهرين الأخيرين على اقتناء منازل مهجورة مقابل دعمهما له سياسياً وعسكرياً. وفي إشارة الى أن الميليشيات العراقية التي يدرب بعضها “فيلق القدس” لم تتأُثر بالعقوبات، ذكر التقرير بأن الحكومة العراقية هي التي تتكفل رواتب الميليشيات العراقية. وقد جددت واشنطن للمرة الثالثة تمديد إعفاء العراق مدة 90 يوماً من العقوبات التي فرضتها على إيران تتيح له استيراد الكهرباء والغاز اللذين يعتمد عليهما بشدة خصوصاً في الصيف الحار في البلاد.

ويعد الإعفاء أمراً حيوياً بالنسبة إلى العراق لكنه أيضاً يؤمن مداخيل لإيران.

ويعتقد مراقبون أن إيران لم توقف تماماً تمويلها لـ”حزب الله”. أما الحوثيون في اليمن الذين يستفيدون أيضاً من التمويل الايراني، فكثفوا عملياتهم أخيراً وباتوا أكثر جرأة في عملياتهم على أهداف سعودية نفطية ومدنية. ويحقق الحوثيون مداخيل خاصة من فرض ضرائب على المواد الغذائية والوقود والتبغ.

وكانت القيادة المركزية الأميركية قالت الاحد إن الحوثيين أسقطوا طائرة مسيرة أميركية من طراز “أم كيو 9” بصاروخ حوثي من طراز “سام 6″، مشيرة إلى أن الارتفاع الذي أصيبت عنده الطائرة يظهر “تحسن قدرات الحوثيين”.

وسألت “النهار” الناطق الاقليمي باسم وزارة الخارجية الاميركية ناتان تك عن المعلومات الواردة في التقرير، فرفض التعليق عليها، قائلاً: “إننا نكتفي بالتصريحات الرسمية لوزير الخارجية ولن نضيف إليها”. ونظراً الى الانقسام الكبير في واشنطن حيال سياسة “الضغط الاقصى” التي تعتمدها الادارة الاميركية، كان بديهياً أن يثير التقرير نقاشات واسعة. وكتبت الباحثة آريان طباطبائي أن هذه المعلومات دليل على أن العقوبات تؤثر على الايرانيين ذوي الدخل المحدود، لكنها لا تغير حسابات النظام.

وقال مات داس، المستشار السياسي للسناتور بيرني ساندرز: “يبدو أن نفوذ الحرس الثوري ينمو في إيران كونه يساعد في دعم الاقتصاد وإبقاء خصومه الاقوياء بعيدين”.

وفي المقابل، رأى ماثيو ليفيت،مدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات في “معهد واشنطن” أن ما يفعله “الحرس الثوري” لا يعني بالضرورة أن العقوبات الاميركية فشلت. وقال لـ”النهار” إن “الحرس لا يزال قادراً على الحصول على أموال، إلا أنه اضطر للتوصل الى هذه المصادر البديلة بسبب العقوبات”.

monalisa.freiha@annahar.com.lb

Twitter: @monalisaf

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*