الرئيسية / مقالات / “الحراك فتح الباب أمام الإصلاح “

“الحراك فتح الباب أمام الإصلاح “

أن ينتفض الناس على النظام، ليس معناه الدائم اسقاط النظام، بل تصويب الاداء ودفع الاصلاح قدماً، وتحقيق التغيير في النظام الذي مضى عليه زمن تخلّف فيه عن العصر وعن مواكبة المتغيرات. اسقاط النظام ليس أمراً سهلاً، خصوصاً في لبنان، حيث هو متجذّر في تركيبة سياسية عائلية عشائرية مذهبية مصلحية نفعية قديمة وثابتة. والطارئون على السياسة من ابواب الميليشيات او المال، ومعظمهم غير نظيف حتماً، لا يحاولون نقض التركيبة القائمة، إلا للدخول فيها والتحول جزءاً منها. وهناك، في النادي، يستقرون ويطمئنون الى مصالحهم. وهذه الطبقة تحمي نفسها، وتؤمّن على ناسها، وتغطي فسادها، ويتحول الجدد فيها الى مزايدين لحمايتها خوفاً من انفراط عقدها.

أؤيد الانتفاضة الشعبية قلباً وقالباً، ومع التحرك الذي حصل مدى الاسبوعين الماضيين، ومع إقفال الطرق الى حين للضغط على السلطة، ومع النفَس الطويل لتحقيق المطالب التي تلخصت أخيراً باسقاط الحكومة (تحقق) واقرار قانون انتخاب جديد وعصري، ومحاربة الفساد واستعادة الاموال المنهوبة.

ولا أظن ان أحداً من اللبنانيين يمكن ان يختلف مع الآخر حول سلّة المطالب هذه. حتى المعترضين لا يجرؤون على اعلان اعتراضهم لأنهم يضعون انفسهم في موقع المدافعين عن الفساد وعن عدم الاصلاح. وأعجب من الذين اعترضوا، وخصوصاً مناصري “التيار الوطني الحر” الذين نادوا باستمرار بالتغيير والاصلاح، واذ بهم يتراجعون أمام محاولة فرض هذا التغيير، على رغم ان الرئيس ميشال عون اعتبر ان “الحراك الذي حصل فتح الباب أمام الإصلاح الكبير، واذا ما برزت عوائق أمامنا، فالشعب سيعود من جديد الى الساحات”.

وتوجَّه اول من امس الى الشباب في الساحات قائلاً: “أوصلتم صوتكم رغم الضجيج الذي حاول خنقه وتحويله عن مساره. وانتم نواة شعب لبنان العظيم وقلبه النابض، ولا تسمحوا بتهاوي أحلامكم أمام توظيف واستغلال”.

لكن الخلاف الذي يمكن ان يقسم اللبنانيين مجدداً هو حول الطريقة المعتمدة لتحقيق الاهداف المحقّة في ظل محاولات دؤوبة من السلطة لاستيعاب الشارع، تارة بالترهيب او باتهامه بالعمالة والعمل لمصلحة سفارات ودول، أو بالترغيب التقسيمي بطرح اسماء للتوزير او للحوار الذي انطلق بعيداً من الاضواء على غير جهة وجبهة، في محاولات بعضها صادق النية، والبعض الآخر لقسمة الحراك.

إن الوسائل المعتمدة لاحقاً لتحقيق المطالب لا يمكن ان تتخلى عن الشارع، ولا يجوز، ولا حتى التجمع في الساحات فقط، فهذه الاساليب لم تعد تنفع، وليست مؤلمة، بل ان الاغارة على وزارات ومؤسسات رسمية من دون عنف وتكسير، ضرورية لتهديد أمن تلك الطبقة المتجبّرة. والضغط لتأليف حكومة جديدة “نظيفة” كما قال الرئيس عون، مهمة المرحلة المقبلة القصيرة المدى، لان التأخير في تأليف حكومة يعني مزيداً من اضاعة الوقت.

لا ضرورة للتوقف عند اخطاء حصلت، او شتائم أُطلقت، ففي كل الثورات والانتفاضات تسود حال من الفوضى. لكن المهم ان تنطلق بعدها مرحلة المحاسبة الجدية للبناء والتأسيس من خلال خطط واضحة ليست مسؤولية الثوار وحدهم، فلا تستمر الفوضى التي تقود احياناً الى المجهول.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb / Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد